مقالات

معركة السرديات بين واشنطن وطهران : حين تتحول التصريحات إلى بديل عن الوقائع

✍️ يوحنا عزمي

ما الذي يضيفه تصريح الرئيس الأمريكي بشأن “موافقة إيران على عدم امتلاك سلاح نووي” إلى مشهد ظل ثابتاً في خطوطه العريضة لسنوات طويلة؟

فالموقف الإيراني المُعلن لم يتبدل في هذه النقطة تحديداً، إذ دأبت طهران على التأكيد ، سياسياً وعقائدياً ، أنها لا تسعى إلى حيازة هذا النوع من أسلحة الدمار الشامل ، وتقدم ذلك بوصفه خياراً نابعاً من تصورها لأمنها القومي ومن فهمها لطبيعة توازن الردع في المنطقة، لا بوصفه نتيجة ضغط خارجي. ومن هنا يبدو التصريح الأمريكي، في ظاهره ، وكأنه يعيد إنتاج معلومة قديمة في صياغة جديدة توحي بأن هذا “التعهد” جاء استجابة لسياسة التهديد والضغط، بينما تُصر الرواية الإيرانية على أنه قرار ذاتي سابق على كل هذه الضغوط.

تستند الحجة الإيرانية في هذا السياق إلى مجموعة من الوقائع التي تعتبرها دليلًا عملياً على صدقية موقفها: الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى منشآتها النووية ، والتوقيع على البروتوكول الإضافي الذي يتيح التفتيش المفاجئ.

في المقابل ، تشير طهران إلى أن دولًا أخرى في الإقليم لم تنضم إلى هذه المنظومة الرقابية أصلاً ، ومع ذلك لا تُسلط عليها الأضواء بالقدر نفسه ، وهو ما تعتبره ازدواجًا في المعايير الدولية. وتذهب أبعد من ذلك بالقول إن امتلاكها البنية التحتية العلمية والتقنية اللازمة كان ، نظرياً ، يتيح لها السير في طريق التسلح النووي لو أرادت، على غرار تجارب دول أخرى، لكنها اختارت مسارًا مختلفاً.

في هذا الإطار ، يبدو الخطاب الأمريكي، من زاوية التحليل، أقرب إلى محاولة إعادة صياغة سردية سياسية تُظهر أن التنازل ـ حتى لو كان نظرياً أو لفظياً ـ جاء تحت وطأة الضغط ، وهو ما يمنح الإدارة الأمريكية إنجازًا رمزياً في ملف شديد التعقيد. لكن هذه السردية تصطدم بواقع أن جوهر الخلاف بين واشنطن وطهران لم يكن يوماً معلناً حول “نية تصنيع قنبلة” بقدر ما كان يدور حول حدود التخصيب ، ومستويات الشفافية ، وطبيعة الدور الإقليمي الإيراني ، وكلها ملفات تتجاوز البعد النووي التقني إلى أبعاد جيوسياسية أوسع.

ومن اللافت أن الخطاب التصعيدي المصاحب لهذه التصريحات لا يتوقف عند حدود الملف النووي ، بل يمتد إلى لغة التهديد وتغيير مسميات العمليات والسياسات ، وكأن تغيير الاسم يمنح الإحساس بانتقال المعركة إلى مستوى أعلى من الحسم. هذا الاستخدام المكثف للمصطلحات الحادة يوحي بأن الرسالة موجهة بقدر كبير إلى الحلفاء والشركاء بقدر ما هي موجهة إلى الخصم ، لطمأنتهم بأن الضغط مستمر وأن مسار المواجهة يسير وفق خطة مرسومة، حتى لو لم تتغير الوقائع على الأرض بالسرعة نفسها.

في المحصلة، يمكن قراءة هذه التصريحات باعتبارها جزءًا من معركة السرديات لا معركة الوقائع. فإيران تحاول تثبيت صورة الدولة الملتزمة — ولو شكلياً — بالقواعد الدولية ، والولايات المتحدة تحاول تثبيت صورة الدولة القادرة على فرض إرادتها عبر الضغط والتهديد. وبين الصورتين، يبقى الملف النووي نفسه معلقاً بين الشكوك المتبادلة والحسابات الإقليمية المعقدة ، حيث لا يكفي إعلان النوايا لتبديد انعدام الثقة المتراكم عبر عقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى