الأزهر الشريف ونداء إنقاذ الأمة.. هل تنتصر الحكمة على صراعات الأشقاء؟

بقلم : يوحنا عزمي
في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب ، تتداخل فيها الحسابات السياسية مع الصراعات العسكرية، وتُستنزف فيها مقدرات الدول والشعوب في مواجهات مفتوحة على احتمالات خطيرة ، يبرز السؤال الأهم: هل تستطيع الأمة العربية والإسلامية أن تستعيد لغة الحوار قبل أن تدفع ثمناً أكبر من دماء أبنائها وثرواتها واستقرار دولها؟ وهل لا يزال هناك مجال لتغليب منطق العقل والحكمة على منطق القوة والسلاح، خصوصاً حين يصبح الاقتتال بين أبناء الأمة الواحدة مصدراً إضافياً للضعف والاضطراب؟
من هنا تكتسب الدعوة المنسوبة إلى فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لوقف الحروب والاقتتال بين أبناء الأمة، وتشكيل لجنة وساطة تضم حكماء وعقلاء من الدول العربية والإسلامية، أهمية تتجاوز حدود النداء الديني التقليدي، فهي تطرح أمام الحكومات والنخب السياسية سؤالًا استراتيجياً بالغ الأهمية : لماذا تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات تستنزف الدول، بينما تظل الوساطة والتفاوض والتسويات الممكنة أقل حضوراً من لغة المواجهة؟
إن الأزهر الشريف، بما يمثله من مكانة دينية وعلمية ممتدة في العالم الإسلامي ، يستطيع أن يؤدي دوراً مهماً في تهيئة المناخ للحوار ، وتذكير الأطراف المتنازعة بأن الاختلاف في المصالح والمواقف لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى عداوة دائمة أو صراع مفتوح. غير أن قيمة أي مبادرة من هذا النوع لا تتوقف على مكانة الجهة التي تطلقها وحدها ، بل تتوقف أيضاً على مدى إستعداد الأطراف المعنية للاستماع إليها ، والاستجابة لمضمونها ، وتحويل المبادئ الأخلاقية إلى خطوات سياسية وعملية قابلة للتنفيذ.
لقد جاء الإسلام بتوجيه واضح نحو الإصلاح بين المتخاصمين، فقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: “وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهُما”. وهذه الآية لا تقتصر دلالتها على الدعوة إلى إنهاء القتال ، بل تؤسس لمسؤولية جماعية تجاه منع اتساع النزاعات ، والعمل على إعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي، والتعامل مع الخلافات باعتبارها أزمات ينبغي احتواؤها، لا فرصاً لتوسيع دائرة العنف والانتقام.
كما أن الحديث النبوي الشريف: “إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار”، يحمل تحذيراً بالغاً من خطورة الاقتتال بين المسلمين ، وما يترتب عليه من إزهاق للأرواح وإهدار لحرمة الدماء. واستحضار هذه النصوص في لحظة الصراع ليس مجرد استدعاء للخطاب الديني، وإنما هو تذكير بأن وراء كل قرار بالحرب بشراً لهم أسر وأحلام ومستقبل ، وأن الخسائر لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو حجم الدمار ، بل تمتد إلى تفكك المجتمعات ، وتراجع فرص التنمية ، وتوارث الكراهية بين الأجيال.
لكن القراءة السياسية العميقة تقتضي ألا نتعامل مع النزاعات الجارية باعتبارها مجرد خلافات يمكن إنهاؤها بموعظة أو نداء أخوي. فالصراعات الإقليمية غالبًا ما تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي ، وتضارب المصالح الاقتصادية ، والمنافسة على النفوذ، والحسابات العسكرية، والتحالفات الدولية. وقد تكون لبعض الأطراف مخاوف حقيقية تتعلق بأمنها وسيادتها ، فيما تتمسك أطراف أخرى بمطالب سياسية أو استراتيجية متعارضة. ولهذا فإن وقف الاقتتال بصورة مستدامة يحتاج إلى أكثر من إعلان النوايا الحسنة، إنه يحتاج إلى معالجة جذور النزاع ، وتحديد الضمانات المتبادلة ، ووضع آليات تمنع تجدد المواجهات بعد توقفها.
ومن هنا تظهر أهمية فكرة تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية، إذا ما تحولت إلى مبادرة مؤسسية تحظى بقبول الأطراف المعنية. فالمطلوب ليس لجنة رمزية تصدر البيانات ثم تنتهي مهمتها، وإنما إطار جاد للحوار ، يضم شخصيات تتمتع بالخبرة والقبول والقدرة على التواصل مع أطراف النزاع، ويعمل وفق جدول واضح وأهداف محددة، تبدأ بوقف التصعيد، ثم فتح قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة ، وبناء إجراءات للثقة ، وصولًا إلى تسويات تراعي سيادة الدول ومصالح شعوبها وحقوق المدنيين.
ويجب أن تستند أي وساطة ناجحة إلى مبدأ أساسي، وهو أن المصالحة لا تعني تجاهل أسباب الخلاف أو مطالبة أحد الأطراف بالتنازل عن حقوقه دون ضمانات، كما أن وقف إطلاق النار لا ينبغي أن يكون مجرد هدنة مؤقتة يستغلها المتصارعون لإعادة ترتيب صفوفهم استعداداً لجولة جديدة. فالسلام الحقيقي يحتاج إلى اتفاقات واضحة، والتزامات قابلة للتحقق، وآليات لمراقبة التنفيذ، واستعداد سياسي لتحمل كلفة التسوية بدلًا من الاستمرار في دفع كلفة الحرب.
ومن المهم كذلك التمييز بين الدعوة إلى الوحدة وبين إلغاء الاختلافات بين الدول. فالوحدة العربية والإسلامية لا تعني أن تتطابق السياسات أو تتوحد الحسابات الاستراتيجية بصورة كاملة، فهذا أمر غير واقعي في عالم تحكمه المصالح الوطنية وتعدد مراكز القوة. لكنها تعني أن تكون هناك حدود لا تتجاوزها الخلافات، وأن تظل قنوات التواصل مفتوحة، وأن يُقدم الحل السياسي متى كان ممكناً ، وألا تتحول التباينات إلى صراعات تهدم ما تبقى من الثقة والتعاون بين الشعوب والدول.
إن أخطر ما يمكن أن تفضي إليه الحروب المتكررة بين دول المنطقة وقواها هو استنزاف قدرتها على مواجهة التحديات الحقيقية التي تتطلب تعاوناً إقليمياً ، من أمن المياه والغذاء والطاقة إلى التنمية ومكافحة الفقر وحماية الممرات البحرية وضمان استقرار الحدود.
فحين تُوجه الموارد إلى التسلح والمواجهات، تتراجع المساحات المتاحة للاستثمار في الإنسان والتعليم والصحة والبنية الأساسية، وتصبح المجتمعات أكثر تعرضاً للاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية. كما أن استمرار النزاعات يفتح المجال أمام قوى خارجية لتوسيع نفوذها، سواء عبر الدعم العسكري أو التحالفات السياسية أو المصالح الاقتصادية، وهو ما قد يزيد تعقيد الأزمات ويجعل تسويتها أكثر صعوبة.
ومع ذلك، فإن القول إن جميع هذه الحروب تُدار بالضرورة لحساب طرف خارجي واحد يتجاهل تعقيدات الواقع ، فلكل نزاع أسبابه الداخلية، وأطرافه المباشرة ، وحساباته الخاصة. لكن الحقيقة الاستراتيجية التي تستحق التأمل هي أن إطالة أمد الصراعات تمنح أطرافاً خارجية فرصًا للتأثير في مساراتها، وقد تجعل الدول المنهكة أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي وأقل قدرة على اتخاذ قرارات مستقلة. ولذلك فإن حماية المصالح الوطنية لا تتحقق فقط بامتلاك القوة العسكرية ، بل أيضاً بمنع استنزافها في مواجهات يمكن احتواؤها بالتفاوض والوساطة والضمانات السياسية.
وبالنسبة إلى مصر، فإن استقرار العالم العربي والشرق الأوسط ليس مسألة عاطفية أو مجرد تعبير عن روابط تاريخية وثقافية، بل هو جزء من حسابات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية. فالتوترات الإقليمية قد تنعكس على أمن البحر الأحمر والممرات البحرية، وحركة التجارة، وأسواق الطاقة، والاستقرار الاقتصادي، فضلًا عن التداعيات المحتملة لأي صراع واسع على الحدود والمناطق المحيطة بمصر. ومن ثم ، فإن دعم المبادرات الجادة لاحتواء النزاعات، والحفاظ على قنوات الحوار بين الدول، يمثل مصلحة عملية تتصل مباشرة بأمن مصر واستقرارها.
ولا يعني ذلك أن التضامن بين الدول يجب أن يكون على حساب تقييم السياسات أو تجاهل الخلافات السابقة. فالعلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف وحدها ، بل بالمصالح والالتزامات والضمانات المتبادلة. لكن الحكمة تقتضي الفصل بين الخلاف السياسي الذي يمكن التعامل معه عبر أدوات الدبلوماسية، وبين الانهيار الشامل الذي قد يترتب على اتساع الحروب وتفكك الدول. فإضعاف دولة عربية أو إسلامية لا يبقى أثره محصوراً داخل حدودها بالضرورة، وإنما قد تنتقل تداعياته إلى محيطها الإقليمي ، وتتحول أزمته الداخلية إلى مصدر تهديد لأمن دول أخرى.
ومن هذا المنطلق، فإن نداء الأزهر، إذا تأكد نصه الرسمي ومضت الجهات المعنية في تحويله إلى تحرك عملي، يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لحوار أوسع حول مسؤولية المؤسسات الدينية والفكرية في دعم السلام، ومسؤولية الحكومات في منع تحول الخلافات إلى حروب، ومسؤولية النخب الإعلامية والسياسية في خفض خطاب التحريض وتقديم الحقائق للجمهور بعيداً عن الشائعات والتعبئة العاطفية. فالكلمة قد تفتح باباً للتفاهم، كما قد تسهم في تأجيج الخصومة، والإعلام المسؤول يستطيع أن يوضح تعقيدات النزاع بدلًا من اختزاله في شعارات تتجاهل الحقائق والمخاطر.
ولا بد هنا من التأكيد أن الأزهر ، مهما بلغت مكانته، لا يستطيع وحده فرض التسوية على أطراف لا تريدها، كما أن الدعوة إلى وقف الحرب لا تكفي ما لم تجد إرادة سياسية تستجيب لها. فنجاح الوساطة يتطلب قبولًا من الأطراف المتنازعة ، ووضوحاً في أهدافها، وضمانات تمنع استغلال حسن النوايا، واستعداداً للتراجع عن الحسابات قصيرة الأجل عندما تصبح كلفتها أكبر من أي مكسب محتمل. كما أن العدالة وحماية المدنيين واحترام سيادة الدول يجب أن تظل عناصر أساسية في أي تسوية ، حتى لا يتحول السلام إلى مجرد توقف مؤقت للعنف من دون معالجة أسبابه.
لقد دفعت شعوب المنطقة أثماناً باهظة من الحروب والانقسامات، وأصبحت الحاجة إلى مراجعة حسابات الصراع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فلا يمكن بناء نهضة مستدامة في بيئة تتكرر فيها المواجهات ، ولا يمكن حماية ثروات الشعوب إذا ظلت تتحول إلى وقود للصراعات ، ولا يمكن الحديث عن مستقبل الأجيال المقبلة بينما تُستنزف فرصها في حروب تترك وراءها الدمار والنزوح والخوف والعداء المتوارث.
إن السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت الدعوة إلى الصلح نبيلة في مضمونها ، بل ما إذا كانت الحكومات والقوى المتصارعة مستعدة لتحويلها إلى قرارات وإجراءات ملموسة. وهل يمكن أن تتقدم الحكمة خطوة على حسابات التصعيد؟ وهل تستطيع الدول العربية والإسلامية بناء آلية دائمة للوساطة تمنع الأزمات من الوصول إلى نقطة الانفجار؟ وهل يصبح احترام الدماء والمصالح المشتركة أساساً لإدارة الخلاف ، بدلًا من أن يكون مجرد أمنية تُستحضر بعد وقوع الكارثة؟
إن الأمل في السلام ليس ضعفاً، كما أن اللجوء إلى التفاوض ليس تنازلًا تلقائياً عن الحقوق. بل قد يكون ضبط النفس، حين تتوافر له الضمانات والقدرة على حماية المصالح ، تعبيراً عن إدراك عميق لكلفة الحرب وحدود القوة. فالدول القوية ليست تلك التي تدخل كل مواجهة متاحة فحسب ، وإنما تلك التي تعرف متى تستخدم قوتها ، ومتى تمنح الدبلوماسية فرصة، وكيف تمنع خلافاتها من التحول إلى خسائر استراتيجية طويلة الأمد.
وفي النهاية، تبقى دماء الأبرياء أغلى من الحسابات الضيقة، وتظل حماية الأوطان وصون مقدرات الشعوب هدفاً لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات ، بل بقرارات مسؤولة وشجاعة سياسية قادرة على وقف النزيف وفتح أبواب التسوية. وإذا وجدت دعوة الأزهر آذاناً صاغية وإرادة حقيقية لدى الأطراف المعنية ، فقد تسهم في إعادة الاعتبار إلى لغة الحوار ، وتمنح شعوب المنطقة فرصة جديدة للخروج من دوامة الصراع.
فهل تستجيب العواصم العربية والإسلامية لنداء العقل والحكمة؟ وهل تتحول الوساطة المقترحة إلى مسار جاد ينهي الحروب ويمنع تجددها؟ الإجابة لن تحدد مصير مبادرة بعينها فحسب، بل ستكشف أيضاً عن قدرة دول المنطقة على إدارة خلافاتها بوعي، وحماية مصالحها المشتركة ، وصناعة مستقبل لا تكون فيه دماء أبنائها هي الثمن الدائم لصراعات السياسة والنفوذ.
فما زال طريق الصلح ممكناً ، وما زالت أمام العقلاء فرصة للعمل من أجل السلام ، لكن الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، والقرار في النهاية يقع على عاتق من يملكون القدرة على وقف القتال واختيار طريق التسوية.
فهل ينتصر صوت الحكمة قبل أن تدفع الأمة ثمناً جديداً من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها؟



