الأمم المتحدة .. شرعية بلا قوة أم قوة بلا شرعية؟

✍️ يوحنا عزمي
إذا أردنا أن نفهم المشهد الدولي كما هو، بعيداً عن ضجيج البيانات الرسمية، وخطابات القادة، والعناوين التي تتصدر منصات التواصل الاجتماعي ، فعلينا أن نطرح سؤالًا أكثر أهمية: ماذا يحدث بالفعل على الأرض، وما الذي تستطيع المؤسسات الدولية أن تفعله تجاهه؟
المشهد داخل الأمم المتحدة خلال هذه الدورة يكشف بوضوح الفجوة المتزايدة بين الخطاب السياسي والممارسة الفعلية. فداخل القاعة تتوالى المواقف والنداءات والتحذيرات والدعوات إلى احترام القانون الدولي ، بينما تتحرك الأحداث خارج القاعة وفق حسابات مختلفة تماماً ، تحكمها موازين القوة والمصالح الاستراتيجية والقدرة على فرض الوقائع.
في جانب من المشهد، تظهر مواقف عربية وإسلامية تطالب بزيادة الضغط على إسرائيل بسبب التطورات في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وتدعو إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، بينما تؤكد دول أخرى ضرورة احترام الالتزامات المتعلقة بالهدنة وإدخال المساعدات الإنسانية. كما صدرت مواقف جماعية من دول عربية وإسلامية تطالب إسرائيل بتنفيذ التزاماتها بموجب المرحلة الأولى من الترتيبات المتعلقة بقطاع غزة.
وفي الجانب الآخر ، تتصدر الولايات المتحدة المشهد برسائل مختلفة، من بينها حديث الرئيس دونالد ترامب عن إيران باعتبارها مصدراً رئيسياً للإرهاب ، وإشارته إلى انضمام دول إلى ترتيبات مرتبطة بإعادة إعمار غزة ، فضلًا عن حديثه عن إمكانية إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ومواقفه المعروفة من المحكمة الجنائية الدولية.
وفي السياق نفسه، تطرح كوريا الجنوبية قضية نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية ، بينما شهدت الجلسة مواقف احتجاجية من بعض الوفود، من بينها انسحاب الوفد الكوبي أثناء كلمة ترامب بعد انتقاده لبلاده.
هذه هي الصورة داخل القاعة: بيانات ، مطالب، اعتراضات، دعوات، وتحذيرات.
لكن المشكلة تبدأ عندما نغادر القاعة وننظر إلى الأرض.
ففي الوقت الذي كانت فيه الكلمات تتحدث عن القانون الدولي ووقف التصعيد وحماية المدنيين، استمرت العمليات العسكرية والتحركات الأمنية في مناطق مختلفة. وتزامن انعقاد اجتماعات الجمعية العامة مع استمرار التطورات العسكرية في غزة ولبنان، بينما واصلت كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية وإجراء اختبارات جديدة، وشهدت الحرب الروسية الأوكرانية استمرار استخدام الطائرات المسيرة والهجمات المتبادلة.
وهنا تظهر القضية الأهم: النظام الدولي لا يتحرك بالخطابات وحدها.
الأمم المتحدة تستطيع أن تمنح الدول منصة سياسية وقانونية مهمة، وتستطيع أن تصدر قرارات وتوصيات وتوفر أطرًا للتفاوض والعمل الإنساني، لكنها لا تمتلك دائمًا الأدوات اللازمة لتحويل كل قرار إلى واقع ، خصوصاً عندما تصطدم قراراتها بمصالح القوى الكبرى أو بحسابات الدول التي تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية وسياسية تستطيع من خلالها فرض وقائع جديدة.
وهذا هو الفارق بين “الشرعية الدولية” و”القدرة على إنفاذها”.
قد تمتلك دولة ما حجة قانونية قوية، وقد تحظى بتأييد عشرات الدول، وقد تحصل على بيانات تضامن وإدانات واسعة، لكن السؤال الحاسم يظل: ما الأدوات المتاحة لتحويل هذا الموقف السياسي إلى نتيجة عملية؟
وهنا تحديداً تصبح موازين القوة عنصراً لا يمكن تجاهله في قراءة السياسة الدولية.
فالدول التي تمتلك قدرات عسكرية متقدمة، واقتصادات مؤثرة، وتحالفات دولية قوية، وأدوات ضغط دبلوماسية، تكون قدرتها على حماية مصالحها وفرض شروطها أكبر من الدول التي تكتفي بإصدار البيانات والمواقف السياسية.
ومن الخطأ، في المقابل ، اختزال المشهد كله في فكرة أن الأمم المتحدة مجرد “مكلمة”. فالأمم المتحدة تظل مؤسسة مركزية في النظام الدولي ، ولها أدوار مهمة في حفظ السلام، والمساعدات الإنسانية، والقانون الدولي، وتسوية النزاعات. لكن محدودية قدرتها على فرض إرادتها في بعض الأزمات تكشف مشكلة أعمق تتعلق ببنية النظام الدولي نفسه، وخصوصاً مجلس الأمن وحق النقض وتضارب مصالح القوى الكبرى.
ولهذا فإن النقاش حول إصلاح الأمم المتحدة ليس ترفاً سياسياً.
عندما تطالب دول مثل الهند وألمانيا، إلى جانب دول أخرى، بإعادة النظر في تركيبة مجلس الأمن وتمثيل القوى الاقتصادية والسياسية الجديدة، فإنها تطرح سؤالًا جوهرياً يتعلق بمدى ملاءمة بنية النظام الدولي الحالية لخريطة القوة في القرن الحادي والعشرين.
لكن المشكلة أن إصلاح النظام الدولي يصطدم في النهاية بمصالح الدول التي تمتلك بالفعل أدوات النفوذ داخله.
وهنا تتضح المفارقة الكبرى: الجميع يتحدث عن إصلاح النظام الدولي، لكن كل دولة تنظر إلى الإصلاح من زاوية مصالحها الوطنية، والقوى الكبرى تحديدًا لا تتعامل مع أي تعديل محتمل باعتباره قضية قانونية مجردة ، وإنما باعتباره مسألة مرتبطة بموازين القوة والنفوذ والأمن القومي.
لذلك لا ينبغي أن ننظر إلى ما يحدث داخل الأمم المتحدة باعتباره مسرحًا منفصلًا عن الواقع ، بل باعتباره انعكاساً له.
القاعة تعكس موازين سياسية، وخارج القاعة تُختبر هذه الموازين على الأرض.
وهنا أيضاً يجب أن نكون أكثر حذراً في قراءة الأحداث. فليس كل تطور دولي دليلًا على وجود غرفة عمليات واحدة تدير العالم بأكمله، وليس كل تصعيد جزءًا بالضرورة من خطة سرية موحدة. السياسة الدولية أكثر تعقيداً من ذلك ، هناك تحالفات ومصالح متقاطعة، وصراعات، وحسابات داخلية، وأخطاء في التقدير، وردود أفعال غير مخطط لها.
لكن الثابت أن الدول لا تتحرك بدافع الشعارات وحدها.
إسرائيل، كوريا الشمالية، روسيا، الولايات المتحدة، الصين، إيران وغيرها من القوى الإقليمية والدولية تتحرك وفق تقديرات تتعلق بالأمن والمصالح والنفوذ والردع. وقد تختلف هذه الدول جذرياً في أهدافها وأدواتها، لكن القاسم المشترك بينها هو محاولة تحويل قدراتها إلى نفوذ سياسي على الأرض.
وهنا يجب أن يكون السؤال العربي أكثر واقعية:
هل تمتلك الدول العربية أدوات جماعية كافية لتحويل وزنها الاقتصادي والجغرافي والسياسي إلى نفوذ مؤثر في النظام الدولي؟
هذه هي القضية الحقيقية.
فالعالم لا يُدار بالبيانات وحدها، كما أن القوة لا تعني بالضرورة استخدام السلاح. القوة يمكن أن تكون اقتصاداً ، وتكنولوجيا، وطاقة ، وممرات استراتيجية ، وأسواقاً ، وتحالفات ، وقدرة دبلوماسية، ومؤسسات قوية، وتأثيراً إعلامياً ، وقدرة على بناء تفاهمات إقليمية ودولية.
ومن هنا فإن الحديث عن “الإرادة السياسية العربية” لا ينبغي أن يتحول إلى شعار جديد ، بل إلى سؤال عملي : كيف يمكن بناء موقف عربي قادر على حماية المصالح العربية باستخدام الأدوات المتاحة؟
فالبيانات الدبلوماسية مهمة، والإدانة مهمة، والتحرك القانوني مهم، والدبلوماسية مهمة، لكن قيمتها تزداد عندما تكون مدعومة بأدوات حقيقية تستطيع الدول استخدامها في التفاوض والضغط وحماية مصالحها.
وفي ملف إيران تحديداً ، فإن أي تصعيد إقليمي جديد يجب قراءته باعتباره جزءًا من شبكة أوسع من الحسابات بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة ودول الخليج والعراق ولبنان وسوريا واليمن وغيرها، وليس باعتباره مواجهة منفصلة بين طرفين فقط.
وأي مواجهة واسعة في المنطقة ستكون لها تداعيات على أمن الطاقة والممرات البحرية والأسواق والتحالفات الإقليمية، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى حسابات دقيقة، لأن آثارها لن تتوقف عند حدود الدول المتصارعة.
الخلاصة أن الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع ليست ظاهرة جديدة، لكنها أصبحت أكثر وضوحاً في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي.
الأمم المتحدة تستطيع أن توفر الشرعية والمنصة والقانون، لكنها لا تستطيع بمفردها أن تلغي موازين القوة الموجودة خارج قاعاتها.
ولهذا فإن فهم السياسة الدولية لا يبدأ من سؤال: “ماذا قال الرئيس؟”، وإنما من سؤال أكثر عمقاً :
ماذا تستطيع الدولة أن تفعل بعد أن تنتهي من الكلام؟
هنا تحديداً يمكن فهم الكثير من عناوين الأخبار، وفهم لماذا تنجح بعض الدول في تحويل مواقفها إلى وقائع، بينما تبقى مواقف دول أخرى حبيسة البيانات والخطابات.
وفي عالم يتغير بسرعة، فإن الفارق بين الدول لن يكون فقط في ما تقوله، وإنما في قدرتها على تحويل إمكاناتها إلى نفوذ، ونفوذها إلى مصالح، ومصالحها إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
وهذه ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من المشهد الدولي الراهن : الشرعية مهمة ، والدبلوماسية مهمة ، والقانون الدولي مهم، لكن امتلاك أدوات التأثير هو ما يحدد في كثير من الأحيان قدرة الدول على حماية مصالحها عندما تتعارض الإرادات.



