قراءة في التحولات الإقليمية من الحرب على إيران إلى أمن الخليج والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا

بقلم : يوحنا عزمي
بهدوء شديد ، ودون الانجرار وراء الشعارات أو الاكتفاء بقراءة الأحداث منفصلة عن بعضها ، علينا أن نطرح السؤال الأهم :
هل ما يجري في الشرق الأوسط مجرد سلسلة من الأزمات والحروب المتزامنة، أم أننا أمام عملية أوسع لإعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة؟
هذا السؤال أصبح أكثر إلحاحاً مع استمرار الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، وتداعياتها على الخليج وممرات الطاقة، وتصاعد الدور الإسرائيلي في منظومة العلاقات الإقليمية، بالتزامن مع تطورات اليمن والسودان وليبيا والقرن الأفريقي.
ومنذ فبراير 2026، دخل الصراع الأمريكي ـ الإسرائيلي مع إيران مرحلة غير مسبوقة ، ثم تعاقبت محاولات وقف إطلاق النار والتفاوض دون الوصول إلى تسوية مستقرة، فيما ظل مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط في الصراع. وتشير التقييمات الدولية إلى أن الحرب تحولت من مواجهة مباشرة إلى أزمة إقليمية واسعة تتداخل فيها الملفات النووية والطاقة والعقوبات وأمن الملاحة.
وهنا تحديداً يجب أن نتوقف.
فحتى لو رفضنا تماماً نظرية “المؤامرة” بصيغتها المباشرة، فإن ذلك لا يمنعنا من دراسة النتائج الاستراتيجية التي أفرزتها الحرب، ومن المستفيد من إعادة توزيع النفوذ الناتجة عنها.
الولايات المتحدة لديها بالفعل منافسة استراتيجية واسعة مع الصين وروسيا، ولذلك فإن أي إعادة توزيع للأدوار الأمنية في الشرق الأوسط تستحق الدراسة: هل تتجه واشنطن إلى تقليل أعبائها المباشرة، أم إلى إعادة تنظيمها من خلال تحالفات إقليمية أكثر اعتماداً على إسرائيل ودول عربية حليفة؟
وهنا تظهر إسرائيل باعتبارها طرفاً يحاول توسيع شبكة علاقاته الأمنية والسياسية في المنطقة.
لكن المسألة لا تتعلق فقط بإسرائيل والولايات المتحدة.
إيران أيضاً أصبحت طرفاً مركزياً في المعادلة الجديدة. فقد استخدمت طهران قدراتها الصاروخية والبحرية وأوراقها الإقليمية للضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، بينما أصبح مضيق هرمز ساحة رئيسية للصراع ، الأمر الذي انعكس على أسواق الطاقة وحركة الملاحة العالمية.
ومن هنا يمكن فهم أحد أخطر أبعاد الأزمة:
عندما تتحول خطوط الطاقة والممرات البحرية إلى أدوات للصراع السياسي، فإن التأثير لا يتوقف عند حدود الدول المتحاربة، وإنما ينتقل إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
أما بالنسبة للدول العربية ، فإن التطورات الأخيرة تضعها أمام سؤال استراتيجي بالغ الأهمية :
هل تستطيع الدول العربية بناء منظومة أمن إقليمي تعتمد بدرجة أكبر على قدراتها الذاتية ، أم ستظل مضطرة إلى الاعتماد على القوى الكبرى لحماية أمنها؟
وهذا السؤال ليس نظرياً.
فمصر أعلنت خلال عام 2026 أنها تعمل مع دول عربية على إحياء فكرة القوة العربية المشتركة، وهي فكرة تعود جذورها إلى قرارات عربية سابقة ، بما يؤكد أن قضية الأمن الجماعي العربي ما زالت مطروحة على أجندة القاهرة.
وفي المقابل، شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة توسعاً في التعاون الأمني والعسكري بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، خصوصاً بعد اتفاقات أبراهام.
وفي سبتمبر 2026، اجتمع قادة عسكريون أمريكيون وإسرائيليون وعرب في لقاء سري بألمانيا لمناقشة الحرب مع إيران والتوترات الإقليمية ، وفق ما نقلته مصادر إعلامية أمريكية ، وشارك في الاجتماع مسؤولون عسكريون من إسرائيل والسعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر والأردن ومصر.
هذه الواقعة ، بصرف النظر عن تقييمها السياسي ، تكشف شيئاً مهماً : هناك بالفعل انتقال من مرحلة العلاقات السياسية المنفصلة إلى مرحلة متزايدة من التنسيق الأمني الإقليمي.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً :
هل هذا التنسيق هدفه مواجهة إيران فقط؟
أم أنه يمكن أن يتحول مستقبلًا إلى منظومة أمن إقليمية أوسع تكون إسرائيل أحد مراكزها الرئيسية؟
لا توجد أدلة علنية كافية تسمح بالجزم بأن هناك مخططاً مكتملاً بهذا الشكل، لكن المؤشرات المتاحة تسمح بطرح السؤال ومناقشته بجدية.
فالولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدول العربية أصبحت تجمعها في الوقت نفسه مخاوف مشتركة من إيران ، ومن أمن الملاحة، ومن تهديدات الجماعات المسلحة ، ومن اضطرابات الإقليم.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في اليمن وتطورات البحر الأحمر وباب المندب يضيفان بعداً آخر للمشهد.
الحوثيون يمثلون أحد أهم عناصر الضغط في هذا الملف، خصوصاً مع ارتباط نشاطهم بالممرات البحرية الحيوية ، بينما تحاول السعودية ودول أخرى بناء ترتيبات أمنية لمواجهة التهديدات القادمة من اليمن. وقد ظهرت خلال سبتمبر 2026 دعوات لإعادة تنسيق الجهود السعودية والإماراتية في مواجهة الحوثيين، وسط حديث عن ترتيبات عسكرية إقليمية جديدة.
لكن الخطر الأكبر أن تتحول المنطقة إلى دائرة مغلقة:
إيران تضغط على الخليج.
الحوثيون يضغطون على البحر الأحمر.
إسرائيل توسع تعاونها الأمني مع عدد من الدول العربية.
والولايات المتحدة تعيد ترتيب حضورها العسكري والسياسي.
وفي وسط كل ذلك، تجد الدول العربية نفسها مطالبة بإعادة تعريف مفهوم الأمن القومي.
ثم نصل إلى شمال أفريقيا.
هنا تظهر ليبيا والسودان والقرن الأفريقي باعتبارها ساحات لا يمكن فصلها عن الأمن المصري.
فمصر لا تنظر إلى السودان وليبيا والبحر الأحمر باعتبارها ملفات خارجية منفصلة، وإنما باعتبارها امتدادات مباشرة لأمنها القومي.
السودان يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر من الجنوب ، وليبيا تمثل عمقها الغربي ، بينما يمثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي امتداداً حيوياً لأمنها المائي والاقتصادي.
ولهذا فإن أي محاولة لإعادة تشكيل هذه المناطق بطريقة تؤدي إلى قيام كيانات ضعيفة أو متصارعة أو مرتبطة بقوى خارجية ستكون لها تداعيات مباشرة على الأمن المصري.
أما سد النهضة الإثيوبي ، فهو يمثل الوجه الآخر للأزمة.
القضية بالنسبة لمصر ليست مجرد خلاف سياسي مع إثيوبيا، بل ترتبط بالأمن المائي، ولذلك فإن القاهرة تنظر إلى النيل باعتباره قضية أمن قومي وجودية.
ولهذا فإن دخول قوى إقليمية ودولية على خط العلاقة المصرية ـ الإثيوبية لا يمكن قراءته بمعزل عن صراع النفوذ في القرن الأفريقي.
لكن من الضروري هنا التمييز بين وجود مصالح وتحالفات إقليمية متقاطعة وبين القول بوجود غرفة عمليات واحدة تدير كل هذه الملفات.
الأولى يمكن إثباتها ومناقشتها بالوقائع.
أما الثانية فتحتاج إلى أدلة مباشرة لا تتوافر علناً حتى الآن.
والشيء نفسه ينطبق على الاستثمارات العربية في مصر.
وجود استثمارات خليجية ضخمة في قطاعات مثل العقارات والطاقة والزراعة وغيرها حقيقة اقتصادية معروفة، لكن تحويل هذه الاستثمارات إلى “خنجر” معد مسبقاً لاستخدامه في حالة الحرب يحتاج إلى أدلة محددة تتعلق بالعقود وآليات التحكيم وشروطها.
وهنا يجب ألا نخلط بين التشابك الاقتصادي وبين المؤامرة السياسية.
التشابك الاقتصادي قد يقيد خيارات الدول في بعض الظروف، لكنه قد يكون أيضاً عاملًا يمنع الصدام ويجعل تكلفة الحرب أعلى على جميع الأطراف.
أما أخطر ما يمكن أن يحدث، فهو أن تتحول المنطقة إلى مجموعة من الدول والكيانات المتنافسة التي تبحث كل منها عن حماية خارجية منفردة.
لأن الدولة التي تفقد قدرتها على بناء منظومة أمن وطنية وإقليمية تصبح أكثر اعتماداً على القوى الكبرى.
ومن هنا تأتي أهمية القوة الذاتية.
ليس المقصود بالقوة الذاتية أن تدخل مصر أو أي دولة عربية في مواجهة عسكرية شاملة مع العالم ، وإنما أن تمتلك القدرة على حماية مصالحها الأساسية ، وتنويع تحالفاتها ، وتأمين حدودها، وحماية مصادر المياه والطاقة، وتطوير صناعتها الدفاعية، وتقوية اقتصادها ، وعدم تحويل أمنها القومي إلى ملف تابع لأي قوة خارجية.
أما الحديث عن مشروع “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، فهو من أكثر أجزاء هذا الخطاب حساسية.
هناك بالفعل تيارات إسرائيلية وأيديولوجية تتبنى رؤى توسعية، وهناك تاريخ طويل من الصراع على الأرض والحدود، لكن الانتقال من وجود أفكار أيديولوجية توسعية إلى الجزم بوجود خطة تنفيذية مكتملة لتقسيم جميع الدول العربية وإلغاء أنظمتها الملكية يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة.
والأمر نفسه ينطبق على الحديث عن أنظمة الحكم الخليجية.
قد تتغير التحالفات، وقد تتبدل موازين القوى، وقد تعيد الدول الكبرى حساباتها، لكن الجزم بأن عروشاً بعينها “ستختفي” وتصادر ثرواتها ويُعين بدلًا منها حكام موالون لإسرائيل هو استنتاج مستقبلي لا يمكن تقديمه باعتباره حقيقة مؤكدة.
وهنا تحديداً يجب أن يكون الخطاب السياسي أكثر قوة لا أكثر انفعالًا.
فالتحليل الجاد لا يحتاج إلى المبالغة.
يكفي أن نسأل:
ماذا يحدث عندما تعتمد دولة على حماية قوة خارجية؟
ماذا يحدث عندما تصبح التحالفات العسكرية أهم من مؤسسات الأمن الإقليمي؟
ماذا يحدث عندما تتحول الدول العربية إلى ساحات لتصفية صراعات الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وروسيا والصين؟
وماذا يحدث عندما تتراجع فكرة الأمن العربي المشترك لصالح تحالفات ثنائية أو ثلاثية متغيرة؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
أما الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، فهي لم تُحسم نهائياً حتى الآن. ففي 30 سبتمبر 2026، كانت المفاوضات غير المباشرة لا تزال قائمة حول وقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، في الوقت الذي استمرت فيه الضغوط والعقوبات الأمريكية على إيران.
وفي الوقت نفسه، فإن زيارة بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي ولقاءه الشيخ محمد بن زايد في سبتمبر 2026 أصبحت واقعة معلنة رسمياً ، وقالت الإمارات إن المحادثات تناولت العلاقات الثنائية وسبل تطويرها.
وهذا التطور لا يثبت وحده وجود “مؤامرة” شاملة، لكنه يؤكد أن العلاقات الإسرائيلية ـ الخليجية دخلت مرحلة استراتيجية أكثر تعقيداً ، وأن الأمن الإقليمي أصبح يتشكل عبر شبكة من العلاقات المتداخلة.
والأهم أن مصر لا تقف خارج هذه المعادلة.
القاهرة تدرك أن أمنها لا يبدأ من حدودها الجغرافية فقط.
أمن مصر يبدأ من النيل.
ومن السودان.
ومن ليبيا.
ومن البحر الأحمر.
ومن المتوسط.
ومن أمن الخليج.
ومن استقرار المنطقة بأكملها.
ولهذا فإن أخطر خطأ يمكن أن تقع فيه المنطقة هو التعامل مع كل أزمة باعتبارها ملفاً منفصلًا.
إيران ليست ملفاً منفصلًا عن الخليج.
واليمن ليس ملفاً منفصلًا عن البحر الأحمر.
والسودان ليس ملفاً منفصلًا عن مصر.
وليبيا ليست ملفاً منفصلًا عن المتوسط.
وإثيوبيا ليست ملفاً منفصلًا عن النيل.
هذه الملفات كلها تتقاطع في نقطة واحدة:
من يملك القدرة على حماية مصالحه، ومن يضطر إلى طلب الحماية من الآخرين؟
وهنا أصل إلى النقطة الأهم.
المخططات السياسية، مهما بدت ضخمة، ليست قدراً إلهياً.
والتحالفات ، مهما بدت قوية ، قابلة للتغير.
وموازين القوى ، مهما بدت ثابتة ، يمكن أن تتبدل.
التاريخ المصري نفسه يقدم أمثلة على قدرة الدولة والمجتمع على مواجهة ضغوط دولية هائلة ، بدءًا من أزمة تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي عام 1956، مرورًا بمعارك إعادة بناء القدرة العسكرية، وحرب الاستنزاف، ثم حرب أكتوبر 1973، وصولًا إلى محطات سياسية لاحقة أعادت فيها مصر تعريف علاقاتها الإقليمية والدولية.
لكن الاستفادة من التاريخ لا تعني تكرار الماضي حرفياً.
المعركة الحالية مختلفة.
القوة اليوم ليست دبابة وصاروخاً فقط.
القوة اقتصاد قوي.
ومياه مؤمنة.
وغذاء وطاقة.
وصناعة متطورة.
وتكنولوجيا.
وقدرة عسكرية.
ودبلوماسية نشطة.
وإعلام قادر على كشف المعلومات المضللة.
وشعب يثق في مؤسسات دولته.
وهنا تحديداً تكمن المعادلة المصرية الأهم:
تماسك الدولة من الداخل هو خط الدفاع الأول عن الأمن القومي.
فأي دولة تدخل صراعاً إقليمياً وهي منقسمة داخلياً تصبح أكثر عرضة للضغط والابتزاز.
أما الدولة التي تمتلك مؤسسات قوية، واقتصاداً قادراً على الصمود ، ومجتمعاً متماسكاً، وقراراً مستقلًا، وقدرة عسكرية رادعة، وشبكة علاقات دولية متوازنة ، فإن تكلفة الضغط عليها تصبح أعلى بكثير.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في ساحات القتال.
المعركة في الاقتصاد.
وفي المياه.
وفي التكنولوجيا.
وفي الوعي.
وفي القدرة على قراءة التحالفات.
وفي منع تحويل المنطقة إلى مجموعة من الجزر المنعزلة التي تبحث كل واحدة منها عن حماية خارجية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعرب ليس أن ينتصر طرف إقليمي على طرف آخر.
الأخطر هو أن تفقد الدول العربية القدرة على تحديد مصالحها بنفسها.
ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس:
من المؤامرة التي تحاك ضدنا؟
بل:
كيف نبني مناعة تجعل أي مؤامرة، إن وُجدت، عاجزة عن تحقيق أهدافها؟
هذه هي المعركة الحقيقية.
وإذا كانت المنطقة تدخل بالفعل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات وموازين القوى ، فإن مصر تحتاج قبل أي شيء إلى استعادة الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وتعزيز قدرتها الاقتصادية والعسكرية، وتوسيع خياراتها الدولية، والعمل مع الدول العربية على صياغة مفهوم حقيقي للأمن الجماعي.
لأن التاريخ لا يحسمه من يخطط فقط.
التاريخ يحسمه أيضاً من يمتلك القدرة على إفشال خطط الآخرين وبناء بديل أكثر قوة واستقلالًا.



