مقالات

تسليح إثيوبيا وتوازنات القرن الإفريقي.. هل تدخل المنطقة مرحلة جديدة من سباق القوة العسكرية؟

بقلم : يوحنا عزمي

تثير التحركات العسكرية الإثيوبية ، وما يُتداول بشأن صفقات تسليح جديدة مع روسيا، تساؤلات مهمة حول مستقبل التوازنات الاستراتيجية في القرن الإفريقي، وانعكاسات ذلك على أمن البحر الأحمر والمصالح المصرية في المنطقة. فإثيوبيا التي تسعى منذ سنوات إلى تطوير قدراتها العسكرية، لا تتحرك في فراغ، بل ضمن بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها المنافسة على النفوذ، والصراع على الممرات البحرية، والخلافات المتعلقة بمياه النيل، ومحاولات القوى الدولية والإقليمية توسيع حضورها في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.

لكن قبل الانطلاق في تحليل دلالات هذه التطورات، يجب التمييز بين المعلومات المؤكدة بشأن صفقات التسليح، والتقارير التي لم يتسنَّ التحقق منها، والتقديرات السياسية المتعلقة بالجهات التي قد تقف وراءها. فالتسليح الإثيوبي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لإثبات وجود تحالف عسكري يستهدف دولة بعينها، كما أن توقيت أي صفقة لا يمثل، بمفرده، دليلًا على وجود مخطط إقليمي مشترك.

إثيوبيا وإعادة بناء القوة العسكرية

تسعى أديس أبابا إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية وتحديث سلاحها الجوي ومنظومات دفاعها الجوي، في أعقاب سنوات من الصراعات الداخلية والتحديات الأمنية والضغوط الاقتصادية. وقد أظهرت التطورات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية أن القيادة الإثيوبية تنظر إلى القوة العسكرية باعتبارها أحد عناصر الحفاظ على تماسك الدولة، وتعزيز قدرتها على فرض مصالحها في محيطها الإقليمي.

وفي هذا السياق، تبرز روسيا باعتبارها أحد موردي السلاح المهمين لإثيوبيا، في ظل العلاقات العسكرية التي تربط البلدين منذ عقود. وتتيح الشراكة مع موسكو لأديس أبابا الوصول إلى أنظمة تسليح روسية، إلى جانب فرص التدريب والصيانة والتعاون الفني، وإن كانت الاستفادة الفعلية من هذه الأنظمة تظل مرتبطة بقدرة إثيوبيا على توفير التمويل والذخائر وقطع الغيار والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها.

وقد تضمن النص المتداول حديثاً ادعاءات بشأن تسلم إثيوبيا 12 مقاتلة من طراز «سوخوي-35»، إلى جانب استعدادها للحصول على أربع بطاريات من منظومة الدفاع الجوي «إس-400». غير أن هذه التفاصيل تحتاج إلى تأكيد مستقل من مصادر موثوقة قبل التعامل معها باعتبارها وقائع عسكرية محسومة ، خصوصاً أن الفارق كبير بين توقيع اتفاق، وبدء التسليم، ودخول المعدات الخدمة التشغيلية الفعلية.

ومع ذلك، فإن مجرد اتجاه إثيوبيا إلى تطوير سلاحها الجوي ودفاعاتها الجوية يستحق المتابعة والتحليل، لأن امتلاك القدرات العسكرية الحديثة قد يغيّر حسابات الردع، ويرفع تكلفة أي مواجهة محتملة، ويمنح الدولة مساحة أوسع للمناورة السياسية.

لماذا تمثل «سوخوي-35» و«إس-400» تطوراً مهماً ؟

تُعد مقاتلة «سوخوي-35» من الطائرات الروسية المتقدمة، وتتميز بقدرات عالية في القتال الجوي، ومدى عملياتي كبير نسبياً، وإمكانية حمل أنواع مختلفة من الصواريخ والذخائر. لكن القيمة العسكرية الحقيقية لأي مقاتلة لا تُقاس بمواصفاتها الفنية وحدها، بل بمدى تكاملها مع أنظمة الاستطلاع والإنذار المبكر والقيادة والسيطرة، وبكفاءة الطيارين، ومستوى التدريب، والقدرة على توفير الصيانة والإمداد بصورة مستمرة.

أما منظومة «إس-400»، فهي منظومة دفاع جوي بعيدة المدى صُممت للتعامل مع طيف من الأهداف الجوية، وفق نوع الصواريخ المستخدمة وطبيعة شبكة الرصد والقيادة المرتبطة بها. وإذا حصلت إثيوبيا بالفعل على هذه المنظومة وشغلتها بكفاءة، فقد يعزز ذلك قدرتها على حماية بعض المنشآت الحيوية والمواقع الاستراتيجية، ويجعل التخطيط لأي عمليات جوية ضدها أكثر تعقيدًا.

لكن من الخطأ أيضاً التعامل مع أي منظومة دفاع جوي باعتبارها درعاً لا يمكن اختراقه. ففاعلية الدفاع الجوي تتوقف على تكامل الرادارات، وتوافر الذخائر، والتدريب، والجاهزية الفنية، وطبيعة التهديدات التي يواجهها. ولذلك لا يمكن استنتاج نتيجة أي مواجهة محتملة بمجرد مقارنة أسماء الطائرات والمنظومات الموجودة لدى كل طرف.

والأهم أن بناء قوة عسكرية حديثة يحتاج إلى سنوات من العمل والتدريب والتطوير، وليس إلى شراء معدات متقدمة فحسب. فامتلاك الطائرات شيء، وتحويلها إلى قوة جوية متكاملة قادرة على تنفيذ عمليات مستدامة شيء آخر تمامًا.

من مول الصفقة؟ سؤال مشروع لا تكفي فيه الافتراضات

تطرح الصفقات العسكرية الكبرى تساؤلات بشأن مصادر التمويل، خصوصًا عندما تكون الدولة المعنية تعاني ضغوطاً اقتصادية واحتياجات تنموية كبيرة. وإثيوبيا تواجه بالفعل تحديات تتعلق بالديون والعملة الأجنبية والإنفاق العام، وهو ما يجعل كيفية تمويل مشترياتها العسكرية مسألة تستحق البحث.

لكن لا يمكن الانتقال من وجود أزمة اقتصادية إلى الجزم بأن طرفاً خارجياً دفع تكلفة الصفقة. فهناك احتمالات متعددة، من بينها التمويل الحكومي المباشر، أو الترتيبات الائتمانية، أو القروض، أو التسويات المرتبطة بالتعاون الاقتصادي والعسكري، أو العقود التي تُنفذ على مراحل. وتحديد الآلية الفعلية يحتاج إلى معلومات مالية موثقة، أو تصريحات رسمية، أو تقارير استقصائية تستند إلى أدلة قابلة للفحص.

وفي هذا الإطار، يطرح البعض احتمال وجود دعم من قوى إقليمية تسعى إلى تعزيز نفوذها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وتُذكر الإمارات وإسرائيل في بعض التحليلات المتعلقة بالتنافس الإقليمي. إلا أن تحويل هذا الاحتمال إلى اتهام مباشر بتمويل تسليح إثيوبيا يتطلب أدلة محددة، ولا يصح اعتباره حقيقة ثابتة من دون وثائق أو مصادر مستقلة موثوقة.

والتحليل السياسي الرصين لا يستبعد احتمالات الدعم الخارجي، لكنه لا يتعامل معها باعتبارها حقائق لمجرد أنها تبدو منسجمة مع تصور معين للصراع. فالفارق بين الاشتباه السياسي والإثبات الواقعي هو ما يحدد مدى قوة أي قراءة استراتيجية.

الإمارات وإسرائيل والقرن الإفريقي: حسابات النفوذ والمصالح

تتمتع منطقة القرن الإفريقي بأهمية استراتيجية متزايدة بسبب موقعها الجغرافي المشرف على طرق التجارة الدولية، وقربها من مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. ولهذا تسعى أطراف إقليمية ودولية إلى بناء علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع دول المنطقة، بما يمنحها نفوذاً أكبر في الممرات البحرية ومراكز التجارة والطاقة.

وتُعد العلاقات التي تربط بعض القوى الإقليمية بدول القرن الإفريقي جزءًا من منافسة أوسع على الموانئ والاستثمارات والنفوذ الأمني. وفي هذه البيئة، يمكن لأي تعاون عسكري أو اقتصادي مع إثيوبيا أن يثير تساؤلات بشأن انعكاساته على الدول المجاورة، وعلى رأسها مصر والسودان وإريتريا والصومال وجيبوتي.

لكن يجب التمييز بين وجود مصالح مشتركة أو علاقات سياسية، وبين وجود تنسيق عسكري سري يستهدف مصر تحديداً. فإثبات السيناريو الأخير يتطلب أدلة أكثر تحديداً من مجرد تزامن التحركات أو تشابه المصالح في بعض الملفات.

ومن منظور استراتيجي، فإن ما ينبغي أن يشغل القاهرة ليس البحث عن طرف واحد لتفسير كل التطورات، وإنما فهم شبكة المصالح التي تتحرك داخل المنطقة، ومصادر الدعم التي قد تحصل عليها إثيوبيا، ومدى تأثير ذلك في حسابات الأمن القومي المصري.

هل يمكن أن تكون الصفقة مرتبطة بملف سد النهضة؟

لا يمكن فصل التحولات العسكرية الإثيوبية عن البيئة السياسية المحيطة بالخلافات المتعلقة بمياه النيل وسد النهضة، لكن الربط بين الملفين يحتاج إلى قدر من الدقة. فالتحديث العسكري قد يعزز شعور الدولة بقدرتها على المناورة ، وقد يؤثر في تقديرات الردع لدى الأطراف الأخرى، لكنه لا يثبت وحده أن الهدف المباشر من التسليح هو الضغط على مصر في ملف المياه.

وتظل قضية سد النهضة ذات أبعاد قانونية وسياسية وفنية واقتصادية، وترتبط بإدارة الموارد المائية، وقواعد الملء والتشغيل، وتبادل المعلومات، وضمانات عدم إلحاق الضرر بدول المصب. أما إدخال سباق التسلح في هذه المعادلة فيرفع حساسية المشهد، وقد يضيف طبقة جديدة من عدم الثقة، لكنه لا يجعل المواجهة العسكرية نتيجة حتمية.

وبالنسبة إلى مصر ، فإن المصلحة الاستراتيجية تكمن في منع تحول الخلافات القائمة إلى سباق تصعيد مفتوح، مع الحفاظ على عناصر الردع والقدرة الدفاعية، والاستمرار في التحرك الدبلوماسي والقانوني، وبناء تفاهمات إقليمية تقلل فرص سوء الحسابات.

هل تستطيع إثيوبيا تغيير ميزان القوة مع مصر؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بمجرد مقارنة عدد الطائرات التي قد تمتلكها الدولتان. فالقوة الجوية الحديثة تقوم على منظومة متكاملة تشمل الطائرات المقاتلة، والتسليح، والرادارات، والإنذار المبكر، والحرب الإلكترونية ، والقيادة والسيطرة ، والتدريب، والصيانة ، والقدرة على الاستمرار في العمليات.

تمتلك مصر بنية عسكرية متنوعة تشمل مقاتلات من طرازات غربية وروسية، من بينها «رافال» الفرنسية و«إف-16» الأمريكية و«ميغ-29» الروسية، إلى جانب منظومات دفاع جوي وقدرات أخرى. غير أن تقييم ميزان القوة يتطلب بيانات حديثة ودقيقة عن أعداد الطائرات الجاهزة للعمليات، ومستوى تجهيزها، ومخزون الذخائر، وكفاءة الأطقم، ومدى تكامل الأنظمة المختلفة.

وفي المقابل، فإن حصول إثيوبيا على مقاتلات متقدمة، إذا تأكد، سيمثل إضافة مهمة إلى قدراتها، لكنه لا يعني تلقائيًا أنها أصبحت قادرة على مضاهاة القدرات المصرية في جميع المجالات. كما لا يصح افتراض أن الخبرة القتالية أو التفوق الفني لطرف ما يحسمان أي مواجهة مسبقاً، لأن النتائج تتأثر بعوامل عملياتية وجغرافية وسياسية متعددة.

وبالتالي، فإن القراءة الأكثر واقعية هي أن تحديث إثيوبيا لقدراتها العسكرية قد يرفع مستوى التعقيد في الحسابات الاستراتيجية الإقليمية، لكنه لا يكفي بمفرده لإثبات انقلاب ميزان القوى أو نشوء تهديد عسكري وشيك لمصر.

البحر الأحمر: البعد الأكثر حساسية في الحسابات الإثيوبية

تكتسب التحركات الإثيوبية أهمية إضافية بسبب سعي أديس أبابا إلى الحصول على منفذ بحري أكثر استقراراً. فإثيوبيا دولة حبيسة منذ استقلال إريتريا عام 1993، وتعتمد تجارتها بدرجة كبيرة على موانئ دول الجوار، وفي مقدمتها ميناء جيبوتي.

ومن هنا، أصبح الوصول إلى البحر أحد الملفات المرتبطة بطموحات إثيوبيا الاقتصادية والاستراتيجية. لكن الوصول إلى الموانئ يمكن أن يتحقق من خلال اتفاقات تجارية أو ترتيبات لوجستية أو تفاهمات سياسية، ولا يستلزم بالضرورة اللجوء إلى القوة العسكرية.

ومع ذلك، فإن أي محاولة لفرض ترتيبات بحرية بالقوة أو تجاوز سيادة الدول المجاورة ستفتح الباب أمام أزمة إقليمية واسعة، خصوصاً في منطقة تتقاطع فيها مصالح إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي ، فضلًا عن مصالح القوى الدولية المطلة على البحر الأحمر.

وإذا اقترن التحديث العسكري الإثيوبي بتصعيد سياسي تجاه الجيران، فقد تتزايد المخاوف من استخدام القوة أداةً لفرض الوقائع. أما إذا جرى ضمن استراتيجية دفاعية وتفاهمات إقليمية واضحة، فقد تكون انعكاساته مختلفة. ولهذا فإن تحديد طبيعة التهديد يتطلب متابعة السلوك السياسي والعسكري الفعلي، وليس الاكتفاء بقراءة مواصفات الأسلحة.

هل تتجه تركيا إلى نقل منظومة «إس-400» إلى إثيوبيا؟

تحتاج الفرضية القائلة إن تركيا قد تنقل منظومات «إس-400» التي اشترتها من روسيا إلى إثيوبيا إلى أدلة موثقة. فامتلاك أنقرة هذه المنظومات، والخلاف الذي نشأ بينها وبين واشنطن بشأن شرائها، لا يثبت وجود اتفاق لنقلها إلى أديس أبابا.

كما أن ملف عودة تركيا إلى برنامج المقاتلة الأمريكية «إف-35» تحكمه اعتبارات سياسية وتقنية وأمنية معقدة، ولا يمكن افتراض أن نقل المنظومات الروسية إلى دولة أخرى سيؤدي تلقائياً إلى تسوية الخلاف مع الولايات المتحدة.

والأمر نفسه ينطبق على الموقف الأمريكي من أي صفقة تسليح إثيوبية. فعدم الإعلان عن عقوبات أو ضغوط لا يعني بالضرورة وجود موافقة أمريكية سرية، كما أن المقارنة مع مواقف أمريكية سابقة تجاه مصر تحتاج إلى دراسة ظروف كل حالة، وطبيعة الصفقة، والاعتبارات القانونية والسياسية التي أحاطت بها.

وقد تتعامل واشنطن مع تسليح إثيوبيا من منظور مختلف عن تعاملها مع تسليح دولة أخرى، وفقاً لحسابات المصالح والتحالفات والقيود القانونية. لكن تحديد دوافعها الفعلية يتطلب الاستناد إلى مواقف رسمية وتقارير موثوقة، لا إلى الاستنتاج من الصمت وحده.

ماذا عن خيارات مصر الدفاعية والتسليحية؟

إن التطورات الإقليمية تفرض على مصر مواصلة تقييم احتياجاتها الدفاعية وفقًا لمبدأ التنويع المدروس، والحفاظ على الجاهزية، وتطوير القدرات المحلية، وتعزيز أنظمة الاستطلاع والإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي.

وفي هذا السياق، تظهر بين الحين والآخر نقاشات بشأن المقاتلات الصينية، ومنها «جيه-10 سي» و«جيه-35». لكن تقييم أي خيار تسليحي يجب أن يتجاوز المواصفات المعلنة، ليشمل التكلفة الإجمالية، وشروط نقل التكنولوجيا، وتوافر الذخائر وقطع الغيار، والتدريب، والقدرة على دمج الطائرات في شبكة القيادة والسيطرة المصرية، إلى جانب أثر الصفقة في العلاقات الدفاعية القائمة.

فالقضية ليست شراء طائرة جديدة لمجرد أن دولة أخرى حصلت على سلاح متقدم ، وإنما بناء قوة متوازنة ومستدامة تستطيع حماية المصالح المصرية في مختلف الاتجاهات الاستراتيجية. كما أن تعزيز القدرات الدفاعية لا يتعارض مع الدبلوماسية، بل يمكن أن يدعمها عندما يُستخدم ضمن سياسة واضحة لمنع التصعيد وحماية المصالح الوطنية.

روسيا لا تتحرك بدافع الصداقة وحدها

تتعامل موسكو مع صادرات السلاح باعتبارها أداة اقتصادية واستراتيجية في آن واحد. فصفقات التسليح توفر عائدات مالية، وتفتح المجال أمام علاقات طويلة الأمد في التدريب والصيانة والإمداد، وقد تمنح روسيا نفوذاً إضافيًا لدى الدول المستوردة.

ومن ثم، لا ينبغي افتراض أن روسيا ستتبنى بالضرورة الموقف المصري في خلافاتها مع إثيوبيا ، أو أن علاقاتها التاريخية مع القاهرة ستمنعها من تطوير تعاون عسكري مع أديس أبابا. فالدول تتحرك وفقاً لمصالحها، وقد تجمع بينها علاقات تعاون في ملف، واختلافات في ملف آخر.

وفي المقابل، لا يعني بيع السلاح الروسي لإثيوبيا أن موسكو تعمل بالضرورة ضد مصر. فالعلاقة بين الدول أكثر تعقيداً من هذا التصنيف، وقد تسعى روسيا إلى الاحتفاظ بقنوات اتصال متعددة في المنطقة، بما يسمح لها بالحفاظ على مصالحها الاقتصادية والسياسية.

والدرس الأهم هنا أن السياسة الخارجية لا تقوم على افتراض الولاء الدائم، بل على فهم المصالح المتغيرة، وتقييم مواقف الشركاء وفقاً لأفعالهم والتزاماتهم الفعلية.

الخلاصة: ما الذي ينبغي أن تراقبه القاهرة؟

إن تحديث القدرات العسكرية الإثيوبية، إذا استمر وتأكدت تفاصيل الصفقات المتداولة ، سيظل تطوراً يستحق المتابعة المصرية الدقيقة، لكنه لا يبرر القفز إلى استنتاجات غير مثبتة بشأن تمويل خارجي سري أو مخطط عسكري يستهدف مصر مباشرة.

والأهم خلال المرحلة المقبلة هو مراقبة ثلاثة مسارات: أولها، مدى تأكد صفقات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي ودخولها الخدمة الفعلية، وثانيها، طبيعة التحركات الإثيوبية في ملف الوصول إلى البحر الأحمر وعلاقاتها بدول الجوار، وثالثها، انعكاس التطورات العسكرية على المفاوضات المتعلقة بسد النهضة وعلى مستوى الاستقرار في القرن الإفريقي.

فإذا تحولت هذه التحركات إلى محاولة لفرض أمر واقع على دول الجوار، فستكون لها تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا. أما إذا ظلت في إطار تحديث القدرات الدفاعية ، فإن تقدير آثارها سيختلف وفقاً لحجمها الفعلي وطبيعة استخدامها.

وفي جميع الأحوال، فإن حماية الأمن القومي المصري تتطلب الجمع بين قوة عسكرية قادرة على الردع، ودبلوماسية نشطة، وشراكات إقليمية متوازنة، ومعلومات استخباراتية موثوقة، وقراءة هادئة للتحولات الدولية. فالتحدي الحقيقي ليس في امتلاك الآخرين للسلاح وحده، بل في كيفية توظيف القوة داخل شبكة المصالح والصراعات التي تعيد تشكيل القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

إن المنطقة لا تحتاج إلى مزيد من سباقات التسلح بقدر ما تحتاج إلى قواعد واضحة تحترم سيادة الدول وتمنع تحويل الخلافات السياسية والمائية والبحرية إلى مواجهات مفتوحة. وبالنسبة إلى مصر، فإن الحفاظ على الردع والاستعداد لكل الاحتمالات يجب أن يسير بالتوازي مع العمل على منع التصعيد، لأن إدارة المخاطر قبل تحولها إلى أزمات تظل أحد أهم عناصر حماية الأمن القومي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى