السعودية وتركيا وباكستان في مواجهة التصعيد الحوثي

بقلم : يوحنا عزمي
لو أردنا أن نفهم ما يحدث في اليمن الآن، فعلينا أن نتوقف قليلًا عن النظر إلى المعارك باعتبارها مجرد جولة جديدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين.
لأن التطورات التي شهدناها خلال الساعات الأخيرة تقول إن المشهد بدأ يتجاوز حدود اليمن نفسه، ويدخل تدريجياً إلى مساحة أكثر تعقيداً ، تتداخل فيها الحسابات السعودية والتركية والباكستانية والإيرانية، بينما تظل الولايات المتحدة حاضرة بدرجات مختلفة في خلفية المشهد.
والأخطر أن هذا التحول يأتي في لحظة عسكرية شديدة الحساسية، بعد أن تمكنت القوات الحكومية اليمنية، بدعم سعودي جوي كثيف، من تحقيق تقدم على الساحل الغربي والوصول إلى مواقع استراتيجية قرب مضيق باب المندب.
فبحسب ما أعلنته مصادر التحالف والقوات الحكومية، شاركت أكثر من 100 طائرة في العمليات الجوية ضمن عملية «فجر اليمن»، مع إعلان تدمير 324 هدفاً ونجاح القوات الحكومية في استعادة مناطق مهمة حول باب المندب، بينها مواقع في ذو باب ومطارها، إلى جانب إعلان استعادة مدينة المخا. وهذه التطورات أكدتها تقارير دولية ، مع بقاء بعض تفاصيل السيطرة الميدانية محل روايات متباينة بين الطرفين.
وهنا تحديداً تكمن أهمية المعركة.
باب المندب ليس مجرد مدينة أو جبهة عسكرية على الخريطة.
نحن نتحدث عن واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، والممر الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وبالتالي فإن السيطرة على المناطق المحيطة به لا تعني فقط تغييراً في ميزان القوى داخل اليمن ، وإنما تمس مباشرة أمن الملاحة والتجارة والطاقة في المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم سبب ارتفاع مستوى التدخل الإقليمي في الأزمة.
فالسعودية لا تنظر إلى ما يحدث على الساحل الغربي لليمن باعتباره مجرد معركة داخل الأراضي اليمنية، خصوصاً مع انتقال الهجمات الحوثية إلى الأراضي السعودية واستهداف مدن ومنشآت داخل المملكة.
وفي المقابل ، فإن الحوثيين ينظرون إلى التحرك السعودي باعتباره محاولة لإعادة رسم ميزان القوى على الأرض وإجبارهم على التراجع عن مكاسب حققوها خلال الفترة الأخيرة.
وبينما كانت المعركة تتحرك في اتجاه واحد على الساحل، كانت هناك جبهة أخرى تتشكل في تعز.
وتشير تقارير إلى أن الحوثيين حققوا تقدماً في مناطق حول تعز، في الوقت الذي أعلنت فيه القوات الحكومية تقدمها باتجاه الساحل وباب المندب.
أي أننا أمام مشهد عسكري شديد التعقيد:
الحكومة تتقدم غرباً باتجاه البحر والممرات الاستراتيجية، والحوثيون يحاولون الضغط في العمق باتجاه تعز ومناطق أخرى.
وهنا تأتي المفاجأة السياسية الأكبر.
ففي الرياض ، اجتمعت اليوم السعودية وتركيا وباكستان في اجتماع طارئ للجنة السياسية والاستراتيجية والدفاعية لـ تحالف مكة للدفاع.
والاجتماع لم ينتهِ بمجرد إصدار بيان سياسي.
البيان المشترك أعلن الانتقال إلى التنفيذ العملي الفوري لالتزامات الدفاع المشترك ، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها وضمان نشرها سريعاً داخل المملكة، وفق الترتيبات المعتمدة والتشريعات الوطنية لكل دولة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
لأننا لا نتحدث هنا فقط عن تضامن سياسي بين ثلاث دول.
بل عن أول اختبار عملي حقيقي لاتفاق الدفاع المشترك الذي أُعلن عنه في أغسطس الماضي.
السعودية وتركيا وباكستان تقول عملياً إن أمن المملكة أصبح جزءًا من منظومة أمن جماعية بين الدول الثلاث ، وإن أي تصعيد يستهدف الأراضي السعودية يمكن أن يؤدي إلى تحرك جماعي في إطار الاتفاق.
لكن يجب الانتباه إلى نقطة مهمة:
هذا لا يعني تلقائياً أن تركيا وباكستان دخلتا الحرب داخل اليمن بقوات قتالية أو أن قواتهما بدأت بالفعل تنفيذ عمليات هجومية ضد الحوثيين.
البيان الرسمي يتحدث عن توفير ونشر القوات والقدرات العسكرية في السعودية ، بينما وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن الاجتماع ناقش بالتفصيل نوع الدعم الذي يمكن تقديمه للدفاع عن السعودية ، بالتوازي مع بحث إمكانية الحل السياسي والحوار.
وهذا التفصيل مهم جداً ، لأن الفرق كبير بين تعزيز الدفاع عن الأراضي السعودية وبين الدخول رسميًا في حرب برية داخل اليمن.
لكن في السياسة والاستراتيجية ، مجرد الانتقال من مرحلة الاتفاق النظري إلى مرحلة التنفيذ العسكري يحمل رسالة واضحة جداً.
الرسالة هي أن الرياض تريد ألا تواجه التصعيد الحوثي بمفردها.
والرسالة الثانية أن تركيا وباكستان أصبحتا جزءًا مباشراً من معادلة أمن الخليج في هذه المرحلة.
أما الطرف الذي سيراقب كل ذلك بأكبر قدر من الاهتمام فهو إيران.
فالتهديد الحقيقي هنا لا يتعلق فقط بالحوثيين أنفسهم، وإنما بما إذا كان التصعيد في اليمن سيتحول إلى مواجهة غير مباشرة بين شبكة التحالفات الإقليمية.
فالحوثيون يرتبطون سياسياً وعسكرياً بإيران ، بينما أصبحت السعودية في هذه اللحظة محاطة بدعم تركي وباكستاني مباشر في إطار تحالف دفاعي جديد.
وبالتالي ، فإن استمرار التصعيد يمكن أن يدفع المنطقة إلى معادلة أكثر تعقيداً :
السعودية + تركيا + باكستان
في مواجهة منظومة
الحوثيين + الدعم الإيراني المحتمل أو غير المباشر.
وهنا تحديداً يجب أن نكون حذرين في قراءة المشهد.
لا يوجد حتى الآن ما يثبت أن إيران قررت رسمياً الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة ضد السعودية أو تركيا أو باكستان بسبب التطورات الحالية.
بل إن تقارير سابقة أشارت إلى أن طهران طرحت مساراً سياسياً للتعامل مع الحوثيين ، وأن باكستان نفسها أبقت الباب مفتوحاً أمام الحوار مع إيران.
لكن الخطر الحقيقي ليس في القرار الذي اتخذته إيران اليوم.
الخطر في المسار الذي يمكن أن تقود إليه الأحداث إذا استمر التصعيد دون احتواء سياسي.
لأن كل طرف يمتلك أدوات ضغط مختلفة.
الحوثيون يمتلكون الصواريخ والطائرات المسيرة والقدرة على تهديد العمق السعودي والممرات البحرية.
السعودية تمتلك التفوق الجوي والقدرة على تنفيذ عمليات واسعة داخل اليمن.
تركيا تمتلك قدرات عسكرية متقدمة وخبرة واسعة في العمليات الإقليمية.
وباكستان تمتلك جيشاً كبيراً وعلاقات أمنية وعسكرية تاريخية مع السعودية.
أما الولايات المتحدة ، فتظل لاعباً مهماً في الحسابات العسكرية والاستخباراتية والإقليمية، مع تقارير عن تقديم دعم استخباراتي واستراتيجي للعملية السعودية، وإن كانت تفاصيل مستوى التنسيق الأمريكي المباشر تختلف من مصدر إلى آخر.
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر:
هل نحن أمام حرب يمنية جديدة ، أم أمام بداية تشكل صراع إقليمي أوسع؟
حتى الآن، الأدق أن نقول إننا أمام تصعيد إقليمي متسارع، وليس من الدقة إعلان اندلاع حرب إقليمية شاملة بين أربع دول.
لكن المؤشرات التي ظهرت اليوم تجعل احتمال اتساع دائرة الصراع أمرًا لا يمكن تجاهله.
فالمعادلة تغيرت.
بالأمس كان السؤال:
من يسيطر على اليمن؟
أما اليوم فأصبح السؤال:
من يملك القدرة على فرض معادلة أمنية جديدة حول البحر الأحمر وباب المندب والخليج؟
وهذا هو جوهر القضية.
لأن السيطرة على باب المندب لا تعني فقط السيطرة على مساحة من الأراضي اليمنية ، بل تعني امتلاك ورقة استراتيجية يمكن أن تؤثر في الملاحة الدولية ، وأسعار الطاقة ، وحركة التجارة، وحسابات الأمن القومي لدول بعيدة عن اليمن نفسه.
ولهذا فإن الساعات والأيام المقبلة ستكون شديدة الحساسية.
إذا توقفت المعارك عند حدود إعادة رسم خطوط السيطرة داخل اليمن، فقد يبقى التصعيد في إطار حرب أهلية مدعومة إقليمياً.
أما إذا توسعت الهجمات الحوثية داخل السعودية ، وبدأت القوات التركية والباكستانية تنفيذ أدوار عسكرية أوسع ، أو قررت إيران الانتقال من الدعم السياسي وغير المباشر إلى تدخل عسكري أكثر وضوحاً ، فهنا سنكون أمام معادلة مختلفة تماماً.
معادلة لن يكون فيها اليمن وحده هو ساحة الحرب.
وفي هذه الحالة ، فإن البحر الأحمر وباب المندب والخليج العربي يمكن أن يتحولوا جميعاً إلى مسارح متصلة لصراع واحد.
وهنا تحديداً تكمن خطورة اللحظة الحالية:
ليس لأن حرباً إقليمية شاملة قد اندلعت بالفعل، وإنما لأن الآليات التي يمكن أن تحول حرب اليمن إلى أزمة إقليمية بدأت تتشكل أمام أعيننا.
والسؤال الذي سيحدد اتجاه المنطقة خلال الأيام المقبلة ليس فقط:
من سيسيطر على باب المندب؟
بل: هل تستطيع الأطراف الإقليمية احتواء التصعيد قبل أن يتحول اليمن من ساحة صراع بالوكالة إلى نقطة انطلاق لمواجهة إقليمية مباشرة؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل الشرق الأوسط كله في المرحلة القادمة.



