مقالات

إيران بين «أم القنابل» والخيار النووي.. هل يدفع نتنياهو ترامب إلى تكرار سيناريو هيروشيما؟

بقلم : يوحنا عزمي

لم يعد الحديث عن احتمالات تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران مجرد تكهنات سياسية أو رسائل ضغط متبادلة، بل بدأ يأخذ أبعادًا أكثر خطورة مع تداول تقارير أمريكية عن إعداد خطط عسكرية جديدة تتضمن استخدام واحدة من أضخم القنابل التقليدية في الترسانة الأمريكية، المعروفة باسم «أم القنابل»، لاستهداف منشآت نووية وعسكرية إيرانية ، بما فيها منشأة جبل «بيك آكس» أو ما يُعرف إعلامياً باسم «جبل الفأس».

لكن السؤال الأهم هنا ليس فقط: هل تستعد واشنطن لضرب إيران مجدداً ؟ وإنما : إلى أي مدى يمكن أن تذهب هذه المواجهة؟ وهل وصل التفكير داخل الدوائر الإسرائيلية إلى طرح الخيار النووي باعتباره وسيلة لإنهاء التهديد الإيراني بصورة نهائية؟

لفهم أبعاد المشهد ، علينا أن ننظر إلى القضية من زاويتين متداخلتين: الحسابات الإسرائيلية التي تتعامل مع إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً طويل الأمد، والحسابات الأمريكية التي تحاول الموازنة بين توجيه ضربة عسكرية مؤثرة وبين تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها.

أولاً : لماذا أصبحت منشأة «جبل الفأس» محور الإهتمام الأمريكي والإسرائيلي؟

تكمن أهمية هذه المنشأة في طبيعة موقعها الجغرافي والتحصينات الهندسية المحيطة بها ، إذ تشير التقارير المتداولة إلى أنها منشأة مرتبطة بالأنشطة النووية الإيرانية ، وتقع داخل منطقة جبلية شديدة التحصين ، بما يجعل الوصول إلى مكوناتها الداخلية وتدميرها باستخدام الأسلحة التقليدية أمراً بالغ التعقيد.

وتشير التغطيات الأمريكية إلى أن المنشأة محاطة بطبقات كثيفة من الصخور الجرانيتية ، وأن طبيعة التحصينات والعمق تحت الأرض يطرحان تحديات كبيرة أمام أي عملية عسكرية تستهدف تدميرها بصورة كاملة.

وهنا تظهر المعضلة العسكرية الحقيقية: قد تتمكن الولايات المتحدة من استهداف منشآت نووية مكشوفة أو منشآت ذات تحصينات محدودة، لكن التعامل مع منشأة مدفونة داخل جبل ومحاطة بطبقات صخرية شديدة الصلابة يختلف تماماً.

ومن هذا المنطلق، فإن أي معلومات استخباراتية إسرائيلية تزعم استئناف إيران أنشطة تخصيب أو إعادة تشغيل أجزاء من برنامجها النووي داخل هذه المنشأة ، ستتحول بالضرورة إلى عنصر ضغط على دوائر صنع القرار في واشنطن.

لكن من المهم التمييز بين ما أوردته التقارير عن طبيعة المنشأة والتحصينات المحيطة بها ، وبين الادعاءات المتعلقة بوجود معلومات استخباراتية إسرائيلية تثبت استئناف التخصيب داخلها، فهذه الأخيرة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقيقة مستقلة مؤكدة دون أدلة منشورة.

ثانياً : لماذا يمثل نتنياهو طرفاً أساسياً في هذا التصعيد؟

لفهم الموقف الإسرائيلي، علينا أن نضع أنفسنا داخل طريقة التفكير الاستراتيجي التي تحكم العقيدة الأمنية الإسرائيلية.

فإسرائيل لا تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره مجرد ملف تقني يتعلق بتخصيب اليورانيوم أو امتلاك قدرات نووية مستقبلية وإنما باعتباره جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بتوازن القوى في الشرق الأوسط.

فإيران تمتلك قدرات صاروخية وباليستية ، وبرنامجاً متقدماً للطائرات المسيرة، وشبكة من الحلفاء والقوى المسلحة المنتشرة في أكثر من ساحة إقليمية ، وهو ما يمنحها القدرة على تهديد المصالح الإسرائيلية والأمريكية بصورة متزامنة.

ومن وجهة النظر الإسرائيلية، فإن بقاء هذه القدرات، حتى بعد تعرض إيران لضربات عسكرية، يعني أن المشكلة لم تُحل بصورة نهائية.

وهنا يمكن فهم إصرار نتنياهو على إبقاء الملف الإيراني في صدارة أولويات الإدارة الأمريكية ، ومحاولته دفع واشنطن إلى تبني استراتيجية أكثر حسمًا تجاه طهران.

لكن هناك فارقاً مهماً بين الضغط الإسرائيلي لتوسيع نطاق الضربات التقليدية، وبين وجود قرار إسرائيلي أو أمريكي باستخدام السلاح النووي ، فلا يوجد في التقارير المنشورة التي تناولت خطط «أم القنابل» ما يثبت أن واشنطن اتخذت قراراً باستخدام سلاح نووي ضد إيران.

ثالثاً : ماذا يقول البنتاجون والقيادات العسكرية الأمريكية؟

هنا نصل إلى الجزء الأكثر أهمية في المشهد.

فبحسب تقرير لشبكة CNN نشرته في 14 أكتوبر 2026، وأكدت رويترز وجود تغطية إعلامية له في اليوم التالي، أعدت المؤسسة العسكرية الأمريكية خيارات جديدة لاستهداف مواقع إيرانية، تشمل إمكانية استخدام القنبلة الضخمة GBU-43/B، المعروفة باسم «أم القنابل» أو MOAB.

وتشير التقارير إلى أن هذه الخيارات قد تشمل منشآت الطاقة والمواقع المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، بما فيها منشأة جبل «بيك آكس».

لكن اللافت في هذه التقارير ليس مجرد إدراج القنبلة ضمن الخيارات العسكرية، وإنما وجود شكوك لدى بعض المسؤولين العسكريين بشأن قدرتها الفعلية على تحقيق الأهداف المطلوبة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمنشآت عميقة تحت الأرض ومحاطة بصخور شديدة الصلابة.

وهنا يجب توضيح نقطة فنية مهمة: قنبلة MOAB هي أكبر قنبلة تقليدية غير نووية في الترسانة الأمريكية من حيث القوة التفجيرية، لكنها ليست قنبلة خارقة للتحصينات العميقة بالمعنى التقني الذي يسمح بافتراض قدرتها على اختراق مئات الأمتار من الصخور.

بمعنى آخر، امتلاك واشنطن قنبلة شديدة التدمير لا يعني بالضرورة امتلاكها القدرة على تدمير كل منشأة محصنة تحت الأرض.

وهذا يفسر لماذا لا تزال الخيارات العسكرية محل نقاش، ولماذا لا يمكن اعتبار استخدام «أم القنابل» ضماناً لإنهاء البرنامج النووي الإيراني.

والأهم أن التقارير تتحدث عن خيارات وخطط احتياطية، وليس عن قرار رئاسي نهائي بشن هجوم جديد.

رابعاً : لماذا يقلق الإسرائيليون من إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية؟

المسألة هنا تتجاوز المنشآت النووية إلى ما هو أخطر من ذلك في الحسابات العسكرية الإسرائيلية.

فالتقارير والتحليلات المتعلقة بالمرحلة التالية من المواجهة تشير إلى أن إيران تسعى إلى استعادة جزء من قدراتها العسكرية التي تعرضت للاستنزاف خلال المواجهات السابقة ، سواء في مجال الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة أو منظومات القيادة والسيطرة.

كما أن وجود شبكات إمداد خارجية ومصادر متعددة للحصول على المكونات التكنولوجية والعسكرية يجعل عملية احتواء القدرات الإيرانية أكثر تعقيداً.

وفي هذا السياق ، كشفت تحقيقات وتقارير دولية حديثة عن استمرار إيران في استخدام شبكات واسعة من الشركات والكيانات التجارية للالتفاف على العقوبات وتأمين المعدات والمكونات المرتبطة بصناعاتها العسكرية.

وتحدثت رويترز في تحقيق نشرته يوم 29 أكتوبر 2026 عن شبكة تضم آلاف الكيانات المرتبطة بوزارة الدفاع الإيرانية، ساعدت طهران في استيراد معدات ومواد ومكونات يمكن استخدامها في برامج الصواريخ والطائرات المسيرة.

كما أشارت تقارير أخرى إلى استمرار التعاون العسكري والتكنولوجي بين روسيا وإيران، فضلًا عن تدفق بعض المكونات ذات الاستخدام المزدوج من الصين.

وهذا يعني أن إيران لا تعتمد فقط على ما تمتلكه بالفعل من مخزونات عسكرية، وإنما تحاول أيضًا الحفاظ على قدرتها على إعادة إنتاج جزء من هذه المنظومة وتعويض ما تتعرض له من خسائر.

وبالتالي، فإن أي مواجهة عسكرية جديدة لن تكون بالضرورة مواجهة مع قدرات إيران التي كانت موجودة قبل الحرب، وإنما مع دولة تحاول إعادة ترتيب منظومتها الدفاعية والهجومية في ضوء الدروس التي خرجت بها من المواجهات السابقة.

خامساً : لماذا قد تتحول إعادة بناء الترسانة الإيرانية إلى كابوس استراتيجي لإسرائيل؟

لأن المشكلة بالنسبة لإسرائيل ليست فقط في عدد الصواريخ التي تمتلكها إيران، وإنما في طبيعة المعادلة التي يمكن أن تُستخدم فيها هذه الصواريخ.

فإيران تمتلك قدرات تسمح لها بتهديد أهداف متعددة في المنطقة، كما أن وجود حلفاء لها في ساحات مختلفة يمنحها خيارات إضافية لتوسيع نطاق المواجهة.

ومن منظور التخطيط العسكري الإسرائيلي، فإن السماح لإيران باستعادة قدرتها على إطلاق موجات متزامنة من الصواريخ والطائرات المسيرة يعني احتمال العودة إلى مشهد صفارات الإنذار والملاجئ واستنزاف منظومات الدفاع الجوي.

وهنا تظهر معضلة إسرائيلية أساسية: كيف يمكن تحقيق ردع طويل الأمد لدولة تمتلك مساحة جغرافية كبيرة ، وعمقاً استراتيجياً ، وقدرات صاروخية، وشبكة علاقات عسكرية إقليمية؟

فالضربات الجوية ، مهما بلغت قوتها ، لا تضمن بالضرورة القضاء على جميع القدرات العسكرية لدولة بحجم إيران.

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل بعض الأصوات الإسرائيلية تميل إلى المطالبة بضربات أكثر شمولًا ، تستهدف ليس فقط المنشآت النووية، وإنما البنية العسكرية والصناعية التي تسمح لإيران بإعادة بناء قدراتها.

سادساً : هل يفكر نتنياهو في تكرار سيناريو هيروشيما وناجازاكي؟

هذه النقطة تحتاج إلى قراءة سياسية دقيقة.

فمن الممكن فهم منطق التصعيد الإسرائيلي من خلال استحضار التجربة الأمريكية في الحرب العالمية الثانية، عندما استخدمت واشنطن القنابل النووية ضد هيروشيما وناجازاكي عام 1945، في سياق سعيها إلى إنهاء الحرب مع اليابان وإجبارها على الاستسلام.

لكن استحضار هذه التجربة في سياق المواجهة مع إيران لا يعني أن هناك قراراً باستخدام السلاح النووي ، ولا توجد أدلة منشورة كافية لإثبات أن نتنياهو قدم بالفعل طلباً رسمياً لترامب بتوجيه ضربة نووية إلى إيران.

ومع ذلك، فإن جوهر التفكير الذي يستحق التحليل هنا هو فكرة توجيه ضربة عسكرية هائلة تؤدي إلى إحداث صدمة استراتيجية لدى الخصم، بحيث يصبح استمرار الحرب بالنسبة إليه أكثر تكلفة من قبول تسوية سياسية.

وهذا ما يمكن تسميته باستراتيجية الإكراه العسكري: استخدام التفوق الناري لإجبار الطرف الآخر على تغيير حساباته السياسية والعسكرية.

