مقالات

من يحمي السعودية .. ومن يدير حرب اليمن خلف الستار؟

بقلم : يوحنا عزمي

لماذا تتحرك بعض الدول فجأة لإعلان استعدادها للدفاع عن السعودية؟ وهل نحن أمام تحالف عسكري حقيقي، أم إعادة توزيع للأدوار والنفوذ في واحدة من أكثر ساحات الشرق الأوسط تعقيداً؟ وما حقيقة الأنباء المتداولة بشأن محاولات بنيامين نتنياهو تقديم الدعم العسكري للرياض ، واحتمال وجود قنوات إسرائيلية غير مباشرة داخل دوائر المستشارين الأمريكيين؟

ثم يبقى السؤال الأهم: إذا كانت الأطراف التي تعلن استعدادها للتدخل تؤكد أن مهامها دفاعية بحتة، فمن المسؤول عن الهجمات والغارات التي تستهدف اليمن؟

هذه الأسئلة ليست مجرد تفاصيل متفرقة في مشهد إقليمي مضطرب، بل تفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة الصراع الدائر، وللأهداف التي تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى تحقيقها من خلاله. فخلف التصريحات الدبلوماسية والبيانات العسكرية، تتحرك حسابات المصالح، وتتقاطع خطوط الردع، وتُختبر قدرة الدول على حماية أمنها من دون الانزلاق إلى حروب استنزاف طويلة ومكلفة.

ولعل أخطر ما في المشهد أن الأطراف المختلفة قد تتفق على ضرورة احتواء التهديد، لكنها لا تتفق بالضرورة على شكل التسوية، ولا على الجهة التي ينبغي أن تتحمل التكلفة، ولا على الطرف الذي سيخرج من الأزمة بأكبر قدر من المكاسب السياسية والاستراتيجية.

تركيا.. المكسب الأكبر من دون الانخراط في مواجهة مفتوحة؟

لنبدأ بتركيا ، التي تتعامل مع الأزمات الإقليمية بمنطق براغماتي يقوم على توسيع هامش المناورة ، وتجنب الالتزامات التي قد تتحول إلى عبء استراتيجي. فأنقرة تدرك أن الأزمات الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه الجيوش على الأرض، وإنما أيضاً بما تتيحه من فرص لإعادة بناء التحالفات، وتعزيز الحضور العسكري، وفرض شروط جديدة على طاولة التفاوض.

في هذا السياق، تأتي الاتصالات السياسية والتصريحات المتعلقة باحتمال مشاركة تركيا في ترتيبات دفاعية لحماية السعودية، باعتبارها تطورات تستحق القراءة في ضوء المصالح التركية الأوسع، لا باعتبارها دليلًا قاطعًا على اتخاذ قرار نهائي بالتدخل العسكري.

فإذا انخرطت أنقرة في ترتيبات دفاعية محدودة، فقد تتمكن من تعزيز حضورها في معادلات أمن الخليج، وفتح المجال أمام تعاون عسكري أوسع مع الرياض ، فضلًا عن تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية محتملة. أما إذا اكتفت بالدعم الفني أو التنسيق العسكري أو نشر قدرات دفاعية، فإنها تستطيع الاحتفاظ بجزء كبير من هذه المكاسب من دون تحمل الأعباء نفسها التي تترتب على المشاركة المباشرة في حرب مفتوحة.

وهنا تكمن براعة المناورة التركية : الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الخيارات ، وتجنب تحويل الدور الدفاعي إلى التزام هجومي يصعب التراجع عنه.

لكن ثمة نقطة جوهرية ينبغي عدم تجاهلها، فالتصريحات التي تؤكد أن أي تحرك تركي سيكون دفاعيًا لا تعني تلقائياً أن أنقرة ستحصل على جميع المكاسب المحتملة، ولا تثبت أن قرار التدخل قد حُسم بالفعل. فالمشاركة العسكرية الخارجية قد تتطلب ترتيبات قانونية وسياسية ، وتفاهمات مع الأطراف المعنية، وتقديراً دقيقاً لاحتمالات التصعيد مع إيران والقوى المنخرطة في الصراع.

كما أن الحديث عن دعم مالي أو مقابل اقتصادي لا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة من دون أدلة واضحة. ومع ذلك، فإن الحسابات الاستراتيجية تظل قائمة: كلما استطاعت تركيا توسيع نفوذها من دون الدخول في مواجهة مباشرة ، زادت قدرتها على تحويل الأزمة إلى فرصة سياسية.

أما علاقتها بإيران، فهي تمثل عنصراً إضافياً في هذه المعادلة. فأنقرة لا ترغب بالضرورة في التضحية بقنوات التواصل مع طهران، خصوصًا أن التنافس بينهما لا يمنع وجود مصالح مشتركة في ملفات إقليمية أخرى. ومن ثم، فإن التحرك التركي الأكثر ترجيحاً من الناحية الاستراتيجية ، إذا تقرر ، سيكون ذلك الذي يمنحها موطئ قدم جديداً من دون دفعها إلى مواجهة شاملة مع خصومها.

باكستان.. بين الالتزام تجاه الرياض ومخاطر الانفجار الداخلي

ننتقل إلى باكستان، التي تواجه معادلة أكثر حساسية وتعقيداً. فالعلاقة مع السعودية ليست مجرد علاقة دبلوماسية عادية، بل ترتبط بمصالح اقتصادية ومالية واستراتيجية مهمة لإسلام آباد، فضلًا عن التعاون الدفاعي الممتد بين البلدين.

لكن باكستان لا تتحرك في فراغ. فهي دولة تمتلك اعتبارات داخلية شديدة الحساسية ، وتتطلب سياستها الخارجية الموازنة بين حاجتها إلى الحفاظ على علاقاتها مع الرياض، ومصالحها الأمنية والاقتصادية ، وحساباتها الإقليمية المرتبطة بإيران.

ولهذا، فإن أي مشاركة باكستانية في ترتيبات دفاعية ينبغي فهمها في ضوء طبيعة المهمة وحدودها الفعلية. فهناك فارق كبير بين نشر منظومات دفاع جوي لحماية المنشآت الحيوية، وإرسال مستشارين عسكريين، والمشاركة في عمليات هجومية داخل الأراضي اليمنية. ولكل خيار من هذه الخيارات تكلفة سياسية وأمنية مختلفة.

ومن منظور إسلام آباد، قد يمثل الدعم الدفاعي المحدود صيغة تتيح لها إظهار التضامن مع السعودية، مع تقليل احتمالات الانجرار إلى مواجهة إقليمية مباشرة. لكن هذا التوازن يظل هشاً ، لأن أي تحول في طبيعة المهمة ، أو اتساع نطاق العمليات العسكرية، قد يضع باكستان أمام ضغوط يصعب احتواؤها.

كذلك، لا ينبغي اختزال الحسابات الباكستانية في البعد الطائفي وحده، فالمسألة أوسع من ذلك بكثير. إنها تتعلق بأمن الحدود، واستقرار الاقتصاد، والعلاقات مع القوى الإقليمية، وقدرة الدولة على تجنب تعدد جبهات التوتر في وقت واحد.

وهكذا، قد يكون الخيار الدفاعي المحدود بالنسبة إلى باكستان وسيلة لتجنب الاختيار بين حليف مهم وجار إقليمي مؤثر، لكنه ليس ضمانة كاملة للخروج من الأزمة بأقل الخسائر.

السؤال الأخطر : إذا كان الجميع يدافع ، فمن يشن الهجوم؟

هنا نصل إلى النقطة الأكثر أهمية في المشهد كله.

إذا كانت الأطراف التي تعلن استعدادها للتحرك تؤكد أن مهامها دفاعية، فعلينا أن نميز بين ثلاثة مسارات مختلفة: حماية الأراضي والمنشآت السعودية ، واعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، وتنفيذ الضربات الهجومية داخل اليمن.

هذه ليست مهام متطابقة، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها عملية عسكرية واحدة. فالدفاع الجوي لا يعني بالضرورة المشاركة في قصف أهداف داخل الأراضي اليمنية ، كما أن نشر المستشارين العسكريين لا يثبت أن الدولة المشاركة تنفذ عمليات هجومية.

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي متعلقاً بهوية الجهات التي نفذت الضربات ، وسلسلة القيادة التي أصدرت أوامرها، وطبيعة الأهداف التي جرى استهدافها ، ومدى ارتباط العمليات المعلنة بأي تحالف عسكري قائم.

أما افتراض وجود طرف خفي يدير جميع العمليات من وراء الستار، فهو احتمال لا يمكن إثباته بمجرد تزامن التحركات العسكرية أو تشابه الخطاب السياسي. فإثبات المسؤولية يتطلب أدلة مستقلة ، تشمل بيانات العمليات، والتصريحات الرسمية، والمعلومات الموثقة بشأن الطائرات المستخدمة، ومواقع الإطلاق، وتسلسل القرارات العسكرية.

ومع ذلك ، فإن غياب الوضوح بشأن المسؤوليات قد يخلق بيئة خصبة لتبادل الاتهامات، ويمنح الأطراف المختلفة فرصة لتقديم نفسها باعتبارها قوة دفاعية، حتى عندما تكون مشاركتها في الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

ففي الحروب الحديثة، لا تُدار المعارك بالسلاح وحده، بل أيضاً بإدارة الرواية الإعلامية. وقد تسعى كل جهة إلى إبراز ما تقوم به من عمليات دفاعية، بينما تتعامل مع عمليات أخرى باعتبارها جزءًا من ترتيبات لا ترغب في كشف تفاصيلها. لكن هذا الاحتمال العام لا يكفي وحده لإسناد هجمات بعينها إلى جهة محددة.

إسرائيل.. هل تبحث عن موطئ قدم في معادلة أمن الخليج؟

أما الحديث عن بنيامين نتنياهو، واحتمال سعيه إلى تقديم دعم عسكري للسعودية في مواجهة الحوثيين ، فيفتح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بطموحات إسرائيل الإقليمية، وحدود التنسيق الأمريكي الإسرائيلي، وإمكانية توظيف الأزمات الأمنية لتوسيع نطاق النفوذ.

لكن من الضروري التمييز بين ما يمكن استنتاجه من المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية، وما يحتاج إلى دليل لإثبات وقوعه بالفعل. فحتى إذا كانت إسرائيل ترى في الهجمات التي تستهدف الملاحة أو المنشآت الحيوية تهديدًا لمصالحها ، فإن ذلك لا يثبت أن نتنياهو تسلل إلى ترتيبات عسكرية سعودية ، أو أن مستشارين إسرائيليين يعملون متخفين داخل الوفود الأمريكية.

هذه ادعاءات خطيرة لا يصح التعامل معها باعتبارها حقائق مؤكدة من دون أدلة موثوقة.

ومع ذلك، فإن التساؤل الاستراتيجي الأوسع يظل مشروعاً: هل يمكن لإسرائيل أن تستفيد من أي تدهور في أمن الخليج لتوسيع دورها بوصفها شريكاً أمنياً قادراً على تقديم تقنيات الدفاع الجوي، والمعلومات الاستخباراتية ، وأنظمة الإنذار المبكر؟

الإجابة من منظور المصالح المحتملة هي أن مثل هذه الفرصة قد تكون مغرية لإسرائيل ، إذ إن تعزيز الاعتماد على القدرات الإسرائيلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، يمكن أن يمنحها دوراً أكبر في بنية الأمن الإقليمي. لكن تحويل هذه الإمكانية إلى واقع يتوقف على حسابات الدول الخليجية، ومواقف الولايات المتحدة، والقيود السياسية المرتبطة بالعلاقات العربية الإسرائيلية.

كما أن السعودية ليست بالضرورة مستعدة لقبول أي ترتيبات أمنية لمجرد أنها توفر دعمًا عسكرياً إضافياً. فقرار التعاون مع إسرائيل، إن طُرح ، يتجاوز الاعتبارات الفنية إلى أبعاد سياسية واستراتيجية تتعلق بمكانة المملكة الإقليمية ، وعلاقاتها العربية ، وشروط أي تسوية أوسع للصراع.

أما الولايات المتحدة، فهي تظل لاعباً محورياً في هذه المعادلة، إذ يمكنها دعم القدرات الدفاعية السعودية ، وتنسيق المعلومات الاستخباراتية ، والضغط من أجل ترتيبات إقليمية جديدة. لكن لا ينبغي افتراض أن واشنطن وتل أبيب تتحركان دائماً وفق خطة واحدة متطابقة ، أو أن كل تحرك أمريكي يهدف بالضرورة إلى خدمة أجندة إسرائيلية بعينها.

السعودية.. بين حماية الأمن الوطني والتحول إلى ساحة استنزاف

في قلب هذه الحسابات تقف السعودية، التي تواجه تحدياً يتجاوز مسألة اعتراض هجوم أو حماية منشأة. فالقضية الأساسية هي كيفية حماية الأمن الوطني من دون تحويل المجال الإقليمي إلى ساحة مفتوحة لحرب طويلة تستنزف الموارد، وتزيد المخاطر على البنية التحتية ، وتؤثر في ثقة المستثمرين ، وتضع أهداف التنمية الاقتصادية أمام اختبارات صعبة.

فالأمن لا يتحقق بمجرد زيادة عدد الشركاء العسكريين، ولا بمجرد نشر مزيد من منظومات الدفاع. بل يتطلب استراتيجية متكاملة تجمع بين الردع العسكري، والدبلوماسية، وتأمين المنشآت الحيوية، وتقليل فرص التصعيد غير المحسوب.

وقد تبدو التحالفات العسكرية المتعددة مصدر قوة في المدى القصير، لكنها قد تتحول إلى مصدر تعقيد إذا اختلفت أهداف الدول المشاركة ، أو تضاربت حساباتها بشأن حدود الرد، أو أصبحت المملكة مضطرة إلى التعامل مع مصالح متباينة داخل ساحة واحدة.

فتركيا قد تبحث عن توسيع نفوذها، وباكستان قد تسعى إلى الوفاء بالتزاماتها الدفاعية مع تجنب التصعيد ، والولايات المتحدة قد توازن بين حماية شركائها ومنع اتساع الحرب، بينما تنظر إسرائيل إلى التطورات من زاوية أمنها وموقعها الإقليمي.

هذه المصالح ليست متطابقة بالضرورة، حتى لو التقت مؤقتاً عند هدف احتواء تهديد معين.

ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن في التعاون الدفاعي ذاته، بل في تحوله إلى غطاء لترتيبات لا تتضح أهدافها النهائية، أو في أن تصبح السعودية مطالبة بتحمل التكلفة الأكبر لصراع تتعدد الأطراف المستفيدة منه.

ولا يعني ذلك أن الرياض عاجزة عن إدارة الأزمة ، أو أنها تتحرك من دون حسابات. لكنه يعني أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الدول التي تعلن دعمها ، بل بمدى قدرة هذه الشراكات على خفض التهديدات الفعلية ، ومنع انتقال المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة.

الدبلوماسية مع إيران.. خيار استراتيجي أم تنازل تحت الضغط؟

في هذا السياق ، تبرز أهمية المسار الدبلوماسي ، بما في ذلك إمكانات الوساطة الإيرانية أو أي قنوات اتصال أخرى قادرة على تخفيف التصعيد.

فالتفاوض لا يعني بالضرورة التخلي عن الردع ، كما أن التواصل  مع الخصم لا يساوي قبول شروطه. وقد يكون الجمع بين القدرة الدفاعية والتفاوض السياسي أكثر فاعلية من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بصراع تتداخل فيه أطراف محلية وإقليمية ، وتتعدد فيه مصادر التهديد.

لكن نجاح أي وساطة يتوقف على طبيعة الضمانات التي يمكن تقديمها، ومدى قدرة الأطراف المعنية على تنفيذ تعهداتها، ووجود آليات واضحة للتحقق من وقف الهجمات ومنع تجددها.

كما أن التعامل مع إيران يتطلب التمييز بين الحكومة الإيرانية، والحوثيين بوصفهم فاعلًا يمنياً مسلحاً يمتلك حساباته الخاصة، وبين الأطراف الأخرى التي قد تستفيد من استمرار التوتر. فلا يمكن افتراض أن التفاهم مع طرف واحد سيؤدي تلقائياً إلى إنهاء جميع التهديدات، ما لم تتوافر شروط سياسية وأمنية قابلة للتنفيذ.

والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الرياض ليس: هل التفاوض انتصار أم هزيمة؟ بل: أي مسار يحقق أمنًا أكثر استدامة، ويقلل احتمالات الهجمات، ويحمي الاقتصاد، ويمنع تحول الأزمة إلى حرب إقليمية مفتوحة؟

فإذا كانت الوساطة قادرة على تحقيق هذه الأهداف بضمانات واضحة، فإن تجاهلها لمجرد الاعتبارات السياسية أو الحسابات المرتبطة بصورة القوة قد يكون أكثر تكلفة من اختبار فرصتها الدبلوماسية.

الرهان على واشنطن.. هل يأتي الحسم الأمريكي في الوقت المناسب؟

ومن بين الحسابات التي تستحق التدقيق، الرهان على أن الولايات المتحدة ستتدخل في مرحلة لاحقة بصورة أكثر مباشرة ، وأنها ستتولى حسم المواجهة إذا تفاقمت الأزمة.

غير أن هذا الرهان ينطوي على مخاطر، فالسياسة الأمريكية لا تتحرك دائمًا وفق توقعات الحلفاء، ولا تعني التصريحات الداعمة بالضرورة الاستعداد لخوض حرب مفتوحة. فواشنطن قد تفضل توفير الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية ، وتعزيز الدفاعات الجوية، وممارسة الضغوط الدبلوماسية، بدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة واسعة النطاق.

كما أن توقيت الانتخابات الأمريكية، أو أي استحقاق سياسي داخلي، لا يكفي وحده للتنبؤ بقرار عسكري محدد. فالقرارات المتعلقة بالحروب تتأثر بتقديرات التهديد، وكلفة التدخل، ومواقف المؤسسات الأمريكية، وحسابات الردع، واحتمالات اتساع الصراع.

ولهذا ، فإن التعويل على تدخل أمريكي حاسم في لحظة بعينها قد يخلق فجوة خطيرة بين التوقعات والواقع. فالدعم الأمريكي قد يكون كبيراً ، لكنه لا يضمن بالضرورة أن تتبنى واشنطن جميع الخيارات التي تراها الرياض مناسبة.

والأكثر أهمية أن الاعتماد على قوة خارجية لحسم الأزمة لا ينبغي أن يحل محل بناء استراتيجية سعودية واضحة تحدد الأهداف، وحدود التصعيد، وشروط التسوية، والضمانات المطلوبة لحماية الأمن الوطني.

الخلاصة: من يخرج رابحًا من الأزمة، ومن يدفع الثمن؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط هو أن تتحول الأزمات الأمنية إلى أسواق مفتوحة للمساومة السياسية، فكل طرف يعلن دعمه للاستقرار ، لكنه يسعى في الوقت نفسه إلى توسيع نفوذه، وتعزيز موقعه التفاوضي، والحصول على مكاسب استراتيجية تتجاوز حدود الأزمة المباشرة.

تركيا قد تجد فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي، وباكستان قد تحاول الحفاظ على شراكتها مع السعودية من دون الانزلاق إلى مواجهة مكلفة، والولايات المتحدة ستسعى إلى حماية مصالحها مع ضبط مستوى انخراطها ، بينما قد ترى إسرائيل في أي ترتيبات أمنية جديدة فرصة لتوسيع دورها، إذا سمحت الظروف السياسية بذلك.

لكن هذه الاحتمالات لا تعني أن جميع الأطراف تتحرك وفق مخطط موحد، ولا أن كل ما يجري خلف الكواليس معروف أو مثبت. فالأزمات الكبرى تنتج أحياناً تقاطعات مؤقتة في المصالح، من دون أن تكون هناك غرفة واحدة تدير كل التفاصيل.

أما السعودية، فإن التحدي الحقيقي أمامها هو ألا تسمح بتحول أمنها إلى ورقة تفاوضية في أيدي الآخرين، وألا تجد نفسها تتحمل كلفة مواجهة إقليمية تتعدد أهدافها وتتباين مصالح أطرافها.

إن القوة العسكرية ضرورية لحماية الدول، لكن القوة وحدها لا تصنع تسوية مستدامة. والردع الذي لا تسانده رؤية سياسية واضحة قد يتحول إلى سباق تصعيد لا يعرف أحد أين ينتهي.

لذلك، فإن الحل الأكثر واقعية لا يتمثل في الاختيار بين الدفاع والدبلوماسية، بل في الجمع بينهما: دفاع قادر على حماية المنشآت والمواطنين ، ودبلوماسية قادرة على تقليص مصادر التهديد، وشراكات عسكرية واضحة المهام والحدود، وسياسة إقليمية تمنع استنزاف الموارد في صراعات مفتوحة.

وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يساند السعودية اليوم؟ بل: من سيكون مستعداً لتحمل كلفة المواجهة إذا اتسعت، ومن سيظل بعيداً عن النار بينما يدفع الآخرون ثمنها؟

هنا تحديدًا تتكشف حقيقة التحالفات، فليست العبرة بعدد التصريحات التي تعلن التضامن، وإنما بمدى قدرة هذا التضامن على صناعة أمن حقيقي، لا مجرد إعادة توزيع النفوذ فوق خريطة إقليمية مشتعلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى