مقالات

حين تتقاطع المسيرات مع الدبلوماسية : شرق أوسط على إيقاع الاحتمالات الخطرة

✍️ يوحنا عزمي

رقعة الأحداث الدولية تبدو وكأنها خرجت من نطاق السياسة التقليدية إلى مساحة أخطر بكثير ، حيث تتحرك الأطراف الكبرى والإقليمية على حافة الاشتعال ، وتتشابك الوقائع مع التسريبات والتصريحات بطريقة تجعل الصورة العامة ضبابية ، لكن الخيوط عند ترتيبها تكشف مشهداً بالغ التعقيد. الحديث لم يعد عن مواقف دبلوماسية محسوبة، بل عن مناخ إقليمي ودولي يقترب من اختبار الإرادات على الأرض ، في لحظة تتداخل فيها الحسابات الداخلية للقادة مع رهانات الأمن القومي لدول بأكملها.

الواقعة التي أثارت القلق الأوسع كانت ما تردد عن استهداف محيط محطة محطة براكة للطاقة النووية في الإمارات بطائرة مسيرة.

حتى مع صدور تطمينات بأن مستويات الإشعاع طبيعية ، فإن جوهر القلق لا يتعلق بالإشعاع بقدر ما يتعلق بقدرة طائرة بدون طيار على الاقتراب من منشأة بهذه الحساسية. هذه النقطة تحديداً أعادت طرح أسئلة صعبة حول فعالية أنظمة الدفاع الجوي في مواجهة التهديدات غير التقليدية، وحول طبيعة الرسائل التي يمكن أن تحملها مثل هذه العمليات في توقيتها وسياقها الإقليمي.

في المقابل ، جاء النفي الإيراني سريعاً ، مصحوباً باتهام غير مباشر لإسرائيل بأنها المستفيد من خلق بيئة توتر تدفع المنطقة إلى مربع المواجهة. هذا الطرح يعكس زاوية مهمة في الصراع الدائر : ليس فقط من يطلق النار ، بل من يستفيد من صوت الرصاص. الاتهامات المتبادلة هنا تكشف أن الحرب النفسية لا تقل شراسة عن أي مواجهة عسكرية، وأن صناعة الشك أصبحت أداة بحد ذاتها لإرباك الحسابات الإقليمية.

لفهم الخلفية الأوسع لهذا التصعيد، لا يمكن تجاهل زيارة دونالد ترامب إلى بكين ، والتي كان يُنظر إليها باعتبارها محاولة لإقناع الصين بتشديد موقفها تجاه إيران، خاصة فيما يتعلق بشراء النفط. غير أن النتائج لم تعكس اختراقاً حقيقياً في هذا الملف ، وهو ما فُسّر في واشنطن باعتباره دليلاً إضافياً على حدود القدرة الأمريكية في التأثير على حسابات بكين الاستراتيجية ، خصوصاً حين يتعلق الأمر بعلاقاتها مع طهران. الصين بدت متمسكة بمقاربة براغماتية تحافظ على توازن علاقاتها ، دون الدخول في صراع مباشر مع إيران خدمة لأولويات أمريكية.

هذا السياق أوجد بيئة سياسية داخلية ضاغطة على الإدارة الأمريكية، وهي البيئة التي عادة ما تفتح الباب أمام الأصوات الداعية لإظهار الحزم عبر أدوات القوة. في هذه اللحظات تحديداً يبرز دور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المعروف بقدرته على توظيف اللحظات الحرجة لدفع واشنطن نحو مواقف أكثر تشدداً تجاه إيران. كما يبرز صوت السيناتور ليندسي جرهام، أحد أبرز الداعين تقليدياً لاستخدام القوة في مواجهة طهران ، خاصة في ما يتعلق بتهديدات الملاحة في مضيق هرمز وتأثيرها على الاقتصاد العالمي.

في خضم هذه الأجواء ، يكتسب قرار شركات طيران أمريكية تعليق رحلاتها إلى تل أبيب لفترات طويلة دلالة تتجاوز الجانب التشغيلي، ليعكس تقديراً أمنياً بأن البيئة الإقليمية مقبلة على مرحلة اضطراب ممتدة. مثل هذه القرارات لا تُبنى على الانطباعات، بل على تقييمات مخاطر تصدر عن أجهزة أمنية واستخباراتية تراقب المشهد عن قرب.

إضافة إلى ذلك ، جاءت تصريحات مستشار المرشد الإيراني علي أكبر ولايتي لتضيف طبقة جديدة من التعقيد ، عبر حديثه عن تحركات واتصالات غير معلنة في المنطقة. سواء كانت هذه التصريحات دقيقة بالكامل أو جزءاً من أدوات الضغط الإعلامي، فإنها تسهم في رفع منسوب الشك والتوتر بين أطراف إقليمية ترتبط بعلاقات شديدة الحساسية.

عند تجميع هذه العناصر معاً ، يتضح أن المشهد لا يتحرك وفق مسار واحد ، بل عبر مسارات متوازية : صراع ردع بين إيران وإسرائيل ، اختبار نفوذ بين واشنطن وبكين، وحسابات بقاء سياسية لدى قادة يدركون أن أي تصعيد خارجي قد يعيد ترتيب أوراقهم الداخلية. السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مواجهة واسعة، بل أي نوع من المواجهات يمكن أن يحدث : هل ستكون ضربة محدودة محسوبة الرسائل أم سلسلة أحداث متتابعة تخرج تدريجياً عن السيطرة؟

في مثل هذه اللحظات ، تبدو رقعة الشطرنج الدولية مزدحمة باللاعبين ، لكن الحركة الأخطر ليست تلك التي تُرى بوضوح، بل تلك التي تجري في الظل، حيث تتقاطع المصالح والحسابات بعيداً عن التصريحات العلنية، في انتظار شرارة قد تحسم اتجاه الأحداث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى