طبول الحرب العابرة للحدود : هل يتحول شمال إثيوبيا إلى نقطة إنفجار إقليمية؟

بقلم : يوحنا عزمي
يبدو أن المشهد في شمال إثيوبيا دخل بالفعل مرحلة مختلفة تماماً عن تلك التي بدأت في 23 سبتمبر الماضي، لأن التطور الأخطر الآن لم يعد متعلقاً فقط بعودة القتال بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وقوات تيجراي، وإنما بظهور مؤشر ميداني بالغ الحساسية : تحرك قوات إريترية داخل إقليم تيجراي الإثيوبي.
وهنا تحديداً يجب التوقف طويلًا ، لأن دخول إريتريا على خط الأزمة، إذا تأكد اتساعه واستمراره، يعني أن الصراع الذي كان يُنظر إليه باعتباره جولة جديدة من الحرب الداخلية الإثيوبية قد يتحول تدريجياً إلى مواجهة إقليمية تتداخل فيها حسابات إثيوبيا وإريتريا وقوات تيجراي وقوى أخرى تنشط في الشمال الإثيوبي.
خلال الساعات والأيام الأخيرة، أفادت مصادر محلية وشهود عيان بوجود قوات إريترية في محيط مدينة أديغرات، الواقعة في شمال إقليم تيجراي وعلى مسافة تقارب 40 كيلومتراً من الحدود الإريترية. والأكثر دلالة أن بعض هذه القوات شوهدت وهي تتحرك جنوباً في اتجاه ميكيلي، عاصمة الإقليم. وتحدثت مصادر محلية إلى وكالات دولية عن مشاهدة جنود إريتريين ومركبات ومعدات عسكرية في المنطقة، بينما أفادت مصادر أخرى بأن قوات إريترية عبرت الحدود بالفعل عبر منطقة زالمبسا وتحركت باتجاه محور أديغرات – إيداغا هاموس. كما تحدثت تقارير عن تعرض قوات إريترية لضربات بطائرات مسيرة إثيوبية.
وهذه النقطة هي الأخطر في المشهد كله، لأن المسألة لم تعد مجرد وجود عسكري إريتري بالقرب من الحدود، وإنما الحديث عن قوات تتحرك داخل الأراضي الإثيوبية وفي اتجاه الجنوب ، في وقت تتحرك فيه القوات الإثيوبية وحلفاؤها شمالاً على المحور المؤدي إلى الحدود الإريترية.
وبالتالي، فإن خريطة الانتشار العسكري نفسها أصبحت تحمل رسالة سياسية وعسكرية شديدة الوضوح : القوات الإريترية تقترب من منطقة العمليات ، بينما القوات الإثيوبية تقترب من الاتجاه المعاكس، الأمر الذي يزيد بصورة كبيرة احتمالات الاحتكاك المباشر بين الجيشين.
لكن من المهم هنا ألا نقفز مباشرة إلى استنتاج أن إريتريا أعلنت رسمياً الحرب على إثيوبيا أو أنها أصبحت رسمياً طرفاً معلناً في الحرب إلى جانب قوات تيجراي. ما نملكه حتى الآن هو تقارير متقاطعة عن وجود وتحرك قوات إريترية داخل تيجراي، في وقت تنفي فيه أسمرة الاتهامات الموجهة إليها بالتدخل لصالح خصوم الحكومة الإثيوبية. وهذه نقطة فارقة بين “التدخل العسكري الميداني” وبين الإعلان الرسمي عن الحرب.
ومع ذلك، فإن السياسة لا تُقرأ دائماً من البيانات الرسمية وحدها، أحياناً تكون حركة القوات على الأرض أكثر أهمية من اللغة الدبلوماسية.
فإريتريا وإثيوبيا ليستا دولتين منفصلتين عن تاريخ من الصراع يمكن احتواؤه بسهولة. الحرب بينهما انتهت باتفاق سلام عام 2018، لكن التفاهمات التي أعقبت ذلك لم تمنع عودة الخلافات الاستراتيجية، خصوصاً حول الحدود والأمن والوضع في تيجراي ومسألة وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر. وفي السنوات الأخيرة تدهورت العلاقات بصورة حادة، حتى وصلت في بداية أكتوبر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد تبادل الاتهامات والتصعيد السياسي.
وهنا يمكن فهم لماذا يمثل سقوط ميكيلي أو صعود قوات الحكومة الإثيوبية باتجاه الشمال مشكلة استراتيجية بالنسبة لأسمرة.
فالجيش الإثيوبي دخل ميكيلي بعد انسحاب قوات جبهة تحرير شعب تيجراي، وهو انسحاب وصفته الجبهة بأنه خطوة مؤقتة، بينما اعتبرته الحكومة الإثيوبية وحلفاؤها انتصاراً عسكرياً. وفي الوقت نفسه ، تقدمت القوات الموالية للحكومة باتجاه ووكرو، الواقعة على الطريق الشمالي المؤدي إلى أديغرات والحدود الإريترية.
ومن هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
إذا استمرت القوات الإثيوبية في التقدم شمالًا ، وأصبحت على مسافة أقرب من الحدود الإريترية، بينما استمرت القوات الإريترية في التحرك جنوباً داخل تيجراي ، فإن مساحة المناورة السياسية أمام الطرفين ستتقلص بصورة كبيرة ، وقد يتحول أي احتكاك محدود أو ضربة جوية أو عملية استطلاع إلى مواجهة أوسع يصعب احتواؤها.
لكن المشكلة لا تتوقف عند الحدود الإثيوبية _ الإريترية.
في إقليم أمهرة أيضاً ، تبدو جبهة أخرى مفتوحة أمام الجيش الفيدرالي. فقد اندلعت خلال الأيام الأخيرة معارك عنيفة بين القوات الحكومية ومقاتلي فانو في محيط ميكاني سيلام، بينما أفادت تقارير تحليلية بأن فانو تمكنت من تعطيل بعض طرق الإمداد التي تستخدمها القوات الفيدرالية في اتجاه تيجراي، بما في ذلك طرق ترتبط بالمحور الرئيسي المؤدي شمالًا.
وفي الوقت نفسه، توجد روايات متضاربة حول حجم السيطرة الميدانية على بعض البلدات، ولذلك فإن الحديث عن “انهيار كامل” للقوات الحكومية أو استسلام أعداد محددة من الجنود يحتاج إلى تأكيد مستقل قبل اعتباره حقيقة نهائية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية جبهة أمهرة.
فالقضية ليست فقط في عدد المدن التي يمكن أن تسقط أو ترتفع فوقها أعلام هذا الطرف أو ذاك، وإنما في خطوط الإمداد. الجيش الفيدرالي الإثيوبي إذا وجد نفسه مضطراً للعمل في تيجراي من ناحية ، ومواجهة فانو في أمهرة من ناحية أخرى ، فسيتعامل مع مشكلة استراتيجية تتجاوز الاشتباك المباشر : كيف يحافظ على تدفق القوات والذخيرة والوقود والمعدات إلى الجبهة الشمالية؟
وهذا هو السبب في أن السيطرة على الطرق قد تكون في بعض الأحيان أهم من السيطرة على مدينة.
أما في تيجراي، فإن فكرة أن انسحاب قوات الجبهة من ميكيلي كان مجرد استسلام نهائي تبدو أكثر تعقيداً مما توحي به الصورة الأولى. فقد انسحبت قوات تيجراي من العاصمة الإقليمية، وتقدمت القوات الفيدرالية وحلفاؤها شمالًا ، لكن المعارك لم تتوقف ، بل استمرت في مناطق أخرى ، وأفادت بيانات رصد ميداني حديثة بوقوع اشتباكات حول مناطق في تيجراي ، فضلًا عن تحركات للقوات الحكومية وحلفائها في محاور مختلفة.
وهذا يعني أن السيطرة على ميكيلي لا تعني بالضرورة نهاية الحرب.
ففي الحروب التي تعتمد على الجغرافيا الجبلية والمساحات الواسعة وشبكات الولاء المحلية، يمكن للقوة العسكرية أن تسيطر على العاصمة أو المدن الرئيسية دون أن تتمكن بالضرورة من إنهاء قدرة الخصم على القتال.
والأخطر أن هذه الديناميكية تفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة : ماذا تريد إريتريا تحديداً ؟
لا توجد حتى الآن أدلة علنية كافية تسمح بالقول إن أسمرة قررت خوض حرب شاملة بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد. هذا استنتاج أكبر من الأدلة المتاحة. لكن يمكن قراءة التحرك الإريتري باعتباره محاولة لمنع تطورات ميدانية معينة من الوصول إلى الحدود الإريترية ، أو للتأثير في ميزان القوى داخل تيجراي ، أو لخلق منطقة عازلة عسكرية داخل الأراضي الإثيوبية بدل انتظار انتقال القتال إلى داخل إريتريا.
وهذا الاحتمال الأخير مهم للغاية ، وقد أشار محللون إلى أن أحد دوافع التحرك الإريتري قد يكون إبقاء المعارك داخل تيجراي ومنع انتقالها إلى الأراضي الإريترية.
وبعبارة أخرى، قد تكون أسمرة لا تريد بالضرورة “احتلال تيجراي”، بقدر ما تريد ألا تجد نفسها أمام قوة معادية أو جبهة مسلحة ملاصقة لحدودها.
لكن المفارقة هنا أن محاولة منع الحرب من الوصول إلى إريتريا قد تكون هي نفسها العامل الذي يجعل الحرب أوسع.
فكلما توغلت القوات الإريترية داخل تيجراي ، زادت احتمالات اصطدامها بالقوات الإثيوبية. وكلما اقترب الجيش الإثيوبي من الحدود ، أصبحت أسمرة أكثر حساسية تجاه أي تحرك عسكري. وكلما زادت الضربات الجوية أو المسيرات ضد القوات الإريترية، أصبح الرد العسكري أكثر احتمالًا.
وهكذا يمكن أن يتحول الأمر إلى دائرة تصعيد : تحرك يؤدي إلى تحرك مضاد ، ثم ضربة تنتج عنها ضربة ، ثم يتحول الاشتباك المحدود إلى حرب مفتوحة.
والأهم أن الأزمة الحالية لا تحدث في فراغ.
إثيوبيا نفسها تواجه أكثر من بؤرة توتر مسلح، من تيجراي إلى أمهرة ومناطق أخرى ، بينما تتصاعد في الوقت نفسه التوترات السياسية والعسكرية مع إريتريا. وقد وصلت الأزمة الدبلوماسية بين البلدين إلى مرحلة غير مسبوقة خلال الأيام الماضية ، بعد إغلاق السفارات وطرد دبلوماسيين واتهامات متبادلة بشأن دعم جماعات معارضة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل عادت الحرب إلى تيجراي؟
الحرب عادت بالفعل.
السؤال الأخطر الآن هو: هل تبقى حرباً إثيوبية داخلية، أم تتحول إلى حرب إقليمية على أرض إثيوبيا؟
وإذا حدث السيناريو الثاني ، فإن التداعيات لن تتوقف عند أسمرة وأديس أبابا وميكيلي.
لأن القرن الأفريقي منطقة شديدة الحساسية، وأي مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا يمكن أن تؤثر في السودان ، وفي أمن البحر الأحمر، وفي حركة التجارة والموانئ، وفي حسابات القوى الإقليمية والدولية الموجودة أصلًا في هذه المنطقة.
لهذا فإن تحرك القوات الإريترية داخل تيجراي لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد خبر عسكري عابر. أهميته الحقيقية أنه يأتي في اللحظة التي تتقاطع فيها ثلاثة مسارات خطرة في وقت واحد: إعادة إشعال حرب تيجراي، تصاعد الصراع بين الحكومة الفيدرالية وفانو في أمهرة ، وانهيار العلاقات السياسية بين أديس أبابا وأسمرة.
وعندما تجتمع هذه المسارات الثلاثة في وقت واحد، فإن هامش الخطأ يصبح ضيقاً للغاية.
قد تنجح الأطراف في احتواء التصعيد، وقد تكون التحركات الإريترية ذات أهداف محدودة ومؤقتة، وقد تتراجع القوات قبل الوصول إلى مواجهة مباشرة.
لكن إذا استمرت القوات الإريترية في التحرك جنوباً، واستمرت القوات الإثيوبية في التحرك شمالًا، وأصبحت ووكرو وأديغرات وممرات تيجراي الشمالية ساحات مواجهة فعلية، فإن المنطقة قد تكون أمام أخطر اختبار منذ انتهاء الحرب الإثيوبية _ الإريترية السابقة.
وفي هذه الحالة لن تكون المسألة مجرد جولة جديدة من الحرب الأهلية الإثيوبية ، بل أزمة قد تعيد رسم ميزان القوى في القرن الأفريقي كله.
وهنا تحديداً يجب مراقبة الساعات والأيام المقبلة، لأن السؤال لم يعد فقط : من يسيطر على ميكيلي؟
السؤال أصبح : من سيمنع الرصاصة الأولى بين إثيوبيا وإريتريا من تحويل حرب تيجراي إلى حرب إقليمية مفتوحة؟



