مقالات

إيران تُربك ترامب .. حرب مضيق هرمز تهز الأسواق العالمية

✍️ يوحنا عزمي

هناك معركة عالمية تُحاك على الأرض الإيرانية ، ويبدو أن إدارة ترامب قررت الانخراط فيها بحماسة مبالغ فيها ، أو ربما بتصور خاطئ للواقع. خرج ترامب للعالم بتصريح جريء زعم فيه أن القوة البحرية الإيرانية قد دُمرت بالكامل ، وهو تصريح سرعان ما واجهه الرد الإيراني المباشر باستهداف السفن العابرة لمضيق هرمز ، ما كشف الفجوة الكبيرة بين التصريحات الأميركية على الورق والقدرة الفعلية على التنفيذ.

ترامب وعد العالم بأن البحرية الأميركية سوف ترافق السفن الدولية في المضيق ، لكنه لم يجرؤ على تحريك أي قطعة بحرية واحدة، ما أظهره أمام الجميع عاجزاً وكاذباً كما هو معتاد ؛ فخلال ولايته الأولى سجلت صحيفة وشنطن بوست ثلاثين ألف كذبة خلال أربع سنوات ، فماذا عن حجم الكذب خلال أزمة حساسة مثل هذه؟

هنا تصدقت إيران ، وسرعان ما بدأت عواقب التصريحات الفارغة بالظهور ، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد ، وبدأ العالم يدفع أثماناً اقتصادية باهظة خلال أسابيع معدودة ، وفي حال استمرار الحرب لأسبوعين إضافيين، من المتوقع أن يصل سعر برميل النفط إلى مستويات قياسية تتجاوز 120 دولاراً، مما يعكس حجم الكارثة التي نشأت نتيجة صمت الولايات المتحدة على نزعاتها الهجومية تجاه إيران.

أما بالنسبة لما حصل على الأرض ، فإن إيران أكدت أنها لم تُغلق المضيق بشكل كامل ، بل تتحكم فيه وتمنح التراخيص لعبور السفن التي تراها مناسبة ، فيما تعترض السفن الحليفة لأميركا. وهو ما يعني أن السيناريو الإيراني الكابوسي لم يبدأ فعلياً بعد ، فإيران تمتلك حوالي ستة آلاف لغم بحري متنوع بين طافي وثابت وتلامسي وعائم، وإذا تم تفعيل تلك المنظومة لأصبح من المستحيل عبور أي سفينة. وحتى في حال عدم اللجوء إلى الألغام ، يمكن لمجموعات من الضفادع البشرية الإيرانيين وضع ألغام صغيرة على قاع السفن التجارية المحملة بمليارات الدولارات من البضائع ، ما يجعل مهمة القوات الأميركية المعتمدة على أساطيلها البحرية محكومة بالفشل قبل أن تبدأ.

ترامب ، في مواجهة هذا الواقع الإيراني الناجح ، اضطر لأول مرة إلى طلب دعم عسكري من دول أخرى ، بما في ذلك الصين واليابان وكوريا الجنوبية وفرنسا وبريطانيا، لدعم مرور السفن عبر المضيق، وهو موقف مثير للسخرية ، فهو يطلب من الصين ، الحليف الأقوى لإيران ، أن تحمي السفن الأميركية ، متجاهلًا أن الحرس الثوري لن يستهدف سفناً ترفع العلم الصيني ، فبذلك يكون ترامب قد منح الصين فرصة لإظهار قوتها العسكرية في مكان حساس عالمياً، بينما يواجه الأميركيون فشلًا استراتيجياً في محاصرة الصين عبر خطوط إمدادات الطاقة ، وهو الهدف الأساسي من الحرب على إيران منذ بدايتها في فنزويلا وانتقالًا إلى الخليج.

على الأرض ، تم إرسال 2200 جندي أميركي من نخبة المارينز ضمن الوحدة 31 البرمائية ، مدعومين بطائرات F-35 وMV-22، في محاولة لاستعادة السيطرة على مضيق هرمز، وتحديدًا جزيرة قشم. وكان الهدف المعلن هو فتح المضيق للسفن الدولية ، إلا أن هذا الإجراء لعب في يد إيران ، التي استفادت من وجود القوات الأميركية داخل أراضيها لتسليط الضربات الدقيقة عبر العقائديين من الحرس والباسيج والمتطوعين ، مستخدمين أسلحة بسيطة لكنها فعالة. خلال الأيام الأولى ، تمكن الإيرانيون من قتل وإصابة عدد من الجنود الأميركيين ، وتدمير مبانٍ وسفن وطائرات تدعم العمليات الأميركية ، وهو ما كشف ضعف المنظومة الدفاعية الأميركية ، رغم وجود منظومات ثاد وباتريوت ودرع صلب من الخرسانة المسلحة.

إيران لم تقتصر على ضرب القوات الأميركية، بل استهدفت مواقع في دول خليجية أخرى، ما أبرز قدرتها على شل حركة العالم بأكمله عبر السيطرة على المضيق. فعلى الرغم من أن القصف المباشر قد يستمر سنوات دون أن يلحظ العالم أثراً كبيراً ، فإن إغلاق المضيق جعل الحرب تشعر بها كل أسرة حول العالم ، من جبال الإنديز إلى سواحل مايوركا ، ومن جوانجزهو إلى كوالا لامبور.

لقد تعلم العالم بهذه الطريقة أن الأمان الأميركي مجرد وهم ، وأن القوة العسكرية الأميركية ليست مطلقة ، وأن السيادة العالمية لا يمكن فرضها بالقوة وحدها ، فحتى آلاف القنابل والضربات الجوية لن تغير حقيقة الجغرافيا أو تنزع شعباً من أرضه.

في النهاية ، يجد كل متورط في هذا الصراع جندياً إيرانياً أمامه، مجهزاً بقاذفة ولغم واحد يمكنه أن يهز هيبة أقوى قوة عسكرية في العالم ويعيد ترتيب التوازنات الإستراتيجية على الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى