مقالات

روسيا تختار مصر لتوطين صناعة المسيرات.. ما وراء التحول في الإستراتيجية العسكرية الروسية؟

بقلم : يوحنا عزمي

لم يكن الإعلان الروسي عن مناقشة توطين إنتاج الطائرات المسيّرة داخل مصر مجرد خبر صناعي عابر، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره خطوة منفصلة عن التحولات التي تشهدها السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط وأفريقيا.

فخلف هذا الإعلان توجد حسابات إستراتيجية واقتصادية وعسكرية تتجاوز حدود التعاون التقليدي في مجال التسليح، وتعكس توجهاً روسياً نحو الانتقال من نموذج بيع الأسلحة الجاهزة إلى نموذج أوسع يقوم على نقل التكنولوجيا، وتوطين بعض مراحل التصنيع ، وإنشاء شراكات إنتاجية طويلة الأمد مع الدول ذات الأهمية الجيوسياسية.

فوزير الصناعة والتجارة الروسي أعلن عن إجراء شركات روسية متخصصة في أنظمة الطائرات المسيرة مباحثات مع مسؤولين مصريين بشأن إمكانية إنشاء قدرات إنتاجية لهذه المنظومات داخل مصر. وهذه النقطة تحديداً تستحق التوقف أمامها، لأن الحديث هنا لا يتعلق بمجرد توريد طائرات مسيرة روسية إلى القاهرة، وإنما ببحث إمكانية بناء قاعدة إنتاجية محلية، وهو ما يفتح الباب أمام شكل مختلف من العلاقات العسكرية والصناعية بين البلدين.

والأهم أن هذا التوجه يأتي في وقت اكتسبت فيه روسيا خبرات عملياتية وصناعية واسعة في مجال الطائرات المسيرة ، نتيجة استخدامها المكثف لهذه المنظومات خلال الحرب الأوكرانية، وما فرضته الحرب من ضرورة تطوير قدرات الإنتاج، وخفض التكلفة، وزيادة معدلات التصنيع ، وتحسين أنظمة الاستطلاع والتوجيه والتشغيل.

بمعنى آخر، روسيا لم تعد تنظر إلى الطائرات المسيرة باعتبارها مجرد منتج عسكري تصدّره إلى الخارج، وإنما باعتبارها صناعة متكاملة يمكن توظيفها اقتصاديًا وسياسياً وعسكرياً، وتأسيس علاقات طويلة الأمد مع الدول المستوردة من خلالها.

لماذا مصر تحديداً ؟

اختيار مصر ليس أمراً عشوائياً من المنظور الروسي، وإنما يرتبط بمجموعة من الاعتبارات التي تجعل القاهرة شريكاً ذا قيمة استراتيجية في الحسابات الروسية.

أول هذه الاعتبارات يتعلق بطبيعة العلاقة السياسية بين البلدين. فمنذ عام 2013 شهدت العلاقات المصرية الروسية مسارًا من التقارب والتوسع في مجالات التعاون المختلفة، وصولاً إلى تدشين صيغة الحوار الاستراتيجي بصيغة «2+2»، التي تجمع وزيري الخارجية والدفاع في البلدين، بما يعكس وجود مستوى مؤسسي متقدم للتنسيق في الملفات السياسية والعسكرية والأمنية.

ومن وجهة النظر الروسية، فإن استقرار توجهات الدولة المصرية ومؤسساتها يمثل عاملاً مهماً عند التفكير في استثمارات دفاعية وصناعية تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها. فهذه المشروعات لا تقوم على صفقة تجارية قصيرة الأجل، وإنما على ترتيبات إنتاجية وتكنولوجية وتعاقدية ممتدة.

أما الاعتبار الثاني، فيرتبط بما تمتلكه مصر من بنية تحتية صناعية وقاعدة إنتاجية وخبرات بشرية ومؤسسات قادرة على استيعاب مشروعات التصنيع المشترك ، رغم التحديات التي لا تزال تواجه قطاعات التعليم الفني والبحث العلمي والتطوير التكنولوجي.

وهنا تظهر المصلحة الروسية بصورة واضحة؛ فموسكو تستطيع الاستفادة من المنشآت الصناعية المصرية ، والعمالة ، والموقع الجغرافي، والقدرة على الوصول إلى الأسواق الإقليمية، بينما تستطيع مصر الاستفادة من دخول تكنولوجيا جديدة إلى قطاعها الصناعي، ورفع كفاءة العمالة ، وتوسيع قاعدة التصنيع المحلي، وخلق فرص عمل إضافية ، وتقليل الاعتماد الكامل على استيراد بعض المنظومات ومكوناتها.

لكن يجب الانتباه إلى أن توطين الإنتاج لا يعني بالضرورة امتلاك التكنولوجيا كاملة منذ البداية ، فهناك فارق كبير بين تجميع المكونات المستوردة، والتصنيع الجزئي، ونقل المعرفة الفنية، ثم الوصول إلى إنتاج محلي متقدم يتضمن التصميم والتطوير والاختبار. وهذه مراحل مختلفة، ولكل منها متطلبات وتكاليف واتفاقات خاصة.

أما الاعتبار الثالث ، فهو الموقع الجغرافي لمصر ، الذي يمثل أحد أهم عناصر الجاذبية بالنسبة إلى موسكو.

فمصر ليست مجرد سوق استهلاكية كبيرة ، وإنما تقع عند نقطة اتصال استراتيجية بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، وتطل على البحرين المتوسط والأحمر، وتتمتع بقربها من أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق القارة. وبالتالي ، فإن إنشاء قاعدة إنتاجية روسية مصرية قد يمنح الشركات الروسية فرصة للوصول إلى أسواق إقليمية أوسع، إذا توافرت الترتيبات التجارية والتراخيص اللازمة.

وهذا يعني أن القيمة الحقيقية للمشروع المحتمل قد لا تتوقف عند تلبية احتياجات السوق المصرية، وإنما يمكن أن تمتد إلى بناء مركز إقليمي للتصنيع والتجميع والتسويق.

هل يرتبط هذا التحرك الروسي بتسليح إثيوبيا؟

هنا يجب الفصل بين مسارين مختلفين في السياسة الروسية، حتى لا تختلط الحسابات الاستراتيجية بعضها ببعض.

فالتعاون العسكري والصناعي المحتمل بين موسكو والقاهرة لا يعني بالضرورة أن التحركات الروسية في إثيوبيا تستهدف مصر بصورة مباشرة ، كما أن تسليح إثيوبيا لا يمكن تفسيره تلقائياً باعتباره جزءًا من مواجهة روسية مصرية.

روسيا تتحرك في أفريقيا وفق استراتيجية أوسع تستهدف توسيع نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، والحفاظ على علاقاتها مع أكبر عدد ممكن من الأطراف الإقليمية ، حتى وإن كانت لهذه الأطراف حسابات ومصالح متعارضة.

وبالتالي، فإن موسكو قد تتعاون مع مصر في مجالات التسليح والتصنيع، وفي الوقت نفسه تسعى إلى تعزيز حضورها العسكري وعلاقاتها الدفاعية مع دول أفريقية أخرى، من بينها إثيوبيا، وفقاً لحسابات مختلفة.

هذه هي طبيعة السياسة الروسية القائمة على تعدد الشراكات وتوسيع دوائر النفوذ، وليس بالضرورة الانحياز المطلق لطرف على حساب آخر.

والفارق هنا أن مصر تمثل بالنسبة إلى روسيا شريكاً محورياً في شرق المتوسط والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بينما تمثل إثيوبيا موقعاً مهماً في حسابات القرن الأفريقي والبحر الأحمر والعمق الأفريقي.

ومن ثم، فإن قراءة التحركات الروسية يجب أن تنطلق من طبيعة المصالح التي تسعى موسكو إلى تحقيقها في كل منطقة، وليس من افتراض أن كل صفقة سلاح روسية في أفريقيا موجهة ضد القاهرة.

ماذا تريد روسيا من أفريقيا؟

لفهم التحرك الروسي في مصر، لا بد من النظر إلى الصورة الأكبر، وهي الإستراتيجية الروسية تجاه القارة الأفريقية.

روسيا تدرك أن المنافسة الدولية لم تعد مقتصرة على السيطرة العسكرية أو التحالفات السياسية التقليدية، وإنما أصبحت المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية أحد أهم محددات النفوذ الدولي.

وأفريقيا هنا تمثل مساحة إستراتيجية بالغة الأهمية، فهي تمتلك احتياطيات ضخمة من الموارد الطبيعية والمعادن الاستراتيجية ومصادر الطاقة ، فضلًا عن أسواق استهلاكية واسعة ، وموقع جغرافي يتحكم في عدد من أهم الممرات البحرية والتجارية العالمية.

لكن المشكلة أن جزءًا كبيراً من هذه الإمكانات لا يزال غير مستغل بصورة كافية، نتيجة ضعف البنية الإنتاجية، ومحدودية التصنيع المحلي، وتحديات التمويل والتعليم والتكنولوجيا والحوكمة في عدد من الدول الأفريقية.

وهذا تحديداً ما يمنح القوى الدولية فرصة لبناء نفوذ طويل الأمد داخل القارة.

روسيا لا تبحث فقط عن بيع الأسلحة وتحقيق عائدات مالية مباشرة، وإنما تسعى إلى بناء شبكة من المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية تجعل وجودها داخل الدول الأفريقية أكثر استدامة.

فحين تدخل دولة ما في شراكة عسكرية مع موسكو، فإن العلاقة لا تتوقف عادة عند شراء المعدات، بل قد تمتد إلى التدريب والصيانة وقطع الغيار وتحديث المنظومات وتبادل الخبرات والتعاون الفني.

وإذا أضيف إلى ذلك التعاون الصناعي والاستثمارات في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية ، فإننا نكون أمام شبكة مصالح يصعب اختزالها في مجرد صفقات تسليح.

بمعنى أكثر وضوحاً ، روسيا تحاول تحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ اقتصادي ، وتحويل التعاون الاقتصادي إلى علاقات استراتيجية طويلة الأجل.

وهذا لا يعني أن موسكو تتحرك وحدها في هذه المساحة، فالصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وتركيا وغيرها من القوى الدولية والإقليمية تتنافس أيضاً على الفرص الاقتصادية والسياسية والأمنية داخل أفريقيا.

ومن هنا يمكن فهم أهمية مصر بالنسبة إلى الاستراتيجية الروسية، فالقاهرة تمنح موسكو فرصة للتواجد في منطقة تتقاطع فيها المصالح الأفريقية والعربية والمتوسطية، فضلًا عن كونها دولة تمتلك ثقلاً سياسياً وعسكرياً ومؤسسات صناعية وبنية تحتية يمكن البناء عليها.

لماذا تستعرض روسيا قدراتها العسكرية في مصر؟

هناك جانب آخر لا يقل أهمية عن مشروع توطين الطائرات المسيّرة، وهو حرص روسيا على استعراض أحدث ما توصلت إليه صناعتها الدفاعية أمام الأسواق الإقليمية.

وقد ظهر ذلك بوضوح خلال معرض مصر الدولي للطيران 2026، الذي استضاف عروضاً روسية لأنظمة دفاعية متخصصة في مواجهة الطائرات المسيّرة.

ومن أبرز هذه الأنظمة منظومة TKB-1167، التي كشفت عنها مؤسسة «روستيخ» الروسية للمرة الأولى خارج روسيا، خلال المعرض الذي أقيم في العلمين خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر 2026.

وهذه المنظومة تستحق الاهتمام، لأنها تعكس جانباً من التحول الذي فرضته الحروب الحديثة على الصناعات العسكرية.

فهي مصممة لحماية المنشآت الحيوية والبنية التحتية من الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، والتي أصبحت تمثل تحدياً متزايداً لأنظمة الدفاع التقليدية.

وتعتمد المنظومة على رشاشات PKT بعيار 7.62 ملم، وتضم أنظمة للكشف عن الأهداف الجوية الصغيرة وتعقبها تلقائياً ، ثم تمرير بيانات تحديد الهدف إلى منصات الرشاشات، بينما يحتفظ المشغل البشري بقرار إطلاق النار. rostec.ru +1

وهنا تظهر الفكرة العسكرية الأساسية: لم تعد مواجهة الطائرات المسيّرة تتطلب دائماً استخدام صواريخ دفاع جوي مرتفعة التكلفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأهداف صغيرة ورخيصة نسبياً.

فالتحدي الحقيقي أصبح يتمثل في تحقيق معادلة اقتصادية وعسكرية متوازنة، بحيث لا تضطر الدولة إلى استخدام صاروخ باهظ الثمن لإسقاط طائرة مسيرة منخفضة التكلفة.

وهذا هو أحد أهم الدروس التي أفرزتها الحروب والصراعات العسكرية الأخيرة، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة عنصراً أساسياً في الاستطلاع والهجوم والاستنزاف، وفرضت على الجيوش إعادة التفكير في بنية الدفاع الجوي وأساليب حماية المنشآت الحيوية.

وبالتالي، فإن عرض روسيا لهذه المنظومة في مصر لا يمثل مجرد استعراض تقني ، وإنما يندرج أيضاً ضمن استراتيجية تسويقية وعسكرية تستهدف تعريف الأسواق الإقليمية بمنتجاتها الجديدة، وإظهار قدرتها على تقديم حلول دفاعية تتناسب مع طبيعة التهديدات المستجدة.

فالرسالة الروسية هنا تتجاوز حدود المنتج نفسه: موسكو تريد أن تقول للدول التي تواجه تهديدات أمنية متغيرة إنها تمتلك حلولًا عسكرية قابلة للتطوير والدمج ضمن منظومات الدفاع القائمة.

هل يمكن أن نشهد بداية التصنيع الروسي للطائرات المسيرة في مصر عام 2027؟

إذا انتقلت المباحثات الحالية إلى اتفاقات تنفيذية، فمن الممكن أن نشهد خلال عام 2027 خطوات أولية في اتجاه إنشاء قدرات إنتاجية مشتركة، لكن من المهم عدم التعامل مع هذا التوقيت باعتباره موعدًا رسميًا مؤكدًا لبدء الإنتاج.

والسيناريو الصناعي المحتمل قد يمر بعدة مراحل متدرجة:

مرحلة التجميع : استيراد المكونات الروسية وتجميعها داخل منشآت صناعية مصرية.

مرحلة التصنيع الجزئي: البدء في إنتاج بعض المكونات محلياً، مع استمرار الاعتماد على التكنولوجيا والمكونات الأساسية الروسية.

مرحلة نقل المعرفة الفنية: تدريب الكوادر المصرية وتطوير القدرات الهندسية والتقنية المرتبطة بتصنيع هذه المنظومات وصيانتها.

مرحلة التوسع الإنتاجي: زيادة نسبة المكون المحلي ، وتطوير قدرات الاختبار والتحديث، وربما الانتقال إلى إنتاج بعض الطرازات أو المكونات بصورة مشتركة.

لكن الوصول إلى المراحل المتقدمة سيظل مرتبطاً بطبيعة الاتفاق النهائي ، وحجم الاستثمارات ، ونطاق التكنولوجيا التي ستوافق روسيا على نقلها ، ومدى قدرة الجانب المصري على استيعابها وتطويرها.

وهنا يجب التأكيد على نقطة مهمة: القيمة الحقيقية لأي مشروع لتوطين الصناعات الدفاعية لا تُقاس بعدد الوحدات التي يتم تجميعها داخل الدولة، وإنما بمقدار المعرفة الفنية والقدرة الإنتاجية المستقلة التي تكتسبها الدولة بمرور الوقت.

ما المكسب الإستراتيجي لمصر من هذا التقارب؟

من المهم ألا ننظر إلى الأمر من زاوية المكاسب الروسية وحدها، فالقاهرة لديها أيضاً مجموعة من المصالح التي يمكن تحقيقها من خلال هذا النوع من التعاون.

أولها تنويع مصادر التكنولوجيا والتسليح، وعدم الاعتماد على مورد واحد في قطاع بالغ الحساسية مثل الصناعات الدفاعية.

وثانيها الاستفادة من الخبرات الروسية في مجال الطائرات المسيّرة وأنظمة مكافحة المسيّرات، خصوصاً أن طبيعة الصراعات الإقليمية الحالية جعلت هذه المنظومات جزءًا أساسياً من معادلات الأمن القومي.

وثالثها تطوير الصناعات المصرية ذات الصلة بالإلكترونيات والاتصالات وأنظمة التحكم والمواد الهندسية، وهي قطاعات يمكن أن تستفيد من أي مشروع جاد لنقل التكنولوجيا.

أما المكسب الرابع، فيتعلق بتحويل مصر تدريجياً من مجرد سوق لشراء المنتجات العسكرية إلى شريك في إنتاجها وتطويرها، وهو تحول يحمل أهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة إذا جرى تنفيذه وفق شروط تحقق مصالح الدولة المصرية.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الشراكة يتطلب وضوحاً في حقوق الملكية الفكرية، ونسب المكون المحلي، والتزامات نقل التكنولوجيا، وضمانات الصيانة وتوافر قطع الغيار، فضلًا عن تقييم أثر العقوبات الغربية على المعاملات المالية والتكنولوجية المرتبطة بالشركات الروسية.

فليس كل اتفاق يحمل عنوان «توطين الصناعة» يعني بالضرورة تحقيق استقلال تكنولوجي، ولذلك ينبغي تقييم النتائج الفعلية وليس الاكتفاء بالعناوين الإعلامية.

روسيا لا تبيع السلاح فقط .. بل تسعى إلى بناء منظومة نفوذ

إذا وضعنا الإعلان عن توطين إنتاج الطائرات المسيرة في مصر بجوار التحركات الروسية في أفريقيا ، والتوسع في الصناعات الدفاعية، واستعراض منظومات مكافحة المسيرات، سنجد أننا أمام اتجاه روسي يسعى إلى إعادة تشكيل أدوات حضوره الدولي.

موسكو تدرك أن قدرتها على المنافسة لا تتوقف على امتلاك السلاح المتطور، وإنما تمتد إلى قدرتها على إنتاجه وتسويقه وصيانته، وإقامة شراكات صناعية وعسكرية مع الدول التي تمثل أسواقاً إستراتيجية بالنسبة إليها.

ومن هذا المنطلق، تبدو مصر شريكاً مهماً في الحسابات الروسية، ليس فقط بسبب حجمها وثقلها السياسي والعسكري، وإنما بسبب موقعها الجغرافي وإمكاناتها الصناعية وصلاتها بأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا.

وفي المقابل، فإن القاهرة أمام فرصة للاستفادة من هذا التوجه، بشرط أن يكون التعاون قائماً على نقل حقيقي للتكنولوجيا، وتعزيز التصنيع المحلي ، وتطوير البحث العلمي ، وليس مجرد تجميع منتجات مستوردة تحت مسمى التصنيع المشترك.

أما فيما يتعلق بإثيوبيا، فالأفضل قراءة التحركات الروسية هناك باعتبارها جزءًا من تنافس أوسع على النفوذ في القرن الأفريقي، دون افتراض وجود علاقة سببية مباشرة بين أي تعاون روسي مع أديس أبابا وبين التعاون الصناعي المحتمل مع القاهرة.

والسؤال الأهم الذي ينبغي أن نراقبه خلال المرحلة المقبلة ليس فقط: هل ستصنع مصر طائرات مسيرة بالتعاون مع روسيا؟

وإنما: إلى أي مدى ستتمكن مصر من تحويل هذا التعاون إلى قدرة صناعية وتكنولوجية وطنية حقيقية؟

لأن الفارق بين شراء السلاح وصناعته هو الفارق بين امتلاك أداة عسكرية، وامتلاك جزء من القوة الاقتصادية والتكنولوجية التي تنتج هذه الأداة.

وهذا تحديداً ما يجعل الإعلان الروسي جديراً بالمتابعة والتحليل، ليس باعتباره صفقة تسليح جديدة، وإنما باعتباره مؤشراً محتملًا على مرحلة مختلفة من العلاقات المصرية الروسية، تتداخل فيها حسابات الصناعة والاقتصاد والأمن القومي والنفوذ الإقليمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى