مقالات

هل تستعد مصر للتحرك عسكرياً لحماية السعودية؟

بقلم : يوحنا عزمي

لم تعد التطورات المتلاحقة في الشرق الأوسط مجرد حلقات منفصلة من التوتر العسكري أو صراعات تقليدية بين أطراف إقليمية متنافسة، بل باتت تعكس مشهدًا أكثر تعقيداً، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع المصالح الاستراتيجية، وتتحول فيه الحروب إلى أدوات ضغط سياسي لإعادة تشكيل التحالفات وفرض وقائع جديدة على الأرض. وفي خضم هذا المشهد، تبرز السعودية بوصفها إحدى أهم ساحات التنافس على النفوذ، بينما تجد مصر نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية تتعلق بأمن الخليج والبحر الأحمر، وبمستقبل التوازنات العربية في مواجهة محاولات توسيع النفوذ الإسرائيلي داخل المنطقة.

إن أخطر ما يمكن أن تفرزه الأزمات الراهنة ليس بالضرورة اندلاع حرب إقليمية شاملة فحسب، وإنما احتمال استغلال حالة الخوف وعدم الاستقرار لفرض ترتيبات أمنية جديدة، قد تبدأ تحت عنوان الحماية والدفاع المشترك، ثم تتحول تدريجياً إلى علاقات اعتماد استراتيجي تمنح القوى الخارجية قدرة أكبر على التأثير في القرار السيادي للدول المستهدفة.

فالتاريخ السياسي والعسكري يقدم شواهد عديدة على أن الوجود الأجنبي لا يبدأ دائماً باحتلال مباشر أو مواجهة عسكرية معلنة، بل قد ينطلق من اتفاقيات أمنية، أو قواعد عسكرية، أو ترتيبات استخباراتية تُبرر بضرورات مواجهة الأخطار ، قبل أن تتوسع أدوارها وتتشابك مع الحسابات السياسية والاقتصادية للدولة المضيفة.

ومن هذا المنطلق ، فإن أي حديث عن استعداد مصر لتقديم دعم عسكري دفاعي للسعودية، إذا طلبت الرياض ذلك، ينبغي النظر إليه في سياقه الاستراتيجي الأوسع ، لا باعتباره مجرد رد فعل على تهديد عسكري عابر. فالعلاقة بين الأمن المصري وأمن الخليج ليست علاقة تضامن سياسي فحسب، وإنما ترتبط بمعادلات الجغرافيا والاقتصاد وأمن الملاحة البحرية وتوازنات القوة في البحر الأحمر.

وأي تحول جذري في البيئة الأمنية للخليج يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على المصالح المصرية، سواء من خلال اضطراب طرق التجارة والطاقة، أو تصاعد المخاطر المحيطة بالممرات البحرية ، أو نشوء ترتيبات إقليمية جديدة تعيد توزيع النفوذ على حساب الأطراف العربية.

لكن لفهم حقيقة المشهد، يجب التمييز بين الوقائع المؤكدة والتحليلات المتعلقة بالنوايا المحتملة. فالتطورات المتداولة بشأن وجود تحرك مصري وشيك للتدخل العسكري ، أو انعقاد جلسة برلمانية طارئة وسرية لمنح تفويض بهذا الشأن، أو وجود تفاهمات غير معلنة بين القاهرة وطهران والحوثيين ، تظل ادعاءات تحتاج إلى أدلة ومصادر رسمية موثوقة قبل التعامل معها باعتبارها حقائق ثابتة. وينطبق الأمر ذاته على تفسير المواقف الأمريكية والإسرائيلية باعتبارها جزءًا من خطة مكتملة لإجبار السعودية على التطبيع. فهذه فرضية سياسية قابلة للنقاش والتحليل، لكنها لا تصبح حقيقة لمجرد تزامن التصريحات مع التصعيد العسكري.

ومع ذلك، فإن عدم الجزم بوجود خطة محددة لا يعني تجاهل المصالح التي قد تدفع بعض الأطراف إلى استغلال الأزمات لتحقيق مكاسب استراتيجية. فالولايات المتحدة تنظر إلى أمن الخليج من منظور يرتبط بأمن الطاقة وحرية الملاحة وحماية شركائها وموازنة النفوذ الإيراني، بينما تسعى إسرائيل إلى توسيع علاقاتها الإقليمية وتعزيز حضورها الأمني والسياسي، وتطمح إيران إلى الحفاظ على نفوذها وأوراق الضغط التي تمتلكها في عدد من ساحات المنطقة.

أما السعودية ، فتواجه تحدياً مزدوجاً يتمثل في حماية أمنها الوطني والحفاظ على استقلال قرارها الاستراتيجي، من دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تستنزف مواردها وتؤثر في مشروعاتها الاقتصادية والتنموية.

في هذا السياق، تكتسب أي تصريحات أمريكية تتحدث عن استعداد إسرائيل للمساعدة في الدفاع عن السعودية أهمية سياسية كبيرة، إذا ثبتت دقتها وسياقاتها. فمثل هذه الطروحات، إن تحولت إلى مبادرات عملية ، لن تكون مجرد مسألة تعاون عسكري عابر، وإنما قد تفتح الباب أمام إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي، بحيث تصبح إسرائيل طرفاً حاضراً في ترتيبات حماية الخليج، بعد سنوات طويلة كانت فيها طبيعة العلاقة بين الجانبين موضع خلاف وحسابات سياسية شديدة الحساسية.

غير أن السؤال الجوهري هنا ليس ما إذا كان التعاون الأمني ممكناً من الناحية النظرية، بل ما الثمن السياسي والاستراتيجي الذي قد يترتب عليه، وما حدود هذا التعاون، ومن يحدد أولوياته، وإلى أي مدى يمكن فصله عن الملفات السياسية الأخرى ، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومستقبل التطبيع العربي الإسرائيلي.

ففي العلاقات الدولية ، لا تُقاس التحالفات بالشعارات المعلنة وحدها، بل بتوزيع المصالح وموازين الاعتماد المتبادل. وقد تحصل دولة على دعم استخباراتي أو تقني تحتاج إليه في لحظة أزمة، لكنها تجد نفسها لاحقاً أمام التزامات أو ضغوط سياسية مرتبطة باستمرار هذا الدعم. ومع ذلك ، ليس من الدقة اعتبار كل تعاون أمني مدخلًا حتميًا للهيمنة أو الوصاية الأجنبية، فالأمر يتوقف على طبيعة الاتفاقات ، وشروطها ، ومدى خضوعها للرقابة السيادية، وقدرة الدولة المعنية على تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لطرف واحد.

ومن هنا، فإن المخاوف المصرية المحتملة من توسع الدور الإسرائيلي في الخليج والبحر الأحمر لا ينبغي اختزالها في منافسة سياسية تقليدية، بل يجب فهمها في ضوء الموقع الجغرافي لمصر ومكانتها الإقليمية. فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي يفصل بين ضفتين، وإنما يمثل شرياناً استراتيجياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة والاتصال بين المحيط الهندي والبحر المتوسط عبر قناة السويس. وأي تغير في ترتيبات الأمن البحري أو طبيعة الانتشار العسكري في محيطه قد يفرض على القاهرة مراجعة حساباتها المتعلقة بأمن الملاحة، وحماية مصالحها الاقتصادية، والحفاظ على قدرتها على التأثير في التطورات المحيطة بها.

وتزداد أهمية هذه المعادلة عندما نضع في الاعتبار أن أمن البحر الأحمر لا يرتبط بالسعودية وحدها، وإنما يتصل كذلك بمصر ودول القرن الأفريقي واليمن والدول المطلة على خليج عدن. فالتنافس على الموانئ والممرات البحرية والنقاط العسكرية الحيوية أصبح أحد أبرز ملامح الصراع على النفوذ في القرن الحادي والعشرين. ولم تعد السيطرة الاستراتيجية مرادفة لاحتلال الأراضي بالمعنى التقليدي، إذ يمكن تحقيق جانب مهم منها من خلال التمركز العسكري، واتفاقيات استخدام الموانئ ، والشراكات الأمنية، والتحكم في بعض حلقات سلاسل الإمداد والتجارة.

ولهذا، فإن أي فراغ أمني ينشأ نتيجة تصاعد التوترات أو تراجع قدرة الدول العربية على التنسيق المشترك قد يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لتوسيع حضورها. لكن المسؤولية عن هذا الاحتمال لا تقع على القوى الخارجية وحدها ، إذ إن الانقسامات العربية ، وتضارب الأولويات ، وتحول الخلافات السياسية إلى مواجهات مفتوحة ، كلها عوامل تضعف القدرة الجماعية على صياغة نظام أمني إقليمي مستقل.

ومن هذه الزاوية ، يمكن فهم أهمية الدور المصري المحتمل في أي ترتيبات دفاعية تخص السعودية. فالقاهرة تمتلك ثقلًا سياسياً وعسكرياً وتاريخاً طويلًا من العلاقات مع دول الخليج، ويمكنها، إذا توافرت الإرادة السياسية والتنسيق الضروري ، أن تسهم في بناء مقاربة عربية لحماية الأمن الإقليمي، بدلًا من ترك المجال بالكامل أمام ترتيبات تقودها قوى خارج المنطقة. لكن نجاح هذا الدور لا يتحقق بمجرد الإعلان عن الاستعداد للتدخل العسكري، وإنما يتطلب تحديداً دقيقًا للأهداف، وتقديراً واقعياً للمخاطر، وتوافقاً سياسياً واضحاً ، وإطاراً قانونياً ودستورياً منضبطاً.

والأهم من ذلك أن مفهوم الدفاع عن السعودية يجب ألا يتحول إلى مبرر لتوسيع الحرب أو فتح جبهات جديدة. فالمصلحة المصرية لا تقتضي بالضرورة الانخراط المباشر في كل مواجهة إقليمية، كما أن التضامن العربي لا يعني التخلي عن الحسابات الوطنية أو تجاهل كلفة العمليات العسكرية. إن أي تحرك عسكري محتمل ينبغي أن يستند إلى طلب واضح من الدولة المعنية، وتقييم دقيق للتهديد، وتحديد قانوني وسياسي للمهمة، مع إعطاء الأولوية لاحتواء التصعيد وحماية المدنيين ومنع انتقال الصراع إلى دول أخرى.

وهنا تظهر المفارقة الأساسية: قد يكون تعزيز القدرات الدفاعية والتنسيق العربي وسيلة لتقليل فرص الحرب، لكنه قد يتحول، إذا غابت الضوابط السياسية ، إلى عامل إضافي في التصعيد. فكل طرف قد يبرر تحركاته بأنها دفاعية ، بينما يقرأها الطرف المقابل باعتبارها استعداداً للهجوم أو محاولة لتغيير ميزان القوى. وفي بيئة إقليمية تتسم بانعدام الثقة ، يمكن للتحركات العسكرية المتبادلة أن تنتج معضلة أمنية تتصاعد فيها المخاوف، فيسعى كل طرف إلى زيادة قدراته، الأمر الذي يدفع الأطراف الأخرى إلى اتخاذ إجراءات مماثلة ، حتى لو لم يكن أي منها يرغب في حرب شاملة منذ البداية.

أما الولايات المتحدة، فإن أي تعزيز لوجودها العسكري في الشرق الأوسط يجب تقييمه في ضوء أهدافه الفعلية، وليس باعتباره دليلًا قاطعاً على أن قرار الحرب قد اتُّخذ بالفعل. فالحشود العسكرية قد تستخدم للردع، أو حماية القوات والمنشآت، أو دعم عمليات محدودة، أو ممارسة الضغط خلال المفاوضات، وقد تكون في الوقت نفسه استعدادًا لخيارات عسكرية أوسع. ولذلك، فإن دلالتها الحقيقية لا تتضح إلا من خلال طبيعة القوات المنتشرة، ومواقع تمركزها ، والتصريحات الرسمية المصاحبة لها، ومسار الاتصالات الدبلوماسية ، والتطورات الميدانية على الأرض.

وينطبق المنطق نفسه على احتمالات تجدد المواجهة بين إسرائيل وإيران. فالتوتر بين الطرفين لا يمكن فصله عن الصراع على النفوذ الإقليمي، والملفات النووية والصاروخية ، وشبكات الحلفاء المسلحين، وحسابات الردع المتبادل. وإذا عادت المواجهة المباشرة، فإن تداعياتها قد تتجاوز حدود البلدين لتطال أمن الخليج والمنشآت الحيوية وحركة الطيران والملاحة وأسواق الطاقة. ومع ذلك، فإن الحديث عن اجتياح بري لدول خليجية أو تحريك فصائل من العراق واليمن لتنفيذ عمليات محددة يظل سيناريو شديد الخطورة لا يجوز تقديمه بوصفه أمرًا محسومًا من دون أدلة موثوقة.

إن أخطر ما في مثل هذه السيناريوهات هو احتمال انتقال الصراع من مرحلة الضربات المحسوبة والرسائل العسكرية إلى مرحلة يصعب فيها ضبط ردود الأفعال. فقد يؤدي استهداف منشأة استراتيجية أو سقوط عدد كبير من الضحايا إلى فرض رد عسكري يتجاوز ما كان مخططًا له، ثم تأتي ضربة مضادة لتدفع الطرف الآخر إلى توسيع نطاق المواجهة. وفي مثل هذه البيئة، لا تعود القرارات محكومة بالحسابات الاستراتيجية وحدها، بل تتداخل معها الضغوط الداخلية، والرغبة في استعادة الردع، والخوف من الظهور بمظهر الطرف المتراجع.

أما السعودية، فإن وضعها في قلب هذه التوازنات يجعل الحفاظ على استقلال قرارها السياسي والعسكري مسألة بالغة الأهمية. فهي لا تحتاج فقط إلى قدرات دفاعية متطورة، بل تحتاج كذلك إلى شبكة علاقات متوازنة تسمح لها بالتعامل مع التهديدات من دون الوقوع في تبعية استراتيجية لطرف واحد. ويمكن للتعاون مع الولايات المتحدة أو غيرها أن يوفر قدرات دفاعية واستخباراتية مهمة، لكن المصلحة السعودية تقتضي أن تظل أي شراكات خاضعة لتقدير الرياض لأولوياتها الوطنية، لا أن تتحول إلى التزامات تفرض عليها الدخول في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة.

ومن الخطأ، في المقابل، افتراض أن السعودية ستقبل بالضرورة بأي صيغة تعاون تُعرض عليها تحت ضغط التهديدات. فالدول ليست مجرد ساحات تتحرك فوقها القوى الكبرى، بل تمتلك مؤسساتها وحساباتها وخياراتها وقدرتها على المناورة. وقد تسعى الرياض إلى تنويع مصادر الدعم ، أو تعزيز التنسيق مع الدول العربية، أو فتح قنوات تفاوض مع خصومها، أو الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية. وتظل قدرة المملكة على إدارة هذه الخيارات أحد العوامل الحاسمة في تحديد شكل النظام الأمني الخليجي خلال السنوات المقبلة.

وهنا تحديدًا تتجلى أهمية التنسيق المصري السعودي. فبدلًا من النظر إلى العلاقة بين القاهرة والرياض باعتبارها مجرد تعاون ثنائي في مواجهة خطر آني، يمكن تحويلها إلى أساس لمقاربة عربية أوسع تقوم على حماية الممرات البحرية، وتبادل المعلومات، ورفع كفاءة الدفاع الجوي، وتأمين المنشآت الحيوية، وتنسيق المواقف الدبلوماسية، ومنع استخدام أراضي المنطقة لإشعال مواجهات جديدة. ومثل هذا التنسيق لا يستهدف إقصاء دولة بعينها بقدر ما يستهدف تقليل الاعتماد على حلول خارجية منفردة، وتعزيز قدرة الدول العربية على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة.

لكن بناء هذه المقاربة يتطلب أكثر من البيانات السياسية والتصريحات الحماسية. فهو يحتاج إلى مؤسسات تنسيق فعالة، وأهداف قابلة للتنفيذ، وتفاهمات واضحة بشأن طبيعة التهديدات، وآليات لإدارة الخلافات، وقنوات اتصال تمنع سوء التقدير. كما يحتاج إلى إدراك أن الأمن الإقليمي لا يمكن بناؤه بالقوة وحدها، فالتوترات الممتدة في اليمن، على سبيل المثال، لن تُحل بمجرد توسيع نطاق العمليات العسكرية ، كما أن تجاهل جذور الصراع ومصالح الأطراف المحلية قد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب ورفع تكلفتها على جميع المشاركين.

لقد أثبتت تجارب المنطقة أن الحروب التي تبدأ تحت شعار تحقيق الأمن قد تنتج ، في بعض الحالات ، بيئات أكثر هشاشة ، وتفتح المجال أمام جماعات مسلحة وقوى خارجية جديدة، وتستنزف الموارد التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية. ولذلك، فإن أي مقاربة مسؤولة تجاه الأزمة اليمنية يجب أن تجمع بين حماية المنشآت والمدن السعودية من الهجمات، وبين العمل على تسوية سياسية قابلة للاستمرار، ومعالجة مصادر التهديد، ووقف التصعيد الذي يدفع المدنيين إلى تحمل التكلفة الأكبر.

وإذا كانت هناك بالفعل مخاوف من استغلال الأزمة لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، فإن أفضل رد عليها ليس بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما بناء بديل سياسي وأمني قادر على معالجة المخاوف التي تجعل الدول تبحث عن الحماية الخارجية.

فحين تكون هناك منظومة عربية موثوقة للدفاع والتنسيق وتسوية النزاعات، تقل فرص تحول الأزمات إلى مداخل لفرض ترتيبات غير متوازنة. أما عندما يغيب التنسيق وتتصاعد الخصومات، فإن كل دولة تصبح أكثر ميلًا إلى البحث عن ضمانات منفردة، حتى لو كانت هذه الضمانات تحمل في طياتها مخاطر استراتيجية بعيدة المدى.

وفي تقديري، فإن جوهر الأزمة الراهنة لا يكمن فقط في احتمال التدخل المصري أو في طبيعة الدور الأمريكي والإسرائيلي، وإنما في السؤال الأكبر المتعلق بمستقبل القرار العربي في منطقة أصبحت شديدة التشابك. هل ستنجح الدول العربية في تحويل المخاطر المشتركة إلى حافز لبناء منظومة أمن إقليمي مستقلة نسبياً ، أم ستدفعها الخلافات إلى الاعتماد المتزايد على القوى الخارجية، بحيث يصبح كل تصعيد جديد فرصة لإعادة توزيع النفوذ على حساب قدرتها على تقرير مصيرها؟

إن مصر، بحكم موقعها وثقلها وعلاقاتها الخليجية، معنية مباشرة بهذا السؤال. لكنها تحتاج إلى موازنة دقيقة بين حماية مصالحها الاستراتيجية وتجنب الانجرار إلى حرب مفتوحة، وبين دعم السعودية والحفاظ على فرص التسوية السياسية، وبين تعزيز الردع العسكري ومنع تحوله إلى سباق تسلح لا نهاية له. فالقوة ليست في القدرة على الدخول إلى الحرب فحسب، بل في القدرة على تحديد متى يكون التدخل ضروريًا، ومتى تصبح الدبلوماسية أكثر فاعلية، وكيف يمكن تحقيق الأهداف الأمنية بأقل تكلفة بشرية واقتصادية ممكنة.

ولا ينبغي إغفال أن أي مواجهة واسعة في الخليج أو البحر الأحمر لن تبقى محصورة في نطاقها العسكري ، إذ ستنعكس على أسعار الطاقة، وتكاليف النقل والتأمين، وسلاسل الإمداد، والاستثمارات، والاقتصادات العربية التي لا تزال تواجه تحديات تنموية كبيرة. كما أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر ستكون له تداعيات محتملة على قناة السويس وحركة التجارة الدولية، وهو ما يجعل منع التصعيد مصلحة مصرية مباشرة، لا مجرد موقف دبلوماسي أو تعبير عن التضامن مع دولة شقيقة.

وفي النهاية، فإن المنطقة تقف أمام لحظة شديدة الحساسية، لكن التعامل معها يتطلب عقلًا استراتيجيًا هادئاً ، لا الاستسلام لسيناريوهات الرعب أو التعامل مع كل تسريب باعتباره دليلًا نهائياً على وجود مخطط مكتمل. فهناك بالفعل صراعات على النفوذ، ومصالح متعارضة، ومحاولات محتملة لاستثمار الأزمات، لكن فهم هذه التحديات يستلزم التمييز بين ما ثبت وقوعه وما لا يزال في دائرة التقدير والاحتمال.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث للعرب ليس فقط أن تتدخل قوة خارجية في أزمة إقليمية، بل أن يصبح غياب التوافق العربي هو العامل الذي يمنحها الفرصة لتوسيع دورها. فالأمن لا يتحقق بالشعارات، والسيادة لا تُصان بالاندفاع، والتحالفات لا تصبح مفيدة لمجرد أنها تحمل عنوان الدفاع. إنما تُصان المصالح الوطنية بوضوح الرؤية، وتماسك المؤسسات، واستقلال القرار، والقدرة على الجمع بين الردع والدبلوماسية.

وإذا كان هناك درس ينبغي استخلاصه من تعقيدات المشهد الراهن، فهو أن الحروب بين دول المنطقة لا تنتج منتصرين حقيقيين بقدر ما تخلق فراغات استراتيجية يسارع الآخرون إلى استغلالها. وما تحتاج إليه المنطقة اليوم ليس حرباً جديدة تضاف إلى سجل صراعاتها، بل إرادة سياسية تمنع تحول الخلافات إلى مواجهات مفتوحة، وتعيد الاعتبار للحلول التفاوضية، وتؤسس لتعاون عربي يحمي المصالح المشتركة من دون أن يرهن القرار الوطني لأي قوة خارجية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى