ذكرى حرب أكتوبر المجيدة الـ 53

بقلم : يوحنا عزمي
لا تعود الذاكرة المصرية إلى يوم عسكري مضى وانتهى ، بقدر ما تعود إلى لحظة فارقة أعادت تعريف معنى القوة والإرادة والقدرة على تغيير موازين الواقع.
فحرب السادس من أكتوبر 1973 لم تكن مجرد معركة عبر فيها الجيش المصري قناة السويس واقتحم خط بارليف، وإنما كانت اختباراً تاريخياً لقدرة الدولة المصرية على تجاوز واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخها الحديث وتحويل الهزيمة إلى مشروع إستعادة للثقة والقدرة والقرار.
ولعل أهم ما يجعل أكتوبر حاضراً في الذاكرة حتى اليوم أن المعركة لم تبدأ في السادس من أكتوبر ، وإنما بدأت منذ اللحظة التي أدركت فيها الدولة المصرية أن استعادة الأرض لن تكون بالأمنيات ولا بالبيانات السياسية، وإنما بإعادة بناء القوة المسلحة على أسس جديدة، وإعادة تنظيم الصفوف ، وتطوير العقيدة القتالية ، والاستفادة من دروس حرب يونيو ، ثم إنتظار اللحظة التي يصبح فيها القرار السياسي والعسكري قادراً على تحويل القوة المتراكمة إلى فعل حقيقي على الأرض.
وهنا تكمن واحدة من أهم دروس أكتوبر التي كثيراً ما يتم اختزالها في صور العبور ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية للقناة. فالحرب في جوهرها كانت معركة إرادة قبل أن تكون معركة سلاح. إسرائيل كانت تراهن على أن آثار يونيو ستظل عالقة في الوعي المصري ، وأن التفوق العسكري الإسرائيلي سيجعل فكرة العبور واستعادة الأرض أقرب إلى المستحيل. لكن مصر اختارت أن تتعامل مع الأمر باعتباره معادلة قابلة للتغيير ، وأن التفوق العسكري ليس قدراً أبدياً، وأن ميزان القوة يمكن إعادة تشكيله إذا امتلكت الدولة الإرادة السياسية، والقدرة على التخطيط ، والصبر الاستراتيجي.
لقد احتاجت مصر إلى سنوات من إعادة البناء حتى وصلت إلى اللحظة التي استطاعت فيها أن تبدأ الحرب بشروطها، لا بشروط خصمها. ولذلك فإن عبقرية أكتوبر لا تكمن فقط في الخطة العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة، وإنما في تحويل الإمكانات المحدودة إلى نتائج استراتيجية ضخمة، وفي استخدام عنصر المفاجأة، والتخطيط الدقيق، والخداع الاستراتيجي، والتكامل بين أفرع القوات المسلحة ، بصورة أربكت الحسابات الإسرائيلية التي كانت قد بنت منظومتها الدفاعية على افتراضات بدت قبل الحرب وكأنها حقائق ثابتة.
ولذلك فإن الحديث عن خط بارليف باعتباره مجرد ساتر ترابي يفوت المعنى الحقيقي للمعركة. فقد كان الخط جزءًا من منظومة دفاعية متكاملة، مدعومة بتحصينات ونقاط قوية ونيران مدفعية ووسائل مراقبة، والأهم أنه كان جزءًا من تصور إسرائيلي أوسع يقوم على أن عبور الجيش المصري للقناة وإحداث اختراق واسع في الضفة الشرقية أمر بالغ الصعوبة. لكن الحرب أثبتت أن أقوى التحصينات يمكن أن تتحول إلى نقاط ضعف عندما تواجه عقلاً عسكرياً قادراً على فهم طبيعة خصمه واستغلال ثغراته.
والأهم من ذلك أن أكتوبر أعادت بناء مفهوم الأمن القومي المصري. فالدولة التي كانت قد تعرضت لصدمة عسكرية وسياسية كبرى في 1967، لم تسمح للهزيمة بأن تتحول إلى حالة دائمة من العجز. بدأت حرب الاستنزاف ، وتواصل بناء القوات المسلحة، وتغيرت طريقة التفكير في إدارة الصراع، حتى جاءت لحظة العبور لتقول إن الهزيمة العسكرية ليست نهاية التاريخ، وإن الدول لا تُقاس فقط بما تتعرض له من صدمات ، وإنما بقدرتها على التعافي وإعادة إنتاج قوتها.
ومن زاوية سياسية أوسع، كانت حرب أكتوبر أيضاً مثالًا على أن الحرب ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة لتحقيق هدف سياسي. فمصر لم تدخل الحرب من أجل الحرب ، ولم يكن الهدف مجرد الوصول إلى الضفة الشرقية للقناة ، وإنما كسر حالة الجمود وفرض واقع جديد يفتح الطريق أمام تسوية سياسية تستعيد مصر من خلالها أرضها وحقوقها. وهذه نقطة شديدة الأهمية في قراءة أكتوبر بعيداً عن الشعارات ، فالقوة العسكرية عندما تكون جزءًا من رؤية سياسية واضحة تصبح وسيلة لتغيير قواعد التفاوض ، وليس مجرد استعراض للقوة.
لقد تغيرت بعد أكتوبر معادلات كثيرة في المنطقة. لم تعد إسرائيل تنظر إلى الأراضي المحتلة باعتبارها مساحة آمنة لا يمكن تهديدها، ولم يعد العالم العربي يتعامل مع نتائج 1967 باعتبارها قدراً لا يمكن تغييره. والأهم أن مصر استعادت شيئاً يتجاوز الأرض، وهو الثقة في قدرة الدولة والمجتمع والجيش على الفعل.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية لذكرى أكتوبر لا ينبغي أن تتوقف عند الاحتفال بالماضي ، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي أمة هو أن تحول انتصاراتها التاريخية إلى مجرد مناسبات سنوية. فالأمم الحية لا تكتفي بتذكر كيف انتصرت، وإنما تسأل دائماً : لماذا انتصرنا؟ وكيف استطعنا أن نفعل ما بدا في لحظة ما مستحيلاً ؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من تلك التجربة في مواجهة تحديات الحاضر؟
الدرس الأهم ربما أن القوة لا تُقاس بعدد الأسلحة وحدها، وإنما بقدرة الدولة على امتلاك قرارها، وبناء مؤسساتها، وإدارة مواردها، وفهم محيطها الإقليمي والدولي ، واختيار اللحظة المناسبة للتحرك. وهذا الدرس لا يخص المجال العسكري وحده ، وإنما يمتد إلى السياسة والاقتصاد والدبلوماسية والإعلام والأمن القومي بمفهومه الشامل.
وفي زمن تتغير فيه خرائط القوة في الشرق الأوسط، وتتصاعد فيه الصراعات الإقليمية والدولية، تصبح ذكرى أكتوبر أكثر من مجرد استعادة لحدث تاريخي. إنها تذكير بأن المنطقة لا تعرف الفراغ، وأن من يفقد القدرة على حماية مصالحه يصبح مضطراً للتعامل مع الآخرين وفقًا لقواعد يضعونها هم. كما أنها تذكير بأن بناء القوة الحقيقية عملية طويلة ، تبدأ من امتلاك الرؤية ، وتمر بالتخطيط والانضباط ، وتنتهي بالقدرة على إتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.
لقد عبر الجيش المصري قناة السويس في السادس من أكتوبر، لكن المعنى الأعمق للعبور كان عبوراً من حالة نفسية وسياسية فرضتها هزيمة 1967 إلى حالة جديدة من الثقة والقدرة على المبادرة. ولهذا بقي أكتوبر حاضراً في الوعي المصري والعربي ، ليس فقط باعتباره انتصاراً عسكرياً ، وإنما باعتباره لحظة أثبتت أن التاريخ لا يكتب نفسه بنفسه، وأن موازين القوى التي تبدو ثابتة يمكن أن تتغير عندما تتوافر الإرادة والرؤية والإعداد الجيد.
وفي النهاية ، ربما تكون أعظم رسالة تركتها حرب أكتوبر للأجيال الجديدة هي أن الانتصارات الكبرى لا تولد في يوم المعركة ، وإنما تُصنع قبلها بسنوات من العمل والصبر والتخطيط. وما حدث في أكتوبر 1973 لم يكن وليد الصدفة ، بل كان نتيجة تراكم طويل من إعادة بناء القوة، واستخلاص الدروس، وإدارة الصراع، وانتظار اللحظة التي تتحول فيها الإرادة إلى قرار ، والقرار إلى فعل، والفعل إلى واقع جديد.
لهذا تظل أكتوبر ، بعد أكثر من نصف قرن ، ليست مجرد ذكرى نتوقف أمامها بالفخر، وإنما مدرسة كاملة في إدارة الصراع وصناعة القوة وفهم معنى الدولة. وربما يكون أفضل احتفال بانتصار أكتوبر هو أن نفهم منطقه ، لا أن نكتفي بترديد قصته ، لأن الشعوب التي تفهم أسباب انتصاراتها تكون أقدر على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.