لكن المشكلة أن هذه الاستراتيجية لا تحقق نتائجها دائماً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدولة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية متشعبة، وقيادة سياسية قادرة على توظيف الضربات الخارجية لتعزيز خطاب المقاومة والتعبئة الداخلية.

كما أن المقارنة بين اليابان عام 1945 وإيران في 2026 ليست مقارنة متطابقة ، فلكل دولة ظروفها الجغرافية والسياسية والعسكرية ، ولكل حرب حساباتها الخاصة.

سابعاً : أين تقف دول الخليج من هذه المعادلة؟

من الخطأ التعامل مع أي مواجهة أمريكية إيرانية باعتبارها صراعاً ثنائياً بين واشنطن وطهران أو بين تل أبيب وطهران فقط.

فدول الخليج ستكون من أكثر الأطراف تأثراً بأي تصعيد واسع، بحكم موقعها الجغرافي ، وارتباط اقتصاداتها بممرات الطاقة والتجارة الدولية، ووجود منشآت حيوية وقواعد عسكرية ومرافق استراتيجية في محيط مسرح العمليات.

ومن الممكن أن تجد هذه الدول نفسها أمام ضغوط أمنية وسياسية متزايدة، سواء فيما يتعلق بالتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، أو حماية منشآت الطاقة، أو تأمين الملاحة البحرية، أو التعامل مع احتمالات اتساع نطاق الهجمات الإيرانية.

لكن من الضروري عدم افتراض وجود اصطفاف خليجي موحد خلف خيار الحرب، فلكل دولة حساباتها ومصالحها، كما أن تكلفة المواجهة ستكون مرتفعة على الجميع.

فأي استهداف واسع لإيران قد يفتح الباب أمام تهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز ، ويؤثر في صادرات النفط والغاز، ويزيد تكاليف التأمين والشحن، ويخلق اضطرابات في الأسواق العالمية.

وبالتالي، فإن الدول العربية ليست مجرد أطراف تراقب المشهد من الخارج، وإنما ستكون جزءًا من تداعياته الاقتصادية والأمنية حتى لو لم تشارك بصورة مباشرة في العمليات العسكرية.

ثامناً : ماذا عن حزب الله والحوثيين وبقية القوى المرتبطة بإيران؟

أحد أهم عناصر القوة الإيرانية يتمثل في قدرتها على التأثير في أكثر من ساحة إقليمية.

فأي ضربة واسعة ضد طهران قد تدفع القوى المرتبطة بها إلى إعادة حساباتها، وقد تتحول بعض هذه الساحات إلى جبهات ضغط إضافية.

لبنان، على سبيل المثال، يظل ساحة شديدة الحساسية بسبب قدرات حزب الله العسكرية وطبيعة المواجهة مع إسرائيل.

واليمن يمثل بدوره نقطة ضغط استراتيجية بسبب الموقع الجغرافي للحوثيين بالقرب من البحر الأحمر وباب المندب، وما يمكن أن يترتب على أي تصعيد من تهديد لحركة التجارة والملاحة.

لكن ينبغي التمييز بين امتلاك هذه القوى قدرات عسكرية مستقلة وبين افتراض أنها ستتحرك تلقائياً وبالوتيرة نفسها استجابة لأي قرار إيراني، فلكل طرف حساباته وظروفه الداخلية والإقليمية.

ومع ذلك، فإن تعدد الجبهات المحتملة يظل عاملًا بالغ الأهمية في حسابات واشنطن وتل أبيب ، لأن الحرب التي تبدأ بضربة ضد منشأة نووية قد تتحول إلى مواجهة إقليمية متعددة المسارات.

تاسعاً : لماذا قد تكون فاتورة الحرب أكبر من قدرة المنطقة على تحملها؟

هنا نصل إلى جوهر القضية بالنسبة للدول العربية.

فإذا انتقلت المواجهة من الضربات المحدودة إلى حرب واسعة تستهدف المنشآت العسكرية والطاقة والبنية التحتية، فإن التداعيات لن تتوقف عند حدود إيران.

هناك احتمالات لاضطراب أسواق الطاقة، وارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكاليف النقل والتأمين ، وتراجع الاستثمارات ، وارتفاع الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة والغذاء.

كما أن استهداف منشآت الطاقة أو الممرات البحرية قد يخلق أزمة تتجاوز الشرق الأوسط إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

أما استخدام السلاح النووي، إن حدث، فسيكون تطوراً استثنائياً يتجاوز كل الحسابات التقليدية، إذ لن تقتصر آثاره على التدمير المباشر ، بل ستشمل مخاطر الإشعاع والتلوث البيئي والأزمات الإنسانية والتداعيات السياسية والقانونية الدولية.

وإيران، التي يقترب عدد سكانها من 93 مليون نسمة، ليست ساحة عسكرية محدودة يمكن افتراض أن تدمير عدد من منشآتها سيؤدي تلقائيًا إلى انتهاء قدرتها على المقاومة أو تفكك الدولة.

بل إن تدمير دولة بهذا الحجم قد يخلق فراغاً أمنياً وإنسانياً وسياسياً بالغ الخطورة ، ويفتح المجال أمام موجات من عدم الاستقرار قد تمتد آثارها إلى دول الجوار لسنوات طويلة.

عاشراً : من الرابح الحقيقي إذا تحولت المواجهة إلى حرب مفتوحة؟

قد تبدو إسرائيل مستفيدة من إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصًا إذا نجحت الضربات في تقليص التهديد الصاروخي والنووي الذي تعتبره خطراً استراتيجياً عليها.

لكن اختزال المشهد في أن إسرائيل ستكون الرابح الوحيد يتجاهل حقيقة أن الحرب الواسعة لا يمكن التحكم في جميع نتائجها، وأن استمرار الصراع قد يفرض على إسرائيل نفسها تكاليف أمنية وعسكرية واقتصادية كبيرة.

وفي المقابل، ستواجه الولايات المتحدة تحدياً آخر يتعلق بتكلفة الانخراط العسكري، وحماية قواتها وقواعدها في المنطقة، والحفاظ على أمن حلفائها ، فضلًا عن التداعيات المحتملة على علاقاتها الدولية وأولوياتها الاستراتيجية الأخرى.

أما الدول العربية، فستجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة: كيف تحمي أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية دون أن تتحول إلى جزء من حرب لا تملك وحدها قرار بدايتها أو نهايتها؟

وهنا تبرز أهمية المسار الدبلوماسي، ليس باعتباره تنازلًا عن المصالح الأمنية، وإنما باعتباره وسيلة لتجنب سيناريو قد تكون تكلفته أكبر بكثير من المكاسب التي يتصورها أي طرف.

ما يحدث حول الملف الإيراني يكشف عن صراع يتجاوز مسألة تخصيب اليورانيوم أو استهداف منشأة نووية بعينها، نحن أمام محاولة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط، وتحديد حدود النفوذ الإيراني، ومستقبل الدور الإسرائيلي، وطبيعة الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة.

والسؤال الذي يجب أن يشغل العواصم العربية الآن ليس فقط: هل ستضرب الولايات المتحدة إيران مجدداً ؟

بل الأهم: ماذا سيحدث في اليوم التالي للضربة؟

هل ستؤدي إلى تسوية سياسية تحد من التوترات، أم ستفتح الباب أمام جولة جديدة من الصراع متعدد الجبهات؟ وهل تستطيع واشنطن وتل أبيب ضمان أن إيران لن تستعيد قدراتها العسكرية بعد سنوات من الحرب؟ أم أن المنطقة ستجد نفسها أمام دورة جديدة من التصعيد والاستنزاف؟

إن أخطر ما في المشهد هو الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على إنتاج استقرار دائم.

فقد تستطيع القنابل تدمير المنشآت، وقد تنجح الصواريخ في إلحاق خسائر ضخمة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأزمات السياسية والاستراتيجية التي أنتجت الصراع قد انتهت.

وبالنسبة للدول العربية، فإن منع الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة ليس مجرد موقف دبلوماسي ، بل ضرورة تتعلق بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي ومستقبل المنطقة بأكملها.

فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى هيروشيما جديدة، ولا إلى حرب أخرى تُترك حسابات نهايتها للأجيال القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى