الرد الإيراني المرتقب .. أين ستضرب طهران إذا اشتعلت الحرب؟

بقلم : يوحنا عزمي
حتى نكون في قلب المشهد الراهن ، ونقرأ ما يحدث في الشرق الأوسط من خلال الصورة الكاملة وليس من خلال كل حدث بمعزل عن الآخر ، أعود للتذكير بما طرحته منذ يومين بشأن الموقف الإيراني في مواجهة التصعيد العسكري الأمريكي المتواصل.
فإيران، في ظل الحشد العسكري الأمريكي المتزايد في المنطقة، تجد نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، لا يتعلق القرار فيها بمجرد الإجابة عن سؤال: «هل سترد أم لا؟»، وإنما بالسؤال الأصعب: متى سترد؟ وكيف سترد؟ وأين ستضرب؟ وإلى أي مدى يمكن أن تذهب في ردها دون أن تتحول عملية الرد نفسها إلى حرب مفتوحة يصعب التحكم في مسارها؟
وهنا يمكن تصور مسارين رئيسيين أمام طهران.
الأول هو الرد الاستباقي، أي المبادرة إلى توجيه ضربة قبل وقوع هجوم أمريكي واسع ، بهدف محاولة إرباك الحسابات العسكرية والسياسية لواشنطن، ورفع تكلفة أي قرار بالتصعيد، وربما محاولة تغيير معادلة المبادرة نفسها بحيث لا تكون إيران في موقع المتلقي للضربة الأولى.
أما المسار الثاني فهو الرد الانتقامي المؤجل، أي انتظار الضربة الأمريكية ، ثم تنفيذ خطط عسكرية جرى إعدادها مسبقاً، بحيث يأتي الرد بوصفه عملية محسوبة على حجم الهجوم وأهدافه ونتائجه.
لكن كلا الخيارين يحمل تكاليفه ومخاطره.
فالرد الاستباقي قد يمنح إيران عنصر المبادأة، لكنه في الوقت نفسه قد يُستخدم أمريكياً لتبرير توسيع نطاق العمليات ضدها. وفي المقابل ، فإن انتظار الضربة الأولى يمنح الولايات المتحدة مساحة أكبر لتحديد توقيت وشكل الهجوم ، لكنه يسمح لطهران بأن تقدم ردها باعتباره رداً مباشراً على عدوان وقع بالفعل.
وهذا تحديداً هو ما يجعل القرار الإيراني أكثر تعقيداً مما يبدو في التصريحات السياسية والإعلامية.
فالقضية ليست إطلاق صواريخ ثم انتظار النتيجة، وإنما إدارة منظومة كاملة من الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية.
والسؤال الأكثر أهمية هنا هو: إذا قررت إيران الرد، فمن سيكون الهدف الأول؟
هل ستوجه ثقل ردها إلى القوات والمنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة ، باعتبارها الطرف الذي قد يبدأ الهجوم؟
هذا السيناريو يبدو منطقياً من الناحية العسكرية، خصوصاً أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة موزع بين قوات بحرية وقواعد جوية ومنشآت لوجستية وأنظمة دفاعية ومراكز قيادة، وقد سبق بالفعل أن استهدفت إيران مواقع أمريكية في المنطقة خلال مراحل الصراع الحالية.
لكن هنا تظهر معضلة أخرى.
هل سيكون الرد الإيراني أمريكياً فقط، أم سيمتد إلى إسرائيل؟
إسرائيل ليست مجرد طرف بعيد عن المشهد، بل كانت شريكاً مباشراً للولايات المتحدة في العمليات العسكرية ضد إيران خلال مراحل التصعيد الأخيرة، ولذلك فإن أي حساب إيراني للحرب لا يمكن فصله عن الجبهة الإسرائيلية.
ومن ثم، قد تجد طهران نفسها أمام خيار توسيع بنك أهدافها ليشمل أهدافاً عسكرية واستراتيجية داخل إسرائيل، بهدف توزيع الضغط على أكثر من جبهة وعدم السماح للولايات المتحدة وحلفائها بإدارة المعركة من اتجاه واحد.
لكن حتى هذا السيناريو لا يخلو من مشكلة.
فكلما اتسعت قائمة الأهداف، اتسعت معها مساحة الحرب، وارتفعت احتمالات تحولها من مواجهة محدودة إلى حرب إقليمية متعددة الجبهات.
وهنا نصل إلى الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة: دول الخليج.
فطهران قد تنظر إلى بعض المنشآت العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة باعتبارها جزءًا من منظومة العمليات الأمريكية ضدها، خصوصاً إذا استخدمت هذه المنشآت في شن ضربات على الأراضي الإيرانية.
لكن الفرق كبير بين استهداف منشأة عسكرية أمريكية وبين توسيع دائرة العمليات لتشمل البنية التحتية للدول المضيفة نفسها.
وهذا الفارق سيكون سياسياً وعسكرياً بالغ الأهمية.
لأن ضرب منشأة عسكرية أمريكية قد يبقى، نظرياً، ضمن إطار المواجهة الإيرانية الأمريكية، بينما توسيع الضربات إلى منشآت مدنية أو اقتصادية في دول الخليج يمكن أن يحول الصراع إلى مواجهة إقليمية أوسع ، ويدفع دولًا كانت تحاول البقاء خارج الحرب إلى الانخراط فيها بصورة مباشرة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل تستطيع إيران ضرب هذه الأهداف؟
وإنما: هل تريد إيران أصلًا أن تفتح كل هذه الجبهات في الوقت نفسه؟
وهنا ندخل إلى جوهر المسألة.
إيران قد تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقد أثبتت خلال مراحل الصراع قدرتها على الوصول إلى أهداف أمريكية وإسرائيلية وإقليمية، كما أظهرت تطورات الأشهر الماضية اعتمادها على مزيج من الصواريخ الباليستية والمسيّرات وأساليب الحرب غير المتناظرة.
لكن امتلاك القدرة على ضرب أهداف متعددة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على خوض حرب مفتوحة ضد جميع هذه الأطراف في وقت واحد.
وهذه نقطة جوهرية.
لأن الحرب الحديثة لا تُقاس بعدد الصواريخ الموجودة في المخازن فقط، وإنما بقدرة الدولة على الحفاظ على وتيرة إطلاق مستمرة، وتوفير المعلومات الاستخباراتية ، وإعادة تحميل المنصات، وحماية قواعد الإطلاق ، وتعويض الخسائر ، ومواجهة الدفاعات الجوية المعادية ، والحفاظ على الاتصالات والقيادة والسيطرة.
ومن هنا يصبح الحديث عن «بنك الأهداف» الإيراني أكثر أهمية من الحديث عن مجرد حجم الترسانة.
فربما لا تكون الاستراتيجية الإيرانية قائمة على ضرب كل شيء وفي كل مكان، وإنما على اختيار مجموعة محددة من الأهداف ذات القيمة العسكرية والسياسية الأعلى ، بحيث تحقق الضربة أكبر تأثير ممكن بأقل استنزاف ممكن للقدرات الإيرانية.
بمعنى آخر : قد يكون الرد الإيراني واسعاً من حيث أثره، لكنه انتقائي من حيث أهدافه.
وهذا فرق بالغ الأهمية.
فبدلًا من توزيع القوة على عشرات الأهداف، يمكن لطهران أن تبحث عن أهداف يؤدي تعطيلها إلى إحداث تأثير أكبر على العمليات الأمريكية والإسرائيلية، مثل مراكز القيادة، والمنشآت اللوجستية، وبعض القواعد الجوية، ومنشآت الرصد والإنذار المبكر، أو مواقع مرتبطة مباشرة بالعمليات العسكرية.
وهنا يصبح الهدف الإيراني المحتمل ليس «تدمير كل شيء»، وإنما تعطيل قدرة الخصم على مواصلة الحرب بالمستوى نفسه.
وهذا يتفق مع منطق الحرب غير المتناظرة الذي اعتمدته إيران وحلفاؤها في مراحل مختلفة من الصراع.
لكن هناك سؤالًا آخر أكثر خطورة:
ماذا لو لم تكتف إيران بالجبهة المباشرة ، وانتقلت إلى توسيع الحرب عبر حلفائها وشبكاتها الإقليمية؟
عندها يمكن أن تتحول المواجهة إلى شبكة من الجبهات المتزامنة، تمتد من الخليج إلى العراق واليمن ولبنان ومناطق أخرى.
وتزداد خطورة هذا السيناريو لأن الحرب لن تصبح عندها مجرد تبادل ضربات بين واشنطن وطهران ، بل سلسلة من العمليات المتبادلة التي يمكن أن تبدأ من جبهة، ثم تنتقل إلى أخرى، ثم تفتح جبهة ثالثة، بحيث يصبح من الصعب تحديد نقطة البداية ونقطة النهاية.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الجبهات قد تتحول إلى ساحات مستقلة لها حساباتها الخاصة، وهو ما يزيد صعوبة السيطرة على مسار التصعيد.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو مسألة الانتقائية في الرد الإيراني مهمة للغاية.
إيران، إذا قررت خوض مواجهة ممتدة، تحتاج إلى الحفاظ على جزء من قدراتها للمرحلة الثانية والثالثة من الحرب، لا أن تستنزف كل ما لديها في الضربة الأولى.
فالضربة الأولى ليست بالضرورة هي الأهم.
الأهم هو ما تستطيع الدولة فعله بعد الضربة الأولى.
هل تستطيع مواصلة إطلاق الصواريخ؟
هل تستطيع تعويض مخزوناتها؟
هل تستطيع حماية منصات الإطلاق؟
هل تستطيع إبقاء شبكة القيادة والسيطرة تعمل؟
هل تستطيع مواجهة التفوق الجوي الأمريكي؟
وهل تستطيع في الوقت نفسه الحفاظ على قدراتها اللازمة لحماية أراضيها ومنشآتها الاستراتيجية؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد فعليًا طبيعة الرد، أكثر من الخطابات السياسية المعلنة.
ومن هنا، فإن الحديث عن «رد إيراني شامل» قد يكون أقل دقة من الحديث عن رد إيراني متعدد الطبقات.
طبقة أولى مباشرة ضد أهداف أمريكية.
وطبقة ثانية محتملة ضد أهداف إسرائيلية.
وطبقة ثالثة قد تستهدف قدرات أو منشآت مرتبطة بالدعم اللوجستي للعمليات الأمريكية.
وطبقة أخرى غير مباشرة يمكن أن تعتمد على الحلفاء والوكلاء الإقليميين.
لكن مستوى تفعيل كل طبقة سيعتمد على حجم الضربة الأمريكية، ومدى الأهداف التي ستستهدفها ، والخسائر التي ستلحق بإيران، والأهداف السياسية التي تريد طهران تحقيقها من الحرب.
وهنا نصل إلى النقطة الأهم:
الرد الإيراني لن يكون عسكريًا فقط، بل سيكون رسالة سياسية أيضًا.
فإيران لا تحتاج بالضرورة إلى تدمير كل القدرات الأمريكية في المنطقة حتى تعتبر نفسها قد حققت هدفاً سياسياً.
قد يكون الهدف هو إثبات أن أي ضربة لإيران ستفرض تكلفة على القوات الأمريكية وحلفائها، وأن الولايات المتحدة لن تستطيع إدارة الحرب من مسافة آمنة، وأن القواعد والمنشآت والمصالح الأمريكية في المنطقة يمكن أن تصبح جزءًا من المعادلة.
وفي المقابل، ستسعى واشنطن إلى منع إيران من تحويل الرد إلى انتصار سياسي ، ولذلك فإن المعركة لن تكون على الأرض فقط، وإنما ستكون أيضاً معركة إرادات وقدرة على تحمل الاستنزاف.
وهذا ما يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية.
فالمشهد الحالي لا يتعلق فقط بما إذا كانت هناك ضربة أمريكية جديدة أم لا، وإنما يتعلق بما سيحدث في الساعات والأيام التي تلي أي ضربة.
هل سيكون الرد الإيراني محدوداً ومحسوباً؟
هل سيكون واسعاً لكنه انتقائي؟
هل ستدخل إسرائيل مباشرة في مرحلة جديدة من التصعيد؟
هل ستتحول بعض دول المنطقة إلى ساحات مواجهة؟
هل تتوسع الجبهة البحرية في الخليج ومضيق هرمز؟
وهل تتحول الضربات المتبادلة إلى حرب استنزاف طويلة؟
كل هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية في ظل التطورات الأخيرة حول مضيق هرمز، واستمرار التوتر بين واشنطن وطهران، ووجود تحركات عسكرية أمريكية إضافية في المنطقة.
لذلك، فإن القراءة الأكثر واقعية للمشهد ربما لا تبدأ بسؤال:
«هل ستضرب إيران؟»
وإنما تبدأ بسؤال أكثر تعقيداً :
«إذا ضربت إيران ، فما الهدف الذي تريد تحقيقه من الضربة، وما الحد الذي تستطيع الوصول إليه دون أن تفقد السيطرة على مسار الحرب؟»
وهنا تحديداً تكمن صعوبة المرحلة المقبلة.
لأن الشرق الأوسط لا يقف أمام مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات، وإنما أمام احتمال تشكل معادلة عسكرية إقليمية جديدة، تتداخل فيها الجبهة الأمريكية مع الإسرائيلية ، والخليجية مع البحرية ، والعراقية واليمنية واللبنانية ، بينما يبقى مضيق هرمز واحدًا من أكثر مفاتيح الضغط حساسية في هذه المعادلة.
وفي مثل هذه الحروب ، ليست المشكلة في القدرة على إطلاق الضربة الأولى.
المشكلة الحقيقية هي القدرة على التحكم فيما سيأتي بعدها.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن نراقبه جيداً خلال المرحلة المقبلة:
هل ستختار إيران رداً محدوداً ومحسوباً يحافظ على أوراقها، أم ستذهب إلى توسيع دائرة المواجهة على عدة جبهات في وقت واحد؟
الإجابة عن هذا السؤال ، أكثر من أي تصريح سياسي ، قد تكشف لنا شكل الحرب المقبلة وحدودها، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على جولة تصعيد جديدة يمكن احتواؤها ، أم على مسار أوسع يصعب على أي طرف التحكم في نهايته.



