غارة جوية تستهدف مقر إقامة حميدتي في نيالا.. ماذا يجري في كواليس الصراع السوداني؟

بقلم : يوحنا عزمي
تتداول بعض المصادر السودانية أنباء عن تنفيذ الجيش السوداني غارة جوية استهدفت مقر إقامة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، المعروف باسم «حميدتي»، في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور ، وسط تقارير غير مؤكدة عن سقوط قتلى ووقوع خسائر في صفوف العناصر الموجودة بالموقع.
لكن قبل الذهاب بعيداً في قراءة المشهد، من الضروري التأكيد أن هذه المعلومات، وفقاً لما هو متاح من روايات متداولة، لم تتأكد بعد من مصدر مستقل موثوق ، كما لم تتضح حقيقة وجود حميدتي داخل المقر وقت الاستهداف ، أو ما إذا كان قد أصيب أو قُتل. وبالتالي، فإن الحديث عن مصيره يظل في دائرة التكهنات إلى أن تظهر أدلة واضحة أو يصدر تأكيد موثوق.
وبحسب الروايات المتداولة، فإن العملية جاءت بعد معلومات استخباراتية قيل إنها وصلت إلى الجيش السوداني بشأن موقع وجود عدد من القيادات البارزة في قوات الدعم السريع. وعلى أساس هذه المعلومات ، يُقال إن الطيران الحربي نفذ هجوماً استهدف مقر إقامة حميدتي، إلى جانب مواقع أخرى مرتبطة بقيادات عسكرية في القوات نفسها.
وتضيف هذه الروايات أن الاستهداف لم يقتصر على مقر إقامة قائد الدعم السريع، بل امتد إلى منازل ومواقع منسوبة إلى شخصيات قيادية، من بينها اللواء حسن محجوب، واللواء عثمان المعروف باسم «عثمان عمليات»، واللواء خلا عبد الله قروش. غير أن تفاصيل الأضرار وحجم الخسائر البشرية، وكذلك طبيعة الأهداف التي أصابتها الغارة، لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل.
كما تتداول بعض الأوساط الإعلامية السودانية أنباء عن مقتل شخصيات مقربة من حميدتي، من بينها أحد أبناء شقيقاته وحارسه الشخصي، إلى جانب مزاعم عن وجود عناصر أجنبية، قيل إنها أوكرانية، في المنطقة المستهدفة. وهذه المعلومات تحديداً تحتاج إلى تدقيق إضافي ، خاصة أن بعضها متداول منذ أيام، ولا يصح التعامل معه باعتباره نتيجة مؤكدة للغارة الأخيرة.
لكن بعيداً عن الضجيج المصاحب لهذه الأنباء، هناك سؤال استراتيجي أهم: ماذا يعني استهداف مقر يُنسب إلى قائد قوات الدعم السريع ، إذا ثبتت صحة الرواية؟
في الحروب، لا تُقاس أهمية الضربات الجوية بحجم الانفجار وحده، وإنما بطبيعة الهدف، ومستوى المعلومات الاستخباراتية التي سبقت العملية، وحجم الخسائر الفعلية، ومدى تأثير الضربة على قدرة الطرف المستهدف على إدارة عملياته العسكرية.
فإذا ثبت أن الجيش السوداني نجح في تحديد موقع حساس مرتبط بقيادة الدعم السريع واستهدافه بدقة، فإن ذلك قد يشير إلى تطور في قدراته على الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات، أو إلى اختراق استخباراتي أتاح له الوصول إلى هدف ذي أهمية عملياتية. لكن لا يمكن الجزم بأي من هذه الاحتمالات قبل معرفة التفاصيل الفعلية للعملية.
كذلك، فإن استهداف مواقع مرتبطة بعدد من القيادات قد تكون له تداعيات تتجاوز الخسائر المادية، إذا أدى إلى إرباك الاتصالات أو تعطيل التنسيق بين القيادات الميدانية. ومع ذلك، فإن إصابة مقر أو موقع قيادي لا تعني بالضرورة انهيار منظومة القيادة والسيطرة، فذلك يتوقف على طبيعة الهيكل التنظيمي، والبدائل القيادية المتاحة، وقدرة القوات على مواصلة عملياتها.
أما فيما يتعلق بحميدتي نفسه، فإن غيابه عن الظهور، إن حدث، لا يُعد دليلًا كافياً على مقتله أو إصابته. فمثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة مباشرة، خصوصاً في حرب تتداخل فيها العمليات العسكرية مع الحرب الإعلامية والنفسية ، وتنتشر خلالها أخبار يصعب التحقق منها في الساعات الأولى.
وهنا تحديداً يجب التمييز بين ثلاثة أمور: وقوع الغارة من الأساس، وطبيعة الأهداف التي أصابتها، ومصير الشخصيات التي قيل إنها كانت موجودة في الموقع. فكل نقطة من هذه النقاط تحتاج إلى تحقق مستقل ، ولا يجوز اعتبار ثبوت إحداها دليلًا تلقائيًا على صحة البقية.
وفي تقديري، فإن أهمية هذه الأنباء، إذا تأكدت، لن تتوقف عند السؤال عما إذا كان حميدتي موجوداً في المقر أو نجا من الاستهداف، بل ستمتد إلى دلالات العملية على ميزان المواجهة في دارفور، وقدرة الجيش السوداني على الوصول إلى أهداف حساسة داخل مناطق نفوذ قوات الدعم السريع.
الخلاصة: نحن أمام رواية عسكرية خطيرة تستحق المتابعة، لكنها لا تزال بحاجة إلى تأكيد موثوق. وحتى تتضح الصورة، يبقى السؤال مفتوحاً : هل نحن أمام ضربة جوية محدودة استهدفت مواقع قيادية، أم عملية قد تكشف عن تحول في طبيعة المواجهة الاستخباراتية والعسكرية داخل السودان؟
الإجابة لن تأتي من حجم الشائعات أو سرعة انتشارها، وإنما من الأدلة التي ستظهر ، والتطورات الميدانية التي ستلي العملية، والمعلومات التي يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.



