الضربات الأمريكية على جزيرة قشم الإيرانية.. رسائل تتجاوز حدود المواجهة العسكرية وتكشف ملامح إستراتيجية واشنطن للضغط على طهران

بقلم : يوحنا عزمي
ما استوقفني في الضربات الأمريكية التي أُعلن عنها أمس ضد أهداف إيرانية، ليس مجرد تنفيذ عملية عسكرية جديدة في سياق المواجهة المستمرة بين واشنطن وطهران ، وإنما أمران تحديداً أعتقد أنهما يحملان دلالات سياسية واستراتيجية تتجاوز بكثير حدود الاستهداف العسكري المباشر.
الأمر الأول يتعلق بتوقيت الإعلان عن هذه الضربات، في ظل استمرار الإدارة الأمريكية ، بقيادة دونالد ترامب ، في الترويج لإمكانية التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران، وإنهاء حالة التوتر عبر التفاوض. فالإعلان عن عمليات عسكرية محدودة نُفذت خلال الأسابيع الماضية ، بالتزامن مع الحديث عن فرص التسوية السياسية، يطرح تساؤلًا مهماً حول طبيعة الاستراتيجية الأمريكية: هل تتحرك واشنطن بالفعل نحو إتفاق تفاوضي ، أم أنها تستخدم القوة العسكرية بالتوازي مع المسار الدبلوماسي لفرض شروطها على طهران؟
أما الأمر الثاني ، فيتعلق بالموقع الجغرافي للضربات ، وتحديداً جزيرة قشم الإيرانية، الواقعة في منطقة شديدة الحساسية بالقرب من مضيق هرمز ، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، والذي تمر عبره نسبة مؤثرة من تجارة الطاقة العالمية.
وهنا تحديداً تبدأ قراءة المشهد بصورة أكثر عمقاً، لأن إختيار الموقع، إلى جانب توقيت الإعلان، يفتح الباب أمام مجموعة من الرسائل العسكرية والسياسية والإقليمية التي ينبغي التوقف عندها.
أولاً : الدبلوماسية الأمريكية .. التفاوض تحت ضغط القوة
يمكن قراءة السلوك الأمريكي في إطار استراتيجية تقوم على الجمع بين المسار الدبلوماسي والضغط العسكري، وهي مقاربة تُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بمفهوم الدبلوماسية القسرية.
بمعنى أن واشنطن لا تضع أمام طهران خيار التفاوض وحده، وإنما تجعل استمرار التصعيد العسكري حاضراً باعتباره البديل المحتمل في حال فشل المفاوضات.
الرسالة الأمريكية، وفق هذه القراءة، تقوم على معادلة واضحة: أمام إيران فرصة للوصول إلى تفاهم سياسي يضمن لها تجنب مواجهة عسكرية أوسع، لكن هذه الفرصة ترتبط بمدى استعدادها لتقديم تنازلات جوهرية ، وفي مقدمتها ملفها النووي ومستوى طموحاتها الاستراتيجية والإقليمية.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط ببرنامج تخصيب اليورانيوم، وإنما بطبيعة الدور الإيراني في المنطقة ، وقدرتها على الاحتفاظ بأدوات النفوذ التي تمنحها أوراق ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
ومن ثم، فإن استمرار العمليات العسكرية المحدودة بالتزامن مع الانفتاح على التفاوض يمكن أن يُقرأ باعتباره محاولة أمريكية لإعادة تشكيل حسابات القيادة الإيرانية، ورفع تكلفة رفض المطالب الأمريكية.
لكن هناك نقطة مهمة: لا يمكن الجزم بأن واشنطن تعرض على القيادة الإيرانية ضماناً لبقائها في السلطة مقابل التخلي عن طموحاتها النووية؛ فهذه فرضية سياسية تحتاج إلى أدلة مستقلة. الأرجح أن الولايات المتحدة تحاول دفع طهران إلى إدراك أن تكلفة الاستمرار في المواجهة قد تصبح أكبر من تكلفة التسوية.
ثانياً : لماذا جزيرة قشم؟.. الجغرافيا هنا جزء من المعركة
اختيار جزيرة قشم ليس تفصيلًا جغرافياً عابراً ، إذا صحت المعلومات المتداولة بشأن طبيعة الأهداف التي تعرضت للقصف.
فالجزيرة تقع بالقرب من مضيق هرمز، وتتمتع بأهمية جغرافية وعسكرية كبيرة بحكم موقعها المطل على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وتكمن أهمية المنطقة في أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر لعبور ناقلات النفط ، وإنما يمثل نقطة اختناق استراتيجية يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط شديدة التأثير في أي مواجهة إقليمية.
فأي تهديد لحركة الملاحة عبر المضيق لا ينعكس على إيران ودول الخليج وحدها، بل يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة العالمية، وتكاليف النقل والتأمين البحري ، وسلاسل الإمداد الدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن استهداف مواقع عسكرية مرتبطة بالدفاع الجوي أو الصواريخ ، إذا تأكدت طبيعتها، يحمل دلالات تتجاوز تدمير المعدات العسكرية ذاتها.
ثالثاً : البعد العسكري.. تقليص هامش المناورة الإيرانية
إذا كانت الأهداف التي استُهدفت في جزيرة قشم تشمل منظومات دفاع جوي أو قدرات صاروخية، فإن ذلك يعكس محاولة أمريكية لتقليص بعض القدرات الإيرانية القريبة من مضيق هرمز.
وهنا يمكن فهم الضربات باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحسين البيئة العملياتية للقوات الأمريكية، وحماية السفن والمنشآت والأصول العسكرية التابعة لها في منطقة الخليج.
فواشنطن تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة مع إيران لن تبدأ بالضرورة بضرب العمق الإيراني فقط، وإنما قد تتخذ شكلًا متدرجاً من الاشتباكات البحرية والصاروخية والهجمات غير المباشرة.
وبالتالي، فإن إضعاف بعض القدرات العسكرية الإيرانية القريبة من الممرات البحرية الحساسة قد يمنح القوات الأمريكية هامش حركة أكبر ، ويحد من قدرة طهران على استخدام هذه القدرات لفرض معادلات ردع جديدة.
لكن الأهم أن الضربات المحدودة لا تعني بالضرورة امتلاك الولايات المتحدة القدرة على تحييد كامل القدرات الإيرانية ، خصوصاً أن إيران تعتمد على منظومة عسكرية متعددة الطبقات، وتملك وسائل متنوعة للرد غير التقليدي.
رابعاً : البعد الاستراتيجي.. مضيق هرمز يتحول إلى مركز ثقل المواجهة
الرسالة الأمريكية الأهم هنا تتعلق بأمن الملاحة البحرية.
فالولايات المتحدة تريد التأكيد أن حرية حركة السفن في مضيق هرمز تمثل مصلحة استراتيجية لا تقبل التفاوض تحت التهديد العسكري الإيراني.
وهذا يعني أن واشنطن تحاول رسم خط أحمر جديد في منطقة الخليج، مفاده أن أي محاولة لاستهداف السفن أو تهديد القوات الأمريكية أو تعطيل حركة الملاحة الدولية قد تواجه برد عسكري مباشر.
لكن هذه الرسالة تحمل في الوقت نفسه مخاطرة استراتيجية، لأن تحويل أمن الملاحة إلى مبرر لتوسيع العمليات العسكرية قد يفتح الباب أمام تدويل المواجهة ، ويمنح أطرافاً دولية أخرى مبررات للمشاركة تحت عنوان حماية التجارة الدولية.
ومن هنا تبرز أهمية الدور الأوروبي، وإمكانية انخراط بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة في ترتيبات بحرية وأمنية، وإن كان ذلك لا يعني تلقائياً دخول حلف شمال الأطلسي بكامل قوته في أي مواجهة.
خامساً : الحسابات الأمريكية الداخلية.. ترامب بين الردع والانتخابات
لا يمكن فصل التحركات العسكرية الأمريكية عن الحسابات السياسية الداخلية، خصوصاً في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
فأي إدارة أمريكية تتحرك عسكرياً في الخارج تضع في حساباتها تأثير ذلك على الرأي العام الداخلي ، وأسعار الطاقة ، ومواقف الناخبين، ومدى استعداد المجتمع الأمريكي لتحمل تكلفة مواجهة جديدة في الشرق الأوسط.
وبالنسبة إلى ترامب ، فإن تقديم الضربات باعتبارها عمليات محدودة ذات طبيعة دفاعية، تستهدف حماية القوات الأمريكية وتأمين الملاحة، قد يساعده في إظهار الحزم دون الظهور بمظهر الرئيس الذي يدفع الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة.
لكن المعادلة ليست بهذه البساطة، لأن أي تصعيد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب الأسواق أو سقوط قتلى أمريكيين قد يتحول سريعًا إلى عبء سياسي داخلي.
وبالتالي، فإن واشنطن تحاول تحقيق معادلة صعبة: ممارسة ضغط عسكري كافٍ لإجبار إيران على إعادة حساباتها ، دون الانزلاق إلى حرب تستنزف الموارد الأمريكية وتنعكس سلباً على الداخل.
سادساً : كيف ستقرأ طهران هذه الضربات؟
من وجهة نظري، فإن القيادة الإيرانية لن تتعامل مع الضربات باعتبارها مجرد عملية عسكرية محدودة، وإنما ستقرأها ضمن سياق أوسع يتعلق بمحاولة واشنطن فرض قواعد اشتباك جديدة في الخليج.
فإيران تدرك أن قبول استهداف مواقعها العسكرية دون رد، قد يُفسر أمريكياً باعتباره تراجعًا في قدرتها على الردع، أو انخفاضاً في استعدادها لتحمل تكلفة المواجهة.
وفي المقابل، فإن الرد العسكري المباشر قد يمنح واشنطن المبرر السياسي والعسكري الذي تحتاج إليه لتوسيع نطاق عملياتها.
وهنا تجد طهران نفسها أمام معضلة استراتيجية حقيقية: كيف تحافظ على صورة الردع دون أن تمنح خصمها فرصة الانتقال من الضربات المحدودة إلى المواجهة الشاملة؟
ولهذا، فإن أي رد إيراني محتمل قد لا يأتي بالضرورة في صورة مواجهة مباشرة، بل يمكن أن يتخذ أشكالًا غير مباشرة، سواء عبر استهداف مصالح عسكرية أو بحرية، أو استخدام أدوات الضغط الإقليمي، أو ممارسة ضغوط محسوبة على حركة الملاحة.
لكن ذلك يظل احتمالًا تحليلياً، وليس بالضرورة مؤشرًا على أن قرار الرد قد اتُخذ بالفعل.
سابعاً : الخطر الأكبر.. انتقال المواجهة من واشنطن وطهران إلى الإقليم بأكمله
هنا نصل إلى النقطة الأكثر خطورة.
فالمشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في احتمالات تبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران ، وإنما في طبيعة شبكة التحالفات والارتباطات العسكرية والأمنية المحيطة بالصراع.
إيران تمتلك علاقات ونفوذاً مع أطراف إقليمية مسلحة، والولايات المتحدة تمتلك شبكة واسعة من التحالفات والقواعد العسكرية والشراكات الأمنية في الشرق الأوسط.
وبالتالي، فإن أي تصعيد قد يؤدي إلى توسيع دائرة الاشتباك، سواء من خلال استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، أو تهديد الملاحة البحرية، أو تحرك أطراف مرتبطة بإيران في ساحات إقليمية أخرى.
وهنا تظهر أهمية الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، باعتبارهما من الأطراف التي يمكن أن تؤثر تحركاتها في الحسابات الأمنية الإقليمية، وإن كانت طبيعة استجابتهما لأي تصعيد ستظل مرتبطة بحسابات كل طرف وظروفه الميدانية والسياسية.
أما الحديث عن انخراط حلف الناتو، فينبغي التعامل معه بحذر، لأن تعرض المصالح الأمريكية للخطر لا يعني تلقائياً تفعيل التزامات جماعية للحلف. فهناك اعتبارات قانونية وسياسية وعسكرية معقدة تحكم أي مشاركة أطلسية.
ومع ذلك، فإن تدويل أزمة الملاحة في الخليج قد يخلق مساحة أكبر لتدخل قوى دولية تحت عنوان حماية الممرات البحرية وتأمين التجارة العالمية.
ثامناً : لماذا تشبه هذه الأزمة الحرب الأوكرانية؟
هناك وجه شبه مهم بين الأزمة الإيرانية الأمريكية والحرب الروسية الأوكرانية، يتمثل في أن الصراع لا يدور حول حدود جغرافية أو خلاف سياسي منفرد، وإنما يرتبط برؤية القوى الكبرى لمصالحها الأمنية ومناطق نفوذها.
فروسيا تنظر إلى التمدد الغربي بالقرب من حدودها باعتباره تهديداً لأمنها الاستراتيجي ، بينما تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى حماية النظام الأمني الأوروبي باعتبارها مصلحة لا يمكن التخلي عنها.
وفي الحالة الإيرانية، ترى طهران أن قدراتها النووية والصاروخية وأدوات نفوذها الإقليمي تمثل عناصر أساسية في منظومة أمنها القومي، بينما تنظر واشنطن وإسرائيل إلى هذه القدرات باعتبارها تهديداً يجب احتواؤه ومنع تطوره.
وهذا التباين في تعريف المصالح والتهديدات يجعل الوصول إلى تسوية مستدامة أمرًا شديد التعقيد، لأن كل طرف يعتقد أن التنازل قد يضعف موقعه الاستراتيجي مستقبلًا.
تاسعاً : من الرابح ومن الخاسر إذا اتسعت المواجهة؟
إذا انتقلت الأزمة من الضربات المحدودة إلى مواجهة إقليمية واسعة، فإن الدول العربية ستكون من أكثر الأطراف تعرضاً للتداعيات ، حتى وإن لم تكن طرفاً مباشراً في الحرب.
فدول الخليج ستكون أمام تحديات أمنية تتعلق بحماية المنشآت النفطية والموانئ والممرات البحرية، فضلًا عن احتمالات استهداف القواعد العسكرية والمصالح المرتبطة بالوجود الأمريكي.
أما مصر، فستكون معنية بتداعيات الأزمة على أسعار الطاقة، وحركة التجارة الدولية، وتكاليف النقل والتأمين البحري، فضلًا عن احتمالات اضطراب الملاحة في البحر الأحمر وتأثير ذلك على قناة السويس.
وهنا يجب الانتباه إلى أن ارتفاع المخاطر الأمنية في الممرات البحرية لا يقتصر أثره على المنطقة المحيطة بالصراع، وإنما يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
أما إسرائيل، فقد تجد في إضعاف القدرات الإيرانية فرصة لتعزيز موقعها الاستراتيجي، وتقليص التهديدات التي تواجهها على المدى القريب.
لكن ذلك لا يعني أنها ستكون بمنأى عن المخاطر، فاندلاع مواجهة واسعة قد يفتح عليها جبهات متعددة، ويضع منظومتها الأمنية والاقتصادية أمام اختبارات صعبة.
وبالتالي، فإن إسرائيل قد تحقق مكاسب استراتيجية من تراجع بعض القدرات الإيرانية، لكنها ليست بالضرورة الطرف الذي سيخرج دون خسائر من حرب إقليمية مفتوحة.
الخلاصة: واشنطن لا تريد بالضرورة الحرب.. لكنها تريد أن تدخل طهران المفاوضات وهي تدرك تكلفة رفض الشروط الأمريكية.
ما يحدث في محيط جزيرة قشم، إذا صحت تفاصيل العمليات المعلنة، لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد استهداف عسكري محدود، بل باعتباره جزءًا من معركة أوسع على قواعد الردع والسيطرة على الممرات البحرية وتوازنات القوة في الخليج.
فالولايات المتحدة تحاول الجمع بين الضغط العسكري والاحتواء الدبلوماسي، وإيران تحاول الحفاظ على قدرتها على الردع دون الانجرار إلى مواجهة قد تستنزفها بصورة خطيرة.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن الحسابات قد تخرج عن السيطرة، فضربة محدودة قد تستدعي رداً محسوباً، والرد قد يستدعي رداً مضاداً، لتتحول المواجهة تدريجياً إلى صراع إقليمي تتداخل فيه المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، وتدفع دول المنطقة ثمنه اقتصادياً وأمنياً.
وفي تقديري، فإن أخطر ما في المشهد ليس احتمال اندلاع الحرب في حد ذاته، وإنما أن تتحول الضربات المحدودة إلى وسيلة دائمة لإدارة الصراع ، بحيث يصبح التصعيد العسكري جزءًا من عملية التفاوض، وتتحول الدبلوماسية من وسيلة لإنهاء المواجهة إلى أداة لإعادة توزيع موازين القوة.
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة ، بقدر ما يحتاج إلى تسوية تمنع تحويل أمن المنطقة وممراتها البحرية إلى أوراق ضغط في صراع القوى الكبرى.



