ليبيا وتركيا ومصر.. هل تعيد المصالح البحرية رسم التحالفات في شرق المتوسط؟

بقلم : يوحنا عزمي
لماذا وافق مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع تركيا ، رغم الخلافات السياسية والعسكرية التي حكمت العلاقة بين أنقرة ومعسكر المشير خليفة حفتر لسنوات؟ وهل تعكس هذه الخطوة تحولًا في حسابات شرق ليبيا الاستراتيجية، أم أنها محاولة لإعادة ترتيب الأوراق في منطقة تتشابك فيها المصالح المصرية والتركية واليونانية والقبرصية؟
هذه الأسئلة تفرض نفسها بقوة عند قراءة التطورات المتعلقة بمذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية برئاسة فايز السراج عام 2019، والتي أثارت منذ الإعلان عنها اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، وأصبحت واحدة من أبرز نقاط الخلاف حول مستقبل ترسيم الحدود البحرية وتوزيع مناطق النفوذ في شرق البحر المتوسط.
أولًا: اتفاقية 2019.. من الخلاف السياسي إلى اختبار المصالح الاستراتيجية
لم تكن مذكرة التفاهم البحرية بين تركيا وحكومة فايز السراج مجرد اتفاق فني لتحديد الحدود البحرية، بل جاءت في سياق صراع إقليمي أوسع، تسعى فيه الأطراف المختلفة إلى تثبيت مواقعها القانونية والسياسية في البحر المتوسط، والاستفادة من الموارد الطبيعية المحتملة، وتعزيز نفوذها في ملفات الطاقة والممرات البحرية.
وقد اعترضت مصر على الاتفاقية منذ توقيعها، معتبرة أنها تتجاهل مصالحها وحقوقها البحرية ، وتتعارض مع التصورات المصرية لترسيم الحدود في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري. كما أثارت المذكرة اعتراضات يونانية وقبرصية ، بالنظر إلى الخلافات القائمة بشأن الجزر اليونانية، وامتداد المناطق البحرية، وتداخل المطالبات المتعلقة بالجرف القاري والموارد الطبيعية.
وتكمن حساسية الاتفاقية في أن تركيا وليبيا تتقابلان، وفق التصور الذي تبنته المذكرة، عبر نطاق بحري يتجاهل في نظر المعترضين بعض الحقوق والمطالبات البحرية لدول أخرى في المنطقة، وفي مقدمتها اليونان ومصر وقبرص.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بخطوط تُرسم على الخرائط فحسب، بل بمسألة استراتيجية ترتبط بحقوق الدول الساحلية، ومصالحها الاقتصادية، وقدرتها على استثمار مواردها البحرية، فضلًا عن التوازنات السياسية والعسكرية التي تحكم شرق المتوسط.
ثانياً: لماذا تكتسب موافقة شرق ليبيا أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر؟
إذا تأكدت موافقة مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على الاتفاقية، فإن أهمية الخطوة لا تكمن في مضمونها القانوني والبحري وحده، بل في دلالاتها السياسية أيضاً.
فالمجلس يمثل مؤسسة رئيسية في المعسكر السياسي الذي ارتبط لسنوات بعلاقات وثيقة مع القاهرة، في وقت كانت فيه تركيا داعمًا أساسيًا للمعسكر المقابل في غرب ليبيا. ولذلك فإن أي تقارب بين مؤسسات شرق ليبيا وأنقرة يطرح تساؤلات بشأن طبيعة التحولات التي تشهدها الحسابات الليبية، ومدى قدرة المصالح الاقتصادية والسياسية على تجاوز الخصومات السابقة.
لكن من الضروري التمييز بين التقارب السياسي أو التفاوضي وبين التخلي عن الحلفاء. فموافقة مؤسسة ليبية على اتفاق أو انفتاحها على دولة إقليمية لا تثبت وحدها أن خليفة حفتر قد تخلى عن مصر، كما لا تكفي لإثبات وجود صفقة سرية أو تفاهمات تتعارض مع المصالح المصرية.
والأدق أن هذه الخطوة، إذا ثبتت تفاصيلها وصيغتها النهائية، تستحق القراءة باعتبارها مؤشراً محتملًا على إعادة توزيع أوراق التفاوض داخل ليبيا، وعلى رغبة بعض الأطراف في تنويع علاقاتها الخارجية وعدم حصر خياراتها في محور إقليمي واحد.
وفي السياسة، لا تتحرك الأطراف بالضرورة وفق منطق الصداقة والخصومة الدائمة، بل وفق حسابات المصالح والأمن والنفوذ. وقد تتقاطع المصالح في ملف معين، بينما يستمر التنافس في ملفات أخرى.
ثالثاً: الموقف المصري.. حماية الحقوق البحرية ومنع فرض الأمر الواقع
تتعامل القاهرة مع ملف شرق المتوسط باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. فالحدود البحرية لا تحدد فقط نطاق السيادة والحقوق الاقتصادية، بل تؤثر أيضًا في فرص استكشاف الغاز الطبيعي ، واستغلال الموارد البحرية، وترتيبات التعاون الإقليمي في مجال الطاقة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتراض المصري على مذكرة التفاهم التركية الليبية يرتبط برفض أي ترتيبات ترى القاهرة أنها تنتقص من حقوقها البحرية أو تتجاهل مصالحها المشروعة وفق قواعد القانون الدولي.
وفي حال اتجاه مصر إلى مراجعة ترتيباتها البحرية مع اليونان أو بحث تعديلات إضافية عليها، فإن مثل هذه الخطوة ينبغي فهمها في إطار إعادة تقييم المصالح والخيارات القانونية المتاحة، وليس باعتبارها مجرد رسالة سياسية إلى أنقرة. فترسيم الحدود البحرية عملية تستند إلى اعتبارات جغرافية وقانونية وفنية، ولا يمكن فصلها عن حقوق الأطراف الأخرى أو عن الالتزامات الدولية ذات الصلة.
كما أن احتفاظ مصر بحقها في الاعتراض على الإجراءات التي تراها مخالفة لحقوقها البحرية يظل جزءًا من أدواتها الدبلوماسية والقانونية. ويمكن أن تشمل هذه الأدوات المذكرات الرسمية، والتفاوض، واللجوء إلى آليات التسوية السلمية للمنازعات، إلى جانب بناء التفاهمات مع الدول التي تتقاطع مصالحها مع القاهرة في هذا الملف.
والهدف الاستراتيجي هنا ليس الدخول في مواجهة مفتوحة مع تركيا لمجرد المواجهة ، بل منع تكريس أي واقع بحري قد يضر بالمصالح المصرية، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام الحلول القانونية والسياسية.
رابعاً: هل الاتفاقية مخالفة للقانون الدولي بصورة مطلقة؟
هذا السؤال يحتاج إلى قدر من الدقة، لأن الخلافات البحرية لا تُحسم بالشعارات السياسية ، بل بالنصوص القانونية والخرائط والإحداثيات والظروف الجغرافية لكل حالة.
تحدد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الإطار القانوني للمنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، كما تنظم قواعد تعيين الحدود البحرية بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة. وفي حالات تداخل المطالبات، يظل الوصول إلى حل منصف أحد المبادئ المحورية التي تستند إليها المفاوضات والاجتهادات القضائية الدولية.
لكن توصيف مذكرة التفاهم التركية الليبية بأنها باطلة بطلاناً مطلقًا، أو معدومة الأثر القانوني في جميع الأحوال، يحتاج إلى تحديد الأساس القانوني الذي يستند إليه هذا التوصيف، والتمييز بين الاعتراض السياسي والقانوني لدولة ما وبين صدور حكم قضائي دولي يفصل في النزاع.
كذلك، فإن تركيا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو عامل يجب أخذه في الاعتبار عند مناقشة الإطار القانوني الذي تحتج به الأطراف، من دون أن يعني ذلك إعفاءها تلقائيًا من قواعد القانون الدولي العرفي المنطبقة عليها.
ومن ثم، فإن التقييم القانوني الدقيق يستلزم فحص نص المذكرة وإحداثياتها، وطبيعة السواحل والجزر ذات الصلة، والمطالبات البحرية المتداخلة، والقواعد القانونية المنطبقة على كل طرف. أما اختزال المسألة في حكم قاطع من دون هذا الفحص، فقد يحول النقاش من تحليل قانوني إلى مجرد سجال سياسي.
خامساً: تركيا وإعادة بناء النفوذ داخل ليبيا
من منظور استراتيجي، لا يمكن فصل التحركات التركية في شرق المتوسط عن سياستها الأوسع تجاه ليبيا. فليبيا تمثل بالنسبة إلى أنقرة ساحة ذات أهمية جيوسياسية واقتصادية، بالنظر إلى موقعها على الساحل الجنوبي للمتوسط، وملفات الطاقة والإعمار والتعاون الأمني، فضلًا عن ارتباطها بالمنافسة على النفوذ الإقليمي.
وإذا اتسع نطاق الانفتاح بين تركيا ومؤسسات شرق ليبيا، فقد يمنح ذلك أنقرة فرصة لتعزيز حضورها السياسي داخل طرفي الانقسام الليبي، بدلًا من الاعتماد على علاقاتها السابقة مع معسكر غرب البلاد وحده.
كما قد يمنح الأطراف الليبية مساحة أوسع للمناورة والتفاوض مع القوى الخارجية، في محاولة للحصول على مكاسب سياسية أو اقتصادية أو أمنية.
غير أن هذه القراءة تظل تحليلًا لاحتمالات التقارب، وليست دليلًا بذاتها على وجود تحالف استراتيجي مكتمل أو اتفاقات سرية. فإثبات طبيعة هذا التحول يتطلب الاطلاع على نصوص القرارات، والتصريحات الرسمية، وأي تفاهمات معلنة أو موثقة بين الأطراف المعنية.
والأهم أن التقارب التركي مع شرق ليبيا، إذا استمر، قد يضع العلاقات المصرية الليبية أمام اختبار جديد: كيف تحافظ القاهرة على مصالحها الاستراتيجية في ليبيا، في ظل سعي الأطراف الليبية إلى توسيع خياراتها الإقليمية؟
سادساً: أين تقف اليونان وقبرص من هذا الصراع؟
تتقاطع مصالح مصر واليونان وقبرص في عدد من الملفات المتعلقة بالطاقة والتعاون البحري، لكن هذا التقاطع لا يعني بالضرورة تطابق جميع المواقف القانونية والسياسية بين الدول الثلاث.
فاليونان تعترض على جوانب أساسية من التصور التركي لترسيم الحدود البحرية ، ولا سيما ما يتعلق بتأثير الجزر اليونانية في تحديد المناطق البحرية. أما قبرص ، فتتمسك بحقوقها البحرية وترفض الترتيبات التي ترى أنها تنتقص من حقوق جمهورية قبرص المعترف بها دولياً.
وتنبع أهمية التعاون المصري اليوناني القبرصي من قدرته على تنسيق المواقف الدبلوماسية، وتبادل الخبرات القانونية والفنية، وتعزيز التعاون في مجال الطاقة، مع ضرورة أن يستند أي تحرك مشترك إلى القواعد القانونية والاتفاقات ذات الصلة.
لكن لا ينبغي التعامل مع هذا التعاون باعتباره جبهة موحدة في كل التفاصيل، فلكل دولة مصالحها وحساباتها الخاصة، وقد تتفق الدول الثلاث في مواجهة اعتراض معين، بينما تختلف أولوياتها في ملفات أخرى.
وفي المقابل، فإن الاتحاد الأوروبي سبق أن عبّر عن اعتراضات على مذكرة التفاهم التركية الليبية، في سياق موقفه من آثارها على الحقوق البحرية لدول أعضاء فيه. ومع ذلك، فإن الموقف الأوروبي لا يُغني عن التحليل القانوني المستقل، ولا يحسم وحده جميع المسائل المتعلقة بصحة الترسيم أو آثاره على الدول الأخرى.
سابعاً: إسرائيل والإمارات.. هل توجد صلة مباشرة بملف الاتفاقية؟
هنا يجب التمييز بوضوح بين الوقائع المثبتة والاستنتاجات السياسية.
إن الحديث عن وجود تنسيق بين إسرائيل والإمارات وبعض الأطراف الليبية، أو عن اجتماع جمع مسؤولين من هذه الأطراف لمناقشة ملفات إقليمية، لا يمكن اعتماده حقيقة مؤكدة لمجرد تداوله في منشورات أو تحليلات سياسية. بل يحتاج إلى مصادر موثوقة، وتأكيدات مستقلة، وتفاصيل واضحة بشأن المشاركين وتوقيت الاجتماع وموضوعاته.
كما أن وجود مصالح متقاطعة بين دول في ملفات إقليمية متعددة لا يثبت تلقائياً أنها تعمل ضمن خطة موحدة ، أو أن دولة بعينها تقف وراء جميع التحركات التي تبدو متعارضة مع المصالح المصرية.
وينطبق الأمر نفسه على الربط بين التطورات البحرية في شرق المتوسط وملف سد النهضة. فقد تتقاطع الحسابات الإقليمية في بعض الأحيان، لكن إثبات وجود علاقة عملياتية أو تنسيق مباشر بين ملفين مختلفين يتطلب أدلة محددة، وليس مجرد التشابه في النتائج أو الاشتباه في وجود مستفيد مشترك.
أما ما يتعلق بالحديث عن لقاء جمع بنيامين نتنياهو بأحد أبناء خليفة حفتر ومسؤول إماراتي خلال زيارة إلى الإمارات، فينبغي التحقق من أصل الخبر وتاريخه ومصدره، ومقارنته بالبيانات الرسمية والتغطيات الصحفية المستقلة قبل استخدامه أساساً لاستنتاجات سياسية واسعة.
فالتحليل الاستراتيجي الجاد لا يقوم على تجميع الوقائع المتفرقة في رواية واحدة، بل على اختبار الروابط بينها، والبحث عن الأدلة التي تؤكدها أو تنفيها.
ثامناً: ما الذي ينبغي أن تقلق منه القاهرة فعلياً ؟
المسألة الأهم بالنسبة إلى مصر ليست مجرد سؤال عما إذا كان حفتر قد اقترب من تركيا أو ابتعد عن القاهرة، وإنما ما إذا كانت التحولات داخل ليبيا ستؤدي إلى تغيير ملموس في موازين النفوذ، أو إلى ترتيبات بحرية تمس الحقوق المصرية.
ويمكن تحديد أبرز التحديات في أربعة محاور:
1. المحور القانوني: منع تكريس ترتيبات بحرية ترى مصر أنها تنتقص من حقوقها، وتعزيز موقفها من خلال الأدلة الفنية والوسائل القانونية والدبلوماسية.
2. المحور الليبي: الحفاظ على قنوات التواصل مع مختلف المؤسسات والقوى الليبية، وعدم اختزال العلاقة مع ليبيا في شخصية سياسية أو معسكر واحد، بما يحمي المصالح المصرية طويلة الأجل.
3. المحور الإقليمي: تنسيق المواقف مع اليونان وقبرص والشركاء الآخرين، مع مراعاة اختلاف المصالح الوطنية لكل طرف، وتجنب التصعيد غير الضروري.
4. محور المعلومات والاستخبارات السياسية: التمييز بين القرارات الرسمية والتفاهمات الموثقة من جهة، والتسريبات والتكهنات من جهة أخرى، حتى لا تُبنى المواقف الاستراتيجية على معلومات غير مكتملة أو استنتاجات غير مثبتة.
الخلاصة: شرق المتوسط ساحة لتبدل المصالح لا لتحالفات ثابتة
تكشف قضية مذكرة التفاهم البحرية التركية الليبية عن طبيعة الصراع في شرق المتوسط، حيث تتداخل اعتبارات القانون الدولي مع المصالح الاقتصادية وحسابات الأمن القومي والتنافس على النفوذ.
وإذا ثبتت موافقة مجلس النواب الليبي في شرق البلاد على الاتفاقية بصيغتها المتداولة، فإن ذلك يستحق دراسة جادة لتداعياته على العلاقات المصرية الليبية، وعلى فرص التقارب التركي مع مؤسسات شرق ليبيا. لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن خليفة حفتر قد تخلى عن مصر، أو أن هناك صفقة إقليمية سرية تستهدف المصالح المصرية.
وبالمثل، فإن الاعتراض المصري على الاتفاقية لا يعني أن جميع جوانب النزاع قد حُسمت قانونيا، بل يؤكد أهمية مواصلة التحرك الدبلوماسي والفني والقانوني لحماية الحقوق البحرية المصرية.
إن السياسة الخارجية لا تُقرأ من عنوان واحد، ولا تُفهم من اجتماع مزعوم أو قرار منفرد. بل تحتاج إلى تجميع الوقائع، وفحص الأدلة، وفهم المصالح المتعارضة، ثم التمييز بين ما حدث بالفعل وما يُحتمل أن يحدث.
وفي النهاية، فإن السؤال الذي يستحق المتابعة ليس فقط: هل تغيّر موقف شرق ليبيا من تركيا؟ بل أيضاً : هل سيترجم هذا التقارب المحتمل إلى ترتيبات بحرية جديدة، أم سيظل ورقة تفاوض ضمن صراع إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة؟
هذا هو جوهر القضية، وهو ما ينبغي أن ينصب عليه التحليل السياسي بعيداً عن الاستنتاجات المتسرعة أو الروايات التي لم تتوافر أدلة كافية لإثباتها.



