أديس أبابا تحترق سياسياً .. وإثيوبيا تفتح جبهات جديدة في كل الإتجاهات

بقلم : يوحنا عزمي
لم تعد التطورات المتلاحقة في القرن الأفريقي مجرد خلافات دبلوماسية متفرقة بين إثيوبيا وجيرانها، وإنما باتت تعكس مشهداً إقليمياً شديد التعقيد ، تتداخل فيه أزمات الداخل الإثيوبي مع صراعات الحدود وحسابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي ، فضلاً عن التوترات المرتبطة بملفات المياه والموانئ والتحالفات الإقليمية.
وخلال الساعات الأخيرة ، تصاعدت حدة التوتر بصورة لافتة مع تبادل إجراءات دبلوماسية بين القاهرة وأديس أبابا ، بالتزامن مع توترات إثيوبية ـ إريترية ، وسط تقارير متداولة عن تطورات أمنية وعسكرية داخل الأراضي الإثيوبية.
المشهد هنا يحتاج إلى قراءة هادئة، لأن خطورة ما يحدث لا تكمن فقط في قرار دبلوماسي بطرد هذا الدبلوماسي أو ذاك ، وإنما في السياق الذي تأتي فيه هذه الإجراءات، وفي الرسائل السياسية التي تحملها.
البداية كانت من التوتر المتزايد بين إثيوبيا وإريتريا، وهما دولتان ترتبطان بتاريخ طويل من الصراع والحرب والتنافس على النفوذ في منطقة شديدة الحساسية استراتيجياً.
وبالنسبة لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، فإن العلاقة مع إريتريا تمثل واحدة من أكثر الملفات حساسية ، فالتقارب الذي حدث بعد سنوات من الحرب لم يُنه جذور الخلافات التاريخية والمصالح المتعارضة ، وإنما نقلها في فترات عديدة من مستوى المواجهة العسكرية المباشرة إلى مستوى أكثر تعقيداً من التنافس السياسي والأمني.
ومن هنا، فإن أي تصعيد جديد بين أديس أبابا وأسمرة لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد أزمة دبلوماسية عابرة ، لأن الحدود الشمالية لإثيوبيا ترتبط مباشرة بملفات تيجراي وأمهرة وعفر، وبالتوازنات العسكرية والسياسية داخل الدولة الإثيوبية نفسها.
وفي الوقت ذاته، تواجه الحكومة الإثيوبية تحديات داخلية متعددة ، بعد سنوات من الصراعات المسلحة والاضطرابات السياسية التي جعلت مسألة السيطرة الكاملة على الأطراف والأقاليم محل اختبار مستمر.
وهنا تظهر أهمية ما يثار بشأن النشاط العسكري في بعض المناطق الإثيوبية ، وكذلك التقارير المتعلقة باستخدام الطائرات المسيّرة والهجمات على أهداف داخل البلاد.
لكن من الضروري التمييز بين وقوع هجمات أو انفجارات وبين تحديد الجهة التي تقف وراءها، وأهدافها السياسية، ومدى ارتباطها بالصراع الداخلي أو بالتوترات الإقليمية. فهذه مسائل تحتاج إلى أدلة مستقلة ومعلومات موثوقة قبل تحويلها إلى استنتاجات نهائية.
أما التطور الأكثر حساسية بالنسبة لمصر، فهو دخول العلاقات المصرية ـ الإثيوبية مرة أخرى إلى مرحلة من التوتر الدبلوماسي المباشر.
فقرار إعلان أحد الدبلوماسيين المصريين شخصاً غير مرغوب فيه، ثم الرد المصري بإجراء مماثل بحق دبلوماسي إثيوبي، يمثل انتقالاً من مرحلة البيانات والرسائل السياسية إلى مرحلة استخدام الأدوات الدبلوماسية بصورة مباشرة.
واللافت هنا أن القاهرة ربطت قرارها بمبدأ المعاملة بالمثل، كما حمل موقفها انتقاداً للطريقة التي تتعامل بها أديس أبابا مع أزماتها الداخلية ، ورفضاً لما تعتبره القاهرة محاولة لإلقاء مسؤولية المشكلات الداخلية على أطراف خارجية.
وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف عندها.
في العلاقات الدولية ، طرد الدبلوماسيين ليس مجرد إجراء بروتوكولي، فهو رسالة سياسية محسوبة، خصوصاً عندما يأتي بصورة متبادلة وفي توقيت شديد الحساسية.
ومعنى ذلك أن القاهرة تريد أن تقول إن أي تصعيد دبلوماسي من الجانب الإثيوبي لن يمر من دون رد ، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على إطار قانوني وسياسي واضح لهذا الرد من خلال الاستناد إلى مبدأ المعاملة بالمثل.
لكن السؤال الأهم يظل: لماذا يتزامن هذا التصعيد مع اضطرابات إقليمية وداخلية متعددة؟
الإجابة لا ينبغي أن تختزل في نظرية واحدة أو في اتهام مباشر دون أدلة ، وإنما يمكن قراءة المشهد من خلال عدة مستويات.
المستوى الأول هو الأزمة الداخلية الإثيوبية، فكلما اتسعت دائرة الصراع داخل الدولة ، ازدادت أهمية قدرة الحكومة المركزية على إدارة الجبهة الداخلية والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة.
المستوى الثاني هو الصراع على النفوذ في القرن الأفريقي. فإثيوبيا ليست مجرد دولة داخلية بلا منفذ بحري، فهي دولة ذات ثقل سكاني واقتصادي وسياسي كبير ، وتسعى منذ سنوات إلى إعادة صياغة موقعها في معادلة البحر الأحمر والموانئ الإقليمية.
المستوى الثالث هو العلاقة مع إريتريا، التي تمثل بالنسبة لإثيوبيا أحد أهم مفاتيح الأمن في الشمال ، وفي الوقت نفسه أحد أكثر مصادر التوتر المحتملة.
أما المستوى الرابع فهو العلاقة المصرية ـ الإثيوبية، والتي لا يمكن فصلها عن أزمة سد النهضة ، ولا عن حسابات الأمن المائي المصري، ولا عن التنافس الأوسع على النفوذ في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.
ومن هنا ، فإن محاولة قراءة الأحداث باعتبارها سلسلة من المصادفات ستكون قراءة ناقصة.
هناك بالفعل مجموعة من الملفات المتزامنة: صراعات داخلية، توترات حدودية، تنافس على الموانئ والممرات التجارية، علاقات متشابكة مع القوى الإقليمية، وملف سد النهضة الذي يظل أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات المصرية الإثيوبية.
لكن في المقابل، فإن تحويل كل هذه الملفات إلى رواية واحدة تقول إن هناك “مؤامرة مكتملة الأركان” أو أن طرفاً بعينه يقف خلف جميع التطورات يحتاج إلى أدلة أقوى بكثير من مجرد تزامن الأحداث.
السياسة الدولية لا تعمل بهذه البساطة.
وفي كثير من الأحيان، لا يكون هناك مركز واحد يدير كل شيء، وإنما تتقاطع مصالح دول وحكومات وجماعات مسلحة وقوى إقليمية، بحيث ينتج عن هذا التقاطع مشهد يبدو من الخارج وكأنه خطة واحدة ، بينما هو في الواقع نتيجة لصراعات متعددة ومتزامنة.
وهذا تحديداً ما يجعل الوضع الإثيوبي بالغ الخطورة.
فإذا استمر التوتر بين أديس أبابا وأسمرة بالتوازي مع استمرار الأزمات الداخلية ، فإن مساحة الخطأ في الحسابات السياسية والعسكرية ستزداد.
وأي مواجهة جديدة في الشمال الإثيوبي لن تكون قضية داخلية خالصة، لأنها يمكن أن تمتد آثارها إلى إريتريا والسودان وجيبوتي والصومال ، وأن تؤثر بصورة غير مباشرة على حركة التجارة والموانئ والأمن في البحر الأحمر.
أما بالنسبة لمصر، فإن التصعيد الدبلوماسي الأخير يحمل رسالة واضحة: القاهرة تراقب التطورات الإثيوبية عن قرب، ولن تتعامل مع الإجراءات التي تستهدف بعثتها الدبلوماسية باعتبارها أحداثاً منفصلة عن مجمل العلاقات بين البلدين.
لكن المرحلة المقبلة ستحتاج إلى شيء أهم من التصعيد الإعلامي: معلومات دقيقة، واتصالات دبلوماسية ، وحسابات استراتيجية تمنع انتقال الخلافات من مستوى الدبلوماسية إلى مستوى المواجهة المفتوحة.
فالقرن الأفريقي يقف بالفعل أمام معادلة شديدة الحساسية، وأي خطأ في الحسابات قد تكون تكلفته أكبر بكثير من حدود الدولة التي بدأ داخلها.
وفي النهاية ، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من طرد من؟
السؤال الأهم هو:
إلى أين تتجه إثيوبيا في ظل تزامن أزماتها الداخلية مع تصاعد توتراتها الإقليمية؟ وهل نحن أمام جولة مؤقتة من التصعيد الدبلوماسي ، أم أمام إعادة تشكيل أوسع لخريطة التحالفات والصراعات في القرن الأفريقي؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحددها التطورات على الأرض خلال الفترة المقبلة ، وليس البيانات الدبلوماسية وحدها.



