بروفة حرب على حافة الهدنة : إشتباك محسوب بين واشنطن وطهران عند مضيق هرمز

✍️ يوحنا عزمي
ما جرى في تلك الساعات لم يكن مجرد تبادل اتهامات عابر بين طرفين متوترين ، بل بدا كأنه مشهد مكثّف من صراع طويل يُدار بعناية على حافة الانفجار. البيانات المتضاربة التي صدرت عن القيادة المركزية خاتم الأنبياء من جهة، وعن وزارة الدفاع الأمريكية من جهة أخرى ، تعكس نمطاً مألوفاً في الأزمات الكبرى : كل طرف يروي القصة بما يخدم موقعه السياسي والعسكري ، بينما الحقيقة الفعلية غالباً ما تكون مزيجاً معقداً بين الاستفزاز المتعمد ورد الفعل المحسوب.
وفق الرواية الإيرانية ، وقع خرق مباشر للهدنة عبر استهداف ناقلة نفط قرب جاسك وسفينة أخرى قبالة الفجيرة ، إلى جانب ضربات جوية طالت مناطق مدنية في قشم وبندر خمير. في المقابل، تصف الرواية الأمريكية ما حدث بأنه مرور اعتيادي لثلاث مدمرات عبر مضيق هرمز ، تعرضت خلاله لهجوم صاروخي وبمسيرات وزوارق سريعة، ما استدعى “الدفاع عن النفس” بضربات محددة. بين هاتين الروايتين تتشكل مساحة رمادية ، تُفهم فيها الأحداث ليس بوصفها حادثاً منفصلًا ، بل اختباراً ميدانياً دقيقاً لحدود الاشتباك.
وجود مدمرات مثل USS Truxtun وUSS Mason وUSS Rafael Peralta في أضيق نقطة ملاحية وأكثرها حساسية في العالم ، أي مضيق هرمز ، لا يمكن اعتباره مروراً روتينياً في ظل ذروة التوتر. هذا النوع من التحركات البحرية عادة ما يكون رسالة محسوبة أكثر منه حركة ملاحية. الرسالة هنا تبدو وكأنها اختبار مباشر لسرعة الاستجابة الإيرانية ، ونوعية الوسائل المستخدمة ، ومدى تطور التكتيكات البحرية غير التقليدية التي تعتمدها طهران منذ سنوات.
الرد الإيراني ، كما جرى تداوله ، لم يكن رمزياً بل كثيفاً ، بصواريخ ومسيرات وزوارق سريعة ، وهي عناصر تمثل العقيدة البحرية الإيرانية في مواجهة القطع البحرية الضخمة. الحديث عن انسحاب المدمرات إلى بحر عمان ، وسماع دوي انفجارات في نطاق الخليج، يشير إلى أن الاشتباك – إن صحت تفاصيله – تجاوز حدود المناوشة المحدودة إلى احتكاك مباشر عالي الخطورة. في الوقت نفسه ، جاء الرد الأمريكي بضربات دقيقة على مراكز قيادة ونقاط بحرية ، وهو نمط يعكس رغبة في توجيه رسالة ردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
العنصر اللافت في المشهد كان رصد عدد كبير من طائرات التزود بالوقود الأمريكية في الأجواء الإقليمية. هذا النوع من الانتشار الجوي لا يُستخدم في عمليات محدودة ، بل يكون عادة مقدمة لاحتمال تدخل جوي واسع النطاق. وجود منصات قادرة على إبقاء أسراب مقاتلات مثل F-35 Lightning II وF-15 Eagle في الجو لساعات طويلة يعني أن قرار التصعيد الشامل كان حاضراً كخيار جاهز ، وإن لم يُنفذ. المشهد أقرب إلى بروفة مكتملة الأركان لحرب كان يمكن أن تندلع ، لكنها توقفت عند حافة القرار السياسي.
في هذا السياق ، يصبح العبور البحري أقرب إلى استفزاز محسوب الغرض منه قياس رد الفعل الإيراني ، وربما استدراج رد يسمح بتوجيه ضربات “جراحية” تحت غطاء الدفاع عن النفس ، دون أن تبدو واشنطن كمن بدأ التصعيد رسمياً. هذا الأسلوب يمنح الإدارة الأمريكية مساحة سياسية للمناورة : إظهار القوة والقدرة على الرد، مع الحفاظ على خطاب علني يتحدث عن الالتزام بالهدنة.
التصريحات السياسية المتزامنة تعكس هذه الازدواجية بوضوح. خطاب القوة والتفاخر بالمرور “تحت النار” يتزامن مع تأكيد استمرار وقف إطلاق النار. هذا التناقض الظاهري ليس ارتباكاً بقدر ما هو إدارة محسوبة للصورة : ضغط عسكري تكتيكي لانتزاع مكاسب سياسية ، دون الانزلاق إلى تكلفة حرب مفتوحة لا يرغبها أي طرف.
امتداد الأحداث إلى الداخل الإيراني ، مع تفعيل الدفاعات الجوية غرب طهران ، وتصريحات عن احتمال مشاركة إسرائيل ، يضيف طبقة أخرى من التعقيد. في الحسابات الاستراتيجية، دخول إسرائيل – ولو بصورة غير معلنة – يعني أن أي احتكاك بحري يمكن أن يتحول سريعًا إلى مواجهة متعددة الجبهات. الربط الزمني بين ما جرى في البحر والتحركات الجوية فوق إيران يوحي بأن المشهد لم يكن منفصل الحلقات ، بل مترابطاً ضمن اختبار أوسع للبنية الدفاعية الإيرانية.
في المحصلة ، ما حدث يبدو كحلقة من لعبة شديدة الخطورة تُدار تحت سقف هدنة شكلية. الهدنة هنا ليست سلامًا فعلياً ، بل مساحة زمنية يعيد فيها كل طرف تموضعه، ويختبر الآخر، ويستعد لاحتمال المواجهة الكبرى. لا أحد يريد الحرب الشاملة، لكن الجميع يقترب منها بما يكفي لاختبار الأعصاب والقدرات. إنها معادلة الردع في أقصى تجلياتها : ضربات محسوبة ، رسائل نارية ، وخطاب سياسي يتحدث عن السلام بينما تُجرى في الخلفية تدريبات واقعية على الحرب.



