حرب اليمن .. هل تدفع السعودية ثمن الرهان على الحل العسكري؟

✍️ يوحنا عزمي
من تابع مقالاتي وتحليلاتي السابقة بشأن الحرب في اليمن، لن يجد في التطورات الراهنة ما يدعو إلى الدهشة أو المفاجأة، فقد سبق أن حذرت مراراً من المسار الذي يمكن أن تنتهي إليه هذه المواجهة، استنادًا إلى قراءة للمعطيات الميدانية والسياسية والعسكرية، وإلى فهم لطبيعة الصراع اليمني وتعقيداته التاريخية والجغرافية.
وبالطبع، فإن الغيب لا يعلمه إلا الله، لكن التحليل الاستراتيجي الرصين يقوم على دراسة المؤشرات المتاحة ، واستشراف السيناريوهات المحتملة قبل أن تتحول إلى وقائع يصعب احتواؤها.
لقد أكدت في أكثر من مناسبة أن انخراط المملكة العربية السعودية في حرب مفتوحة داخل اليمن ينطوي على مخاطر استراتيجية جسيمة ، وأن الرهان على الحسم العسكري قد يقود إلى نتائج معاكسة تماماً للأهداف المعلنة.
فاليمن ليس ساحة عسكرية تقليدية يمكن إخضاعها بسهولة عبر التفوق في التسليح أو الإمكانات الاقتصادية، بل هو مسرح صراع شديد التعقيد، تتداخل فيه الجغرافيا الوعرة، والولاءات المحلية، والانقسامات السياسية ، والحسابات الإقليمية ، فضلًا عن قدرة جماعة الحوثيين على التكيف مع الضغوط العسكرية وإعادة بناء قدراتها.
وحذّرت كذلك من أن الحوثيين يمتلكون، وفق طبيعة قدراتهم العسكرية وما أظهروه في مراحل سابقة من الصراع، وسائل يمكن أن تهدد العمق السعودي والمنشآت الحيوية، بما فيها منشآت الطاقة والبنية التحتية. ومن ثم ، فإن استمرار الحرب لا يعني بالضرورة انتقال المخاطر إلى الداخل اليمني وحده ، بل قد يجعل الأراضي السعودية ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية جزءًا مباشراً من معادلة الاستنزاف المتبادل.
وإذا كانت التقارير المتداولة بشأن الهجمات والأوضاع الميدانية تعكس حجم التهديدات المتزايدة، فإن الدرس الأهم هنا لا يتعلق بحادثة عسكرية بعينها، وإنما بطبيعة الحرب نفسها: كلما طال أمد المواجهة، ارتفعت كلفتها، واتسعت دائرة المخاطر، وأصبح تحقيق الأهداف السياسية أكثر صعوبة ، حتى بالنسبة إلى الأطراف التي تمتلك تفوقًا واضحًا في الموارد والإمكانات.
لماذا حذرت من الحرب منذ البداية؟
قلت بوضوح إن الأزمة اليمنية لا يمكن حلها بالقوة العسكرية وحدها، وإن أي تصور يقوم على إخضاع الحوثيين عسكرياً وتصفية نفوذهم بصورة نهائية يتجاهل حقائق راسخة في المشهد اليمني. فالتجربة الممتدة عبر الحروب الست السابقة بين الحوثيين والحكومة اليمنية ، ثم مراحل الصراع اللاحقة ، أظهرت أن المواجهات العسكرية قد تضعف الخصم في مرحلة، لكنها قد تمنحه في مرحلة أخرى خبرة قتالية أكبر ، وقدرة أوسع على التنظيم والتعبئة ، وشبكات نفوذ أكثر تعقيداً.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية: قد يدخل أحد الأطراف الحرب بهدف تقليص قدرات خصمه وإنهاء تهديده، لكنه يخرج من سنوات المواجهة أمام خصم أكثر خبرة، وأشد تمسكاً بمواقفه، وأكثر قدرة على استثمار نقاط الضعف لدى الطرف المقابل.
إن الحروب لا تُقاس فقط بما تحققه الجيوش من تقدم ميداني، ولا بعدد المواقع التي تتم السيطرة عليها أو استعادتها، وإنما بمدى قدرة العمليات العسكرية على إنتاج تسوية سياسية مستقرة. فإذا لم يتحول التفوق العسكري إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار، فإن النصر الميداني قد يتحول إلى عبء طويل الأمد، وقد تصبح تكلفة الاحتفاظ بالمكاسب أكبر من تكلفة تحقيقها.
ومن هنا جاء تحذيري من أن الدولة التي تمتلك اقتصاداً كبيراً وطموحات تنموية واسعة ومشروعات استراتيجية طويلة الأجل، لا ينبغي لها أن تسمح لحرب استنزاف ممتدة بأن تستهلك مواردها، أو تستنزف اهتمامها السياسي والأمني ، أو تعرض منشآتها الحيوية لمخاطر متكررة. فالدول الكبرى لا تُقاس قوتها فقط بقدرتها على خوض الحروب ، بل أيضاً بقدرتها على اختيار المعارك التي تستحق خوضها، وتحديد اللحظة التي يصبح فيها التفاوض أكثر فائدة من استمرار القتال.
هل أسهمت التقديرات الخاطئة في دفع الصراع نحو التصعيد؟
يبقى أحد الأسئلة الجوهرية التي تستحق النقاش: هل وصلت إلى دوائر صنع القرار تقديرات غير دقيقة بشأن ميزان القوى الحقيقي في اليمن؟ وهل لعبت بعض التغطيات الإعلامية أو الخطابات السياسية التي بالغت في الحديث عن الانتصارات والتقدم الميداني دوراً في تكوين صورة لا تعكس بالضرورة تعقيدات الواقع؟
هذا سؤال مشروع من الناحية الاستراتيجية ، لكنه يحتاج إلى معلومات موثقة حتى يمكن الوصول إلى إجابة حاسمة. ومع ذلك، فإن التجارب العسكرية في مناطق النزاع تكشف أن الفجوة بين الصورة الإعلامية والواقع الميداني قد تكون خطيرة للغاية، خصوصاً عندما تؤدي إلى قرارات مبنية على تقديرات متفائلة أكثر مما ينبغي.
فحين تُقدَّم النجاحات الجزئية باعتبارها انتصارات حاسمة، أو تُختزل قدرة الخصم على المقاومة في أرقام ومؤشرات غير مكتملة، يصبح صانع القرار معرضاً لخطر الاعتقاد بأن الحرب تسير في اتجاه محسوم ، بينما تكون الوقائع أكثر تعقيداً بكثير.
وقد يؤدي هذا النوع من التقدير إلى توسيع العمليات أو رفع سقف الأهداف العسكرية، بدلًا من استثمار اللحظات المناسبة لفتح مسار تفاوضي. وهنا لا يعود الخلل مجرد خطأ في قراءة الميدان، بل يتحول إلى مشكلة استراتيجية تمس القدرة على تحديد الأهداف الواقعية، وقياس الكلفة المحتملة، وتقدير ردود فعل الخصم.
لكن الإنصاف يقتضي التأكيد أن إثبات وجود تضليل إعلامي متعمد ، أو ربطه مباشرة بقرار التصعيد ، يتطلب أدلة واضحة. أما ما يمكن قوله بثقة من منظور التحليل السياسي ، فهو أن أي قيادة تخوض حربًا طويلة تحتاج إلى معلومات مستقلة ودقيقة، وإلى مؤسسات قادرة على تقديم الحقائق كما هي ، لا كما ترغب الأطراف في رؤيتها.
مدينة تعز .. عقدة ميدانية قد تعيد رسم خريطة الصراع
تحتل مدينة تعز موقعاً بالغ الأهمية في الحسابات العسكرية والسياسية داخل اليمن، بالنظر إلى موقعها الجغرافي، وثقلها السكاني والسياسي ، وارتباطها بمناطق نفوذ متعددة. ولذلك فإن أي تحول كبير في ميزان القوى حولها يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود المدينة نفسها.
وقد حذرت في تحليلاتي من أن تضييق الخناق على القوات المناوئة للحوثيين في تعز قد يخلق وضعاً ميدانياً بالغ الخطورة، خصوصاً إذا تزامن مع تراجع قدرتها على الاحتفاظ بخطوط الإمداد أو التنسيق مع القوى الحليفة لها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعامل بحذر مع الأنباء التي تتحدث عن اقتراب الحوثيين من حسم المعركة في تعز أو إحكام السيطرة على محيطها ، فهذه التطورات ، إن تأكدت ميدانياً، قد تمثل نقطة تحول مهمة ، لكنها لا تعني تلقائياً أن السيطرة على بقية اليمن أصبحت حتمية أو أن المسار العسكري قد حُسم بصورة نهائية.
إن تعز ليست مجرد مدينة يمكن اختزال أهميتها في السيطرة على مساحة جغرافية، بل هي عقدة تتصل بتوازنات سياسية واجتماعية وعسكرية متشابكة. وأي تغير في وضعها قد ينعكس على حسابات القوى المحلية ، وعلى خطوط الحركة والإمداد ، وعلى استعداد الأطراف للانتقال من المواجهة إلى التفاوض.
وإذا تمكن الحوثيون من تحقيق مكاسب استراتيجية كبيرة في تعز، فقد يجدون أنفسهم أمام خيارات متعددة، تتفاوت في كلفتها ومخاطرها. ومن بين هذه الخيارات محاولة توسيع الضغط باتجاه عدن، أو استهداف مواقع وقوى عسكرية مؤثرة في محافظة لحج، بما فيها التشكيلات المعروفة باسم قوات العمالقة، وفقاً لما تسمح به الظروف الميدانية وتوازنات القوى.
غير أن الانتقال من هذه الاحتمالات إلى القول إن السيطرة على عدن أو بقية الجنوب أو كامل اليمن أصبحت مسألة وقت محسومة، سيكون استنتاجاً متسرعاً، إذ إن لكل جبهة ظروفها الخاصة، ولكل منطقة توازناتها المحلية، كما أن التدخلات الإقليمية وتماسك القوى المناوئة للحوثيين قد تغير مسار الأحداث بصورة جوهرية.
ومع ذلك، فإن الخطر الحقيقي لا يقتصر على احتمال تحقيق الحوثيين تقدماً عسكرياً جديدًا، بل يمتد إلى احتمال تآكل ثقة خصومهم بجدوى استمرار الحرب. فعندما تتكون لدى الأطراف قناعة بأن ميزان القوى يتحرك بصورة مستمرة ضدها، قد تبدأ في مراجعة حساباتها، والبحث عن تفاهمات منفردة ، أو الدخول في ترتيبات محلية لتجنب الخسائر.
وهنا يمكن أن تتحول المكاسب الميدانية إلى مكاسب سياسية، ليس بالضرورة من خلال السيطرة العسكرية المباشرة على كل منطقة، بل عبر اتفاقات وتفاهمات تعيد توزيع النفوذ، وتدفع بعض القوى إلى القبول بواقع جديد تفرضه موازين القوى.
عندما تتحول الجغرافيا إلى عامل استنزاف إستراتيجي
إن أحد الأخطاء المتكررة في قراءة الحرب اليمنية هو التعامل معها باعتبارها مواجهة يمكن حسمها من خلال زيادة الضغط العسكري وحده، من دون إعطاء الوزن الكافي للجغرافيا وطبيعة المجتمع المحلي وشبكات النفوذ المتداخلة.
فاليمن ليس ساحة مفتوحة يمكن التحكم فيها بسهولة، كما أن السيطرة على المدن لا تعني بالضرورة السيطرة المستقرة على محيطها، أو ضمان ولاء السكان، أو إنهاء قدرة الخصوم على إعادة تنظيم صفوفهم. وقد تتغير السيطرة على المواقع من مرحلة إلى أخرى، بينما تستمر أسباب الصراع الأساسية من دون معالجة.
ولهذا فإن أي طرف يراهن على استنزاف خصمه حتى الاستسلام الكامل قد يجد نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً : خصم يستطيع التكيف مع الخسائر ، وجبهات متعددة تستهلك الموارد ، ومخاطر تتجاوز الحدود ، وبيئة سياسية لا تسمح بتحويل الإنجازات العسكرية إلى استقرار دائم.
ومن هنا يمكن فهم التحذير الذي أطلقته مراراً : إن الدخول في حرب طويلة داخل اليمن قد يكون مكلفاً بصورة غير متناسبة مع المكاسب التي يمكن تحقيقها، خصوصًا عندما تكون الدولة المعنية بحاجة إلى توجيه مواردها نحو التنمية ، وتعزيز أمنها الاقتصادي، وحماية منشآتها الاستراتيجية، والحفاظ على استقرارها الداخلي والإقليمي.
أخطر ما في الحرب أن تتحول من صراع سياسي إلى معركة وجودية
إن استمرار المواجهة لا يراكم الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل قد يغيّر طبيعة الصراع ذاته. ففي المراحل الأولى، يمكن أن تنظر الأطراف إلى الحرب باعتبارها وسيلة لتحسين شروط التفاوض أو تعديل ميزان القوى. لكن مع مرور الوقت ، وتزايد أعداد الضحايا، وتراكم مشاعر الانتقام ، وتضخم الخطاب العدائي ، قد تتحول المواجهة إلى صراع وجودي يصعب على الأطراف التراجع عنه من دون أن تتعرض لضغوط داخلية وسياسية هائلة.
وهذه هي المرحلة الأخطر، لأن التنازل الذي كان يمكن قبوله في بداية الأزمة قد يصبح ، بعد سنوات من القتال ، موضع اتهام بالخيانة أو الهزيمة. وتصبح القيادات أكثر ارتباطاً بخطابها السابق، وأقل قدرة على الاعتراف بأخطاء التقدير، فيما تتراجع المساحات المتاحة للتسوية.
ومع كل جولة تصعيد جديدة، قد تضيق فرص العودة إلى المسار السياسي ، ويزداد خطر انتقال المواجهة إلى ساحات أخرى، أو اتساع نطاق الاستهداف ، أو دخول أطراف جديدة على خط الصراع.
وإذا وصلت الأطراف إلى هذه المرحلة، فإن الخروج من الحرب لن يكون مجرد قرار عسكري بوقف العمليات، بل سيحتاج إلى ضمانات سياسية وأمنية، وتفاهمات إقليمية، وترتيبات تمنع تجدد المواجهة، وتوفر لكل طرف مخرجاً يحفظ الحد الأدنى من مصالحه واعتباراته.
لذلك فإن التحذير من الوصول إلى مرحلة اللاعودة ليس مبالغة خطابية، بل هو تنبيه إلى حقيقة استراتيجية مفادها أن الحروب قد تنتج ديناميات تتجاوز قدرة الأطراف على التحكم فيها، حتى عندما تكون هي التي أطلقت شرارتها.
مبادرة الوحدة.. هل كانت هناك فرصة لتجنب هذا المسار؟
سبق أن طرحت مبادرة تقوم على فكرة الوحدة وتغليب المصالح المشتركة، باعتبارها مدخلًا يمكن أن يفتح أفاقاً مختلفاً أمام المنطقة ، بدلًا من الاستمرار في منطق الاستقطاب والمواجهة المفتوحة.
وقد انطلقت هذه الرؤية من قناعة مفادها أن أمن الدول العربية مترابط، وأن إضعاف دولة أو استنزافها في حرب طويلة لا يؤدي بالضرورة إلى تعزيز أمن جيرانها، بل قد يخلق فراغات استراتيجية جديدة، ويفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية، ويضاعف الأعباء الاقتصادية والأمنية على الجميع.
إن البديل لم يكن بالضرورة أن ينتصر طرف على آخر، أو أن يتنازل طرف عن جميع مطالبه ، بل كان يمكن أن يقوم على بناء صيغة سياسية تعترف بالمصالح المشروعة، وتضع ضمانات متبادلة، وتفتح المجال أمام تسوية تدريجية تعالج جذور الصراع بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجه.
لكن المشكلة في كثير من الأزمات الإقليمية أن الأصوات الداعية إلى التهدئة غالباً ما تواجه خطاباً أكثر صخباً ، يروج للتصعيد باعتباره دليل قوة، وللتفاوض باعتباره علامة ضعف، وللتسويات باعتبارها تنازلات غير مقبولة.
وهذا المنطق قد يحقق مكاسب دعائية قصيرة الأجل، لكنه لا يقدم بالضرورة حلولًا قابلة للاستمرار. فالسياسة ليست مسابقة في رفع سقف التهديدات ، ولا تُقاس قوة الدول بقدرتها على رفض كل تسوية، وإنما بقدرتها على حماية مصالحها ومنع المخاطر من التحول إلى أزمات ممتدة.
وما يؤسفني في هذا السياق أن المسار الذي دعوت إليه كان، من وجهة نظري، يتيح فرصة أفضل لحماية مصالح الأطراف وتقليل الخسائر. ولا أزعم أن أي مبادرة سياسية تضمن النجاح بصورة مطلقة، لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو : هل كان بالإمكان الوصول إلى نتيجة أقل كلفة لو حظيت الحلول السياسية بالاهتمام الذي حظي به خيار التصعيد؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تفيد في استعادة ما مضى فحسب، بل يمكن أن تساعد أيضًا في تصحيح المسار قبل أن تصبح الخسائر أكبر، والخيارات أضيق، والتراجع أكثر صعوبة.
المطلوب الآن: مراجعة استراتيجية شاملة قبل فوات الأوان
إن اللحظة الراهنة، بما تحمله من مخاطر وتحديات، تستدعي مراجعة جادة للحسابات السياسية والعسكرية، بعيداً عن المزايدات الإعلامية أو الرغبة في إثبات صحة المواقف السابقة.
فالمطلوب ليس البحث عن طرف يُحمل وحده مسؤولية كل ما حدث، ولا الاكتفاء بتبادل الاتهامات، وإنما الاعتراف بأن استمرار الحرب وفق المنطق ذاته قد يؤدي إلى تكرار النتائج ذاتها، وربما إلى نتائج أكثر خطورة.
وتبدأ المراجعة المطلوبة بالاعتراف بأن الحل العسكري وحده لا يكفي، وأن حماية أمن السعودية واليمن والمنطقة تقتضي معالجة مصادر التهديد عبر مسار سياسي جاد، بالتوازي مع ترتيبات أمنية قابلة للتطبيق. كما تتطلب وقف التصعيد الذي يهدد المنشآت الحيوية والبنية التحتية ، وحماية المدنيين ، وفتح قنوات اتصال تمنع سوء التقدير من إشعال مواجهة أوسع.
ومن الضروري أيضًا أن تستند القرارات إلى تقييمات مستقلة للواقع الميداني ، وأن تُفصل المعلومات الموثقة عن الدعاية ، وأن يُمنح أصحاب الرؤى التحليلية المختلفة مجالًا لعرض تقديراتهم من دون أن يتحول الاختلاف إلى معركة سياسية أو إعلامية.
فالدول لا تخسر بسبب أخطاء الخصوم وحدهم، بل قد تخسر أيضاً عندما تتأخر في مراجعة قراراتها، أو تتمسك بتقديرات لم تعد تتفق مع الواقع، أو تسمح للخطاب السياسي بأن يقيد خياراتها الاستراتيجية.
والأهم من ذلك أن التسوية الناجحة لا ينبغي أن تكون مجرد هدنة مؤقتة تتيح لكل طرف إعادة ترتيب صفوفه استعداداً لجولة جديدة، بل يجب أن تكون مدخلًا إلى اتفاق أكثر استدامة، يعالج القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية ، ويضع آليات واضحة لتنفيذ الالتزامات ومراقبتها ، ويمنع تجدد الصراع كلما تغيرت موازين القوى.
كلمة أخيرة: الدم اليمني والسعودي أغلى من أي انتصار عسكري
أود أن أؤكد بوضوح أن موقفي ليس انحيازاً إلى طرف ضد آخر، ولا محاولة لتبرير سياسات أي جهة أو التقليل من مخاوفها الأمنية. إنني أنظر إلى هذه الحرب من منظور سياسي واستراتيجي، ينطلق من أن استمرار الصراع لا يخدم بالضرورة مصالح أي من الأطراف، وأن الخسائر البشرية لا يمكن تعويضها مهما تحققت من مكاسب ميدانية.
إن الدم اليمني غالٍ، والدم السعودي غالٍ، وأرواح المدنيين والعسكريين في مختلف أطراف الصراع لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أرقام في حسابات النفوذ أو أوراق ضغط على طاولات التفاوض.
وقد يكون من السهل على البعض الدعوة إلى التصعيد من بعيد، أو الاحتفاء بتقدم عسكري هنا أو تراجع هناك، لكن من يتحمل النتائج الحقيقية للحرب هم البشر الذين يفقدون أبناءهم ومنازلهم وأمنهم ومستقبلهم.
لذلك فإن دعوتي الأساسية هي وقف نزيف الدم، وإنهاء الصراع بصورة جذرية ومستدامة ، والبحث عن صيغة سياسية تحفظ كرامة الأطراف وتراعي مصالحها الأمنية المشروعة، وتمنح اليمنيين فرصة لاستعادة دولتهم واستقرارهم، وتضمن للسعودية والمنطقة بيئة أكثر أمناً وأقل تعرضاً لمخاطر الاستنزاف.
إن الحكمة السياسية لا تتمثل في الإصرار على المسار نفسه مهما كانت نتائجه ، بل في امتلاك الشجاعة لمراجعته عندما تكشف الوقائع عن ارتفاع كلفته وتراجع فرص نجاحه. والقوة الحقيقية ليست في مواصلة الحرب إلى أجل غير معلوم، وإنما في القدرة على إنهائها بشروط تحقق الأمن والاستقرار وتمنع تكرار المأساة.
فلا توجد دولة تربح حقاً عندما تتحول الحروب إلى استنزاف مفتوح، ولا يوجد انتصار يستحق أن تُدفع ثمنه أرواح الشعوب وأمن الأجيال المقبلة.
وهذا، في جوهره، هو الموقف الذي أدافع عنه: لا انتصار لطرف على حساب مستقبل المنطقة بأكملها ، ولا سلام دائم من دون تسوية سياسية تعالج جذور الأزمة ، ولا قيمة لأي مكسب استراتيجي إذا كان ثمنه مزيداً من الدماء والدمار.



