حادث كنيسة الكرك وتداعياته الإقليمية

بقلم : يوحنا عزمي
لم يعد من الممكن النظر إلى أي حادث إرهابي في منطقة الشرق الأوسط باعتباره واقعة أمنية منفصلة عن محيطها الإقليمي، خصوصاً عندما تتداخل فيه حسابات الأمن القومي، وهشاشة الحدود، وانتشار التنظيمات المسلحة، والصراع على النفوذ. فالحوادث التي تبدو في ظاهرها محدودة قد تكشف، عند تحليلها في سياقها الأوسع، عن شبكة معقدة من التحديات التي تتجاوز مكان وقوعها إلى مستقبل الاستقرار في المنطقة بأكملها.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية ما يُتداول بشأن حادث كنيسة الكرك في الأردن، وما أُثير حول التحقيقات الأمنية والارتباطات المحتملة للمنفذين بتنظيمات مسلحة داخل الأراضي السورية ، فضلًا عن الحديث عن رد عسكري أردني وتطورات ميدانية في جنوب سوريا. غير أن قراءة هذه الرواية تقتضي التمييز بين المعلومات التي تأكدت من مصادر رسمية مستقلة، والادعاءات التي لا تزال بحاجة إلى أدلة موثوقة، لأن التحليل السياسي الرصين لا يقوم على افتراض صحة كل ما يُنشر، بل على اختبار الوقائع وفهم دلالاتها.
من الحادث الأمني إلى معضلة الأمن الإقليمي
إذا ثبت أن منفذي الهجوم ينتمون إلى تنظيم مسلح يعمل انطلاقاً من الأراضي السورية، فإن المسألة لن تتوقف عند تحديد هوية المتورطين أو محاسبتهم، بل ستفتح الباب أمام تساؤلات أوسع تتعلق بقدرة الدولة السورية على بسط سيادتها على كامل أراضيها، ومدى قدرتها على منع الجماعات المتطرفة من استخدام مناطق نفوذها أو المناطق الخارجة عن السيطرة الفعلية منطلقاً لعمليات تستهدف دول الجوار.
فالأمن الأردني يرتبط بصورة مباشرة بالتطورات التي تشهدها الحدود الشمالية للمملكة. وأي فراغ أمني في جنوب سوريا قد يتيح المجال أمام شبكات تهريب السلاح والمخدرات، وتحركات الجماعات المسلحة ، وتنامي المخاطر العابرة للحدود. وهذه التحديات لا تمثل تهديدًا للأردن وحده، بل قد تتحول أيضاً إلى عبء إضافي على الدولة السورية نفسها ، التي تحتاج إلى استعادة الاستقرار وتوحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية.
لكن من الضروري هنا التمييز بين وجود تنظيمات مسلحة داخل الأراضي السورية وبين اعتبار الدولة السورية راعيةً للإرهاب، فالمسؤولية السياسية والقانونية عن أي نشاط عابر للحدود تتطلب أدلة على طبيعة العلاقة بين هذه التنظيمات والسلطات القائمة، ومدى علمها بنشاطها أو دعمها له أو عجزها عن منعه. أما مجرد وقوع هجوم نفذه أشخاص يُشتبه في ارتباطهم بجماعة موجودة داخل دولة ما، فلا يكفي وحده لإثبات أن تلك الدولة تتبنى نشاط الجماعة أو ترعاه.
الأردن أمام معادلة الردع وحماية السيادة
تواجه الدول التي تتعرض لاعتداءات إرهابية عابرة للحدود معادلة شديدة التعقيد: كيف تحمي مواطنيها وتمنع تكرار الهجمات، من دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع أو تحويل أراضي دولة مجاورة إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات؟
وفي الحالة الأردنية، إذا تأكد رسمياً أن عمّان نفذت ضربات جوية داخل الأراضي السورية رداً على تهديد محدد، فسيكون من الضروري تحليل هذه الخطوة من زاويتين: الأولى تتعلق بحسابات الردع، وإيصال رسالة إلى التنظيمات المسلحة بأن استهداف الأردن لن يمر دون ملاحقة ، والثانية تتعلق بالأساس القانوني للعملية ، وحدودها ، والآثار المحتملة على العلاقات بين البلدين.
ولا يكفي في هذه الحالة القول إن الدولة تعرضت لتهديد أمني لتصبح كل أشكال الرد العسكري مشروعة تلقائياً. فالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تقر بحق الدفاع عن النفس إذا وقع هجوم مسلح، مع مراعاة الشروط القانونية ذات الصلة، ومنها الضرورة والتناسب، وإبلاغ مجلس الأمن بالتدابير المتخذة وفقاً للميثاق. كما أن تطبيق هذه القواعد على التهديدات الوشيكة أو الجماعات المسلحة العاملة داخل أراضي دولة أخرى يظل موضوعاً قانونياً معقداً، لا يجوز اختزاله في تفسير واحد دون فحص الوقائع والظروف المحيطة.
ومن ثم، فإن تقييم أي تحرك عسكري أردني يتطلب معرفة طبيعة التهديد الذي استهدف المملكة، ومدى ارتباط المواقع المستهدفة به، وما إذا كانت هناك بدائل عملية لمعالجته، فضلًا عن موقف السلطات السورية. فحماية الأمن الوطني حق أساسي للدول ، لكن إدارة هذا الحق تحتاج إلى حسابات دقيقة تمنع توسع الصراع وتحد من الخسائر بين المدنيين.
الدرس الليبي .. المقارنة في حدودها الصحيحة
يمكن استحضار التجربة المصرية في مواجهة تنظيم داعش داخل ليبيا باعتبارها مثالًا على خطورة التهديدات الإرهابية التي تتجاوز الحدود، وعلى ارتباط الأمن الوطني بتطورات الدول المجاورة. فقد واجهت مصر في عام 2015 تداعيات جريمة قتل مواطنين مصريين على يد تنظيم داعش في ليبيا، وأعلنت تنفيذ ضربات جوية ضد أهداف للتنظيم هناك.
لكن المقارنة بين الحالتين الأردنية والليبية لا ينبغي أن تقوم على التشابه في شكل الرد العسكري وحده، إذ تختلف الظروف السياسية والقانونية والعسكرية من حالة إلى أخرى. والأهم هو استخلاص الدرس الاستراتيجي المشترك: عندما تتمكن التنظيمات المتطرفة من استغلال الفراغ الأمني، فإنها تستطيع تحويل الحدود إلى ممر للتهديدات، وفرض أعباء إضافية على الدول المجاورة، وتعقيد فرص استعادة الاستقرار في الدولة التي تنشط على أراضيها.
لذلك، لا تكمن المعالجة المستدامة في الضربات العسكرية وحدها، مهما كانت ضرورتها في ظروف معينة، بل في تفكيك شبكات التجنيد والتمويل والتسليح، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وضبط الحدود، وإعادة بناء المؤسسات القادرة على فرض القانون ومنع الجماعات المسلحة من إنشاء مراكز نفوذ مستقلة عن الدولة.
جنوب سوريا .. الجغرافيا التي تتحول إلى ورقة استراتيجية
تكتسب محافظة درعا ومناطق جنوب سوريا أهمية تتجاوز حدودها الجغرافية، فهي تقع في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الأمن السوري والأردني والإسرائيلي، وتتقاطع فيها اعتبارات الحدود، وانتشار السلاح، وتوازنات القوى، ومستقبل السيطرة على الأراضي السورية.
وفي مثل هذه البيئة، قد يؤدي ضعف السلطة المركزية أو تعدد القوى المسلحة إلى خلق ظروف تستغلها أطراف إقليمية لتعزيز نفوذها، سواء من خلال التدخل العسكري المباشر أو الضغط الأمني أو إقامة ترتيبات ميدانية جديدة. وكلما تراجعت قدرة الدولة على ضبط أراضيها، ازدادت احتمالات تحول المناطق الحدودية إلى مساحات تتنافس فيها القوى الإقليمية على فرض قواعد اشتباك تخدم مصالحها.
لكن من الخطأ افتراض أن كل تطور أمني في جنوب سوريا سيؤدي حتماً إلى نتيجة واحدة، أو أن وجود جماعة متطرفة يمنح أي طرف خارجي حقًا تلقائيًا في التوسع داخل الأراضي السورية. فالوقائع الميدانية ، والأهداف المعلنة، وطبيعة العمليات، ومدى الالتزام بالقانون الدولي، كلها عناصر أساسية لفهم ما يجري وتقييم تداعياته.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتداخل العمليات العسكرية مع احتجاز أشخاص أو تنفيذ توغلات برية أو شن غارات جوية. فهذه الممارسات، إذا ثبت وقوعها في حالات محددة، لا تُقرأ فقط باعتبارها إجراءات أمنية، بل باعتبارها تطورات قد تعيد رسم موازين السيطرة والنفوذ، وتؤثر في مستقبل السيادة السورية ووحدة أراضيها.
إسرائيل والفوضى الإقليمية.. كيف تتحول المخاطر الأمنية إلى أوراق نفوذ؟
هنا نصل إلى السؤال الأهم: هل يمكن أن تستفيد إسرائيل من حالة الاضطراب الأمني في جنوب سوريا لتوسيع نطاق نفوذها أو تبرير استمرار تدخلها العسكري؟
الإجابة التحليلية تقتضي الفصل بين أمرين: وجود تهديدات أمنية حقيقية قد تستند إليها إسرائيل في تبرير بعض تحركاتها، وبين احتمال توظيف هذه التهديدات لتحقيق أهداف استراتيجية أوسع تتعلق بترتيبات الأمن والحدود والنفوذ في المنطقة.
فوجود جماعات مسلحة متطرفة بالقرب من الحدود الإسرائيلية قد يُستخدم في الخطاب الأمني الإسرائيلي لتبرير عمليات عسكرية أو إقامة مناطق عازلة أو فرض ترتيبات ميدانية جديدة. غير أن إثبات أن هذه المخاطر تُستغل فعلًا لتبرير مشروع توسعي يتطلب أدلة واضحة على الأهداف والسياسات والقرارات المتخذة، وليس مجرد الاستنتاج من تزامن الأحداث.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار العربي هنا هو: ماذا يحدث عندما تتحول المخاطر الأمنية إلى مبرر دائم لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي على الأرض؟ وكيف يمكن منع الإجراءات التي تُقدم بوصفها مؤقتة أو دفاعية من التحول إلى وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها لاحقاً ؟
إن أي تحرك عسكري يؤدي إلى فرض سيطرة مستدامة على أراض سورية، أو تغيير وضعها القانوني، أو تقويض قدرة الدولة السورية على ممارسة سيادتها، يستدعي فحصًا قانونياً وسياسياً مستقلًا. كما أن وجود تهديدات من جماعات مسلحة لا يمنح، في حد ذاته، تفويضًا مفتوحًا بالاستيلاء على الأراضي أو ضمها.
ومن هنا، فإن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بما إذا كانت إسرائيل ستستفيد من اضطراب جنوب سوريا ، بل بمدى قدرة الدول العربية والمجتمع الدولي على منع استغلال الفراغ الأمني لتكريس ترتيبات جديدة تتعارض مع سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
من المستفيد من إستمرار الفوضى؟
في التحليل الاستراتيجي، لا يكفي تحديد الطرف الذي تسبب في أزمة ما، بل ينبغي أيضاً دراسة الأطراف التي قد تحقق مكاسب سياسية أو أمنية من استمرارها. فالفوضى قد تضعف دولة، وتستنزف موارد أخرى، وتفتح المجال أمام قوى إقليمية لإعادة ترتيب أولوياتها وفرض شروط جديدة على الأرض.
وفي الحالة السورية، يمكن أن يؤدي استمرار الانقسام الأمني وتعدد مراكز القوة إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتعقيد إعادة الإعمار ، وعرقلة عودة الاستقرار، وزيادة اعتماد الأطراف المحلية على قوى خارجية. وقد تستفيد أطراف إقليمية من هذه البيئة بدرجات متفاوتة، لكن تحديد المستفيد الفعلي يتطلب تحليلًا ملموسًا لكل حالة، بدلًا من افتراض أن طرفًا واحدًا يستفيد بالضرورة من كل أزمة.
أما إسرائيل، فإن أي تراجع في قدرة الدول المجاورة على ضبط حدودها قد يوسّع هامش حركتها الأمنية والعسكرية، ويمنحها فرصاً إضافية للتأثير في الترتيبات الإقليمية. ومع ذلك، فإن الفوضى ليست مكسباً مطلقاً لأي دولة، فقد تنتج عنها أيضاً تهديدات جديدة، وتدفقات للسلاح، وصعود جماعات يصعب احتواؤها، بما يخلق مخاطر أمنية طويلة الأمد.
ولذلك، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت إسرائيل تستفيد من كل اضطراب في المنطقة ، وإنما : ما أنواع الاضطراب التي تمنحها مكاسب استراتيجية محددة؟ وكيف تُترجم تلك المكاسب إلى سياسات ووقائع على الأرض؟ وما الأدوات التي يمكن للدول العربية استخدامها للحد من هذه المكاسب دون الدخول في صراعات إضافية؟
ما الذي ينبغي أن تفعله الدول العربية؟
إن التطورات المحتملة في جنوب سوريا تعيد التأكيد على أن الأمن العربي لا يمكن أن يعتمد على ردود الفعل المنفردة وحدها. فمواجهة التنظيمات المتطرفة تتطلب تنسيقاً استخباراتياً مستمراً ، وآليات فعالة لضبط الحدود ، وتبادل المعلومات بشأن شبكات التمويل والتسليح، إلى جانب دعم مؤسسات الدولة السورية بما يساعدها على استعادة قدرتها على فرض القانون.
كما أن حماية السيادة السورية لا تتعارض مع ضرورة محاسبة التنظيمات التي تهدد الدول المجاورة ، بل إن المسارين متكاملان. فالدولة القادرة على بسط سلطتها الشرعية هي الأكثر قدرة على منع استخدام أراضيها منصةً لشن هجمات خارجية، والأقدر على الحد من التدخلات الأجنبية التي تتغذى على الفراغ الأمني.
وفي الوقت نفسه، تحتاج الدول العربية إلى موقف واضح من أي إجراءات تؤدي إلى تغيير الحدود أو فرض وقائع عسكرية دائمة خارج الأطر القانونية، مع التمييز بين التهديدات الأمنية الحقيقية وبين استخدامها ذريعة لتحقيق أهداف سياسية أوسع.
الخلاصة أن حادثاً أمنياً، إذا ثبتت تفاصيله وارتباطاته الإقليمية، قد يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بمستقبل الدولة السورية ، وأمن الأردن، وحسابات إسرائيل، وحدود قدرة النظام الإقليمي العربي على احتواء الصراعات. لكن الوصول إلى هذه الخلاصة يتطلب معلومات موثقة، لا مجرد روايات متداولة أو استنتاجات مبنية على التزامن بين الأحداث.
فالسياسة ليست قراءة العناوين بمعزل عن سياقها، وليست أيضاً تحويل كل واقعة إلى دليل على مؤامرة مكتملة الأركان، إنها القدرة على الربط بين الوقائع الموثقة، وفهم المصالح المتعارضة، والتمييز بين ما حدث فعلًا وما قد يحدث، ثم تقدير النتائج المحتملة على أساس الأدلة.
وفي منطقة تتشابك فيها الجغرافيا مع الأمن والسيادة والنفوذ، تظل القاعدة الأساسية أن الفراغ لا يبقى فراغاً طويلاً ، فإما أن تملأه مؤسسات الدولة والقانون، وإما أن تتنافس القوى المسلحة والإقليمية على استغلاله، وتدفع الشعوب ثمن هذا التنافس سنوات طويلة.



