مقالات

المسيرات الرخيصة حين تعيد كتابة قواعد الحرب على الحدود الجنوبية للبنان

✍️ يوحنا عزمي

ما يجري على جبهة جنوب لبنان يعكس تحولًا لافتاً في طبيعة الاشتباك المسلح ، ليس فقط من زاوية كثافة النيران أو نوعية الأهداف ، بل من زاوية الأدوات نفسها التي باتت تعيد تعريف معنى التفوق في ساحة القتال. المشهد لم يعد قائمًا على مواجهة تقليدية بين دبابات ومدفعية وطائرات، بل على أدوات صغيرة ، منخفضة الكلفة، عالية الدقة، قادرة على اختراق التصورات الكلاسيكية للحرب الحديثة.

هذا التحول يذكر بكيفية تغير ميزان القوى في مواجهات سابقة عندما ظهرت أسلحة نوعية قلبت الحسابات، لكنه اليوم يأخذ بعدًا تكنولوجياً مختلفاً تماماً.

الفكرة الجوهرية تكمن في استخدام مسيرات صغيرة من فئة FPV، وهي اختصار لعبارة First Person View، حيث يتحكم المشغل بالطائرة عبر كاميرا مثبتة في مقدمتها، فيرى الهدف كما لو كان داخلها، ويوجهها بدقة حتى لحظة الاصطدام. هذه التقنية في حد ذاتها ليست جديدة ، لكنها اكتسبت فعالية غير مسبوقة حين جرى توظيفها في بيئات قتال فعلية، كما حدث في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، حيث أثبتت هذه المسيّرات قدرتها على تجاوز أنظمة الحرب الإلكترونية والتشويش عبر حلول مبتكرة مثل استخدام أسلاك الألياف الضوئية الرفيعة التي تضمن اتصالًا مباشراً وثابتاً بين المشغل والطائرة.

عندما تنتقل هذه الخبرة إلى ساحة جنوب لبنان، فإن أثرها لا يكون تقنياً فقط ، بل استراتيجياً ونفسياً في آن واحد. تكلفة هذه المسيرات محدودة للغاية مقارنة بالأهداف التي تستطيع تدميرها؛ مكونات بسيطة نسبيًا، كاميرا، وحدة تحكم، شحنة متفجرة، لكن النتيجة قد تكون تعطيل دبابة متطورة أو آلية هندسية ثقيلة أو إصابة أفراد في نقاط مكشوفة. هنا تظهر معادلة غير مألوفة في الحسابات العسكرية: أداة زهيدة الثمن تُحدث أثراً يفوق بكثير قيمتها المادية.

هذا الواقع يصطدم مباشرة بعقيدة عسكرية تقليدية لدى إسرائيل قامت تاريخيًا على مبدأ التفوق التكنولوجي النوعي، حيث يكون الجندي مدعومًا بأحدث الوسائل وأقوى المنظومات ، بما يمنحه أفضلية واضحة في أي اشتباك.

غير أن المسيرات الصغيرة تعيد صياغة هذا المفهوم، لأنها لا تواجه هذه المنظومات وجهاً لوجه ، بل تتسلل بينها، وتستهدف نقاط الضعف ، وتحول التفوق التكنولوجي إلى عبء حين يصبح الهدف نفسه مرئيًا ومتاحًا للاستهداف بسهولة.

الأثر لا يتوقف عند حدود الخسائر الميدانية، بل يمتد إلى المجال النفسي والإعلامي. توثيق الضربات بالصوت والصورة، ونشرها بشكل متكرر، يخلق واقعاً بصرياً يصعب احتواؤه أو تقليل أثره على الرأي العام. المجتمعات التي تتمتع بحساسية عالية تجاه الخسائر البشرية تتأثر بشدة بمثل هذه المشاهد ، لأنها تنقل الحرب من تقارير رسمية مقتضبة إلى صور مباشرة يصعب إنكارها أو إعادة تأويلها.

إضافة إلى الدور الهجومي ، تلعب هذه المسيّرات دورًا استخباراتياً بالغ الأهمية. قبل تنفيذ أي ضربة، تستطيع التحليق فوق المواقع، تصوير التحصينات، رصد التحركات، وبناء صورة دقيقة عن الميدان. وهكذا تتحول الأداة نفسها إلى عين راصدة وقنبلة موجهة في الوقت ذاته. هذه الثنائية تقوّض أحد أسس الانتشار العسكري التقليدي القائم على إنشاء مواقع ثابتة ومناطق مؤمنة، لأن أي موقع ثابت يصبح عرضة للرصد الدقيق ثم الاستهداف في لحظة مناسبة.

التحدي الأكبر يكمن في أن وسائل الدفاع التقليدية لا تبدو فعالة بالقدر الكافي أمام هذا النوع من التهديدات. أنظمة التشويش قد لا تنجح أمام الاتصال السلكي، والرصد البصري صعب بسبب صغر الحجم وسرعة الحركة، ما يضطر القوات على الأرض إلى حلول بدائية نسبيًا مثل الشبكات المعدنية أو المراقبة اليدوية المستمرة ، وهي حلول تعكس حجم الإرباك الذي تسببه هذه الأدوات البسيطة.

في المحصلة ، نحن أمام مثال واضح لكيف يمكن للتكنولوجيا منخفضة الكلفة أن تعيد تشكيل قواعد الاشتباك، وتفرض معادلات جديدة تتجاوز الفارق الهائل في الإمكانات التقليدية. المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمن يمتلك السلاح الأغلى أو المنظومة الأحدث، بل بمن يحسن توظيف أدوات صغيرة وذكية في المكان والزمان المناسبين، بحيث يتحول التفوق النظري إلى نقطة ضعف عملية على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى