العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية .. ترامب يهدد عرش العدالة الدولية دفاعاً عن إسرائيل

بقلم : يوحنا عزمي
تأتي العقوبات الأحادية التي أعلنتها الإدارة الأمريكية بحق المحكمة الجنائية الدولية لتشكل نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات الدولية ومستقبل منظومة العدالة العابرة للحدود. وتجيء هذه الخطوة الاستثنائية ، من حيث التوقيت والحدة ، كرد فعل مباشر على التحركات القضائية الصادرة عن المحكمة ومدعيها العام بشأن الممارسات الإسرائيلية في قطاع غزة، وما تبعها من مذكرات توقيف وإجراءات ملاحقة رسمية بحق قيادات سياسية وعسكرية إسرائيلية ، إلى جانب المسار القانوني الذي أطلقته جنوب إفريقيا أمام القضاء الدولي ، وهو ما ينطوي على تداعيات سياسية وقانونية واسعة الإرباك لتوجهات واشنطن وحلفائها.
ولم تقف التصريحات الأمريكية الصادرة عن وزارة الخارجية عند حدود الرفض الإجرائي ، بل تجاوزتها إلى التشكيك المباشر في شرعية المحكمة ودورها المؤسسي، عبر التهديد بتقويض آليات تمويلها والدعوة للتحلل من التزاماتها الدولية ، الأمر الذي يعكس تصعيداً غير مسبوق في الخطاب الدبلوماسي، ويؤشر على اتساع الفجوة بين النهج الأمريكي القائم على رعاية المصالح الاستراتيجية وتأمين حلفائه التقليديين ، وبين الأطر القانونية الدولية المعتمدة.
وعلى الجانب الآخر، أبرزت ردود الأفعال الدولية حجماً كبيراً من المباينة والمواقف المتقاطعة، حيث تراوحت المواقف الأوروبية وأطراف النظام الدولي بين الإعراب عن الأسف الشديد والتصريح بوجود انكسار بنيوي في منظومة العدالة الشاملة، مما يضع آليات الحوكمة الدولية المتمثلة في الأمم المتحدة وهيئاتها أمام اختبار حقيقي لمداها ونفوذها. كما يقرأ الأسلوب الذي اتُّخذت به القرارات الأخيرة من زاوية التوازنات السياسية الداخلية والحسابات الانتخابية القادمة ، والتي كثيراً ما تُلقي بظلالها على توجيه مسارات السياسة الخارجية الأمريكية نحو كسب تأييد الكتل الضاحكة والمنظمات الداعمة.
إن المشهد الحالي يضع العدالة الجنائية الدولية أمام تحديات وجودية تتجاوز نطاق القضية الفلسطينية، إذ تبدو المؤسسات القانونية الشاملة في مواجهة اختبار لإرادتها وقدرتها على الصمود أمام أدوات الضغط والنفوذ المالي والسياسي القادم من القوى الكبرى ، وهو ما يرسم ملامح مرحلة حرجة من تاريخ القانون الدولي والمفاهيم المرتبطة بحقوق الإنسان وسيادة القانون.



