مقالات

بين ضغط الميدان ومناورات السياسة : لبنان في قلب معادلة الاشتعال الإقليمي

✍️ يوحنا عزمي

تتشابك الخيوط في مشهد إقليمي بالغ التعقيد ، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع المناورات السياسية ، وتتصادم الأجندات الداخلية مع رهانات القوى الكبرى. ما يبدو على السطح أخباراً متفرقة ، يتكشف في العمق كخريطة يجري رسمها بهدوء، عنوانها إعادة تشكيل موازين النفوذ والحدود الفاصلة في المشرق ، بينما تتحول الساحات المفتوحة إلى أوراق تفاوض ثقيلة على طاولات بعيدة.

في هذا السياق ، تبدو إسرائيل وكأنها تمضي بخطى ثابتة نحو توسيع نطاق تحركها العسكري في أكثر من اتجاه ، مع تصعيد في الجنوب اللبناني وتكثيف للرسائل السياسية المتزامنة حول “السلام” و”الردع”. المفارقة ليست تناقضًا بقدر ما هي تكتيك معروف : الجمع بين الضغط الميداني والطرح التفاوضي في الوقت ذاته. هكذا تُستخدم العمليات العسكرية كرافعة شروط ، ويُستثمر الخطاب السياسي لتثبيت مكاسب ميدانية أو اختبار ردود الفعل الدولية.

على الضفة الأخرى ، تلوح إيران بما يمكن تسميته “الصبر الاستراتيجي”. فهي تُدير الإيقاع بحذر، وتربط أي تهدئة حقيقية بوقف التدهور على الجبهة اللبنانية ، بما يحول لبنان من ساحة اشتباك إلى عنصر تفاوضي مباشر في أي معادلة أوسع. هذا الربط يمنح طهران ورقة ضغط دبلوماسية ، ويجعل من الساحة اللبنانية مؤشرًا على جدّية أي مسار تهدئة إقليمي ، لا مجرد تفصيل جانبي.

أما في الداخل الإسرائيلي ، فتتداخل اعتبارات الأمن مع ضغوط السياسة. حكومة يقودها بنيامين نتنياهو تواجه استحقاقات داخلية حساسة ، وتجد في “الإنجاز الأمني” وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات وكسب الوقت. هذا التداخل بين الضرورات السياسية والقرارات الميدانية يخلق إيقاعًا متقلباً في الرسائل الصادرة إلى الخارج ، ويُربك حسابات الحلفاء والخصوم على حد سواء.

الولايات المتحدة ، من جهتها ، تبدو عالقة بين رغبة في احتواء التصعيد وواقع ميداني يتسارع. فهي تسعى إلى منع انزلاق واسع قد يهدد مسارات تفاوض أخرى أكثر أهمية من منظورها ، وفي الوقت نفسه تحاول الحفاظ على تماسك تحالفاتها. هذه الموازنة الدقيقة تُنتج خطاباً متحفظاً أحياناً ومربكاً أحياناً أخرى، خصوصاً حين تتقدم الوقائع على الأرض بسرعة تفوق وتيرة الدبلوماسية.

لبنان في قلب هذه المعادلة. ليس فقط كساحة اشتباك، بل كعنوان رمزي لما يمكن أن تؤول إليه المنطقة إذا استمرت لعبة “الضغط المتبادل” دون سقف واضح. أي تغيير ديموغرافي أو جغرافي محتمل في الجنوب سيحمل تداعيات تتجاوز حدوده، ويُعيد فتح ملفات حساسة ظن كثيرون أنها أُغلقت منذ عقود. من هنا، يتحول الجنوب اللبناني إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الأطراف على ضبط إيقاع التصعيد.

اللافت أن الخطاب العلني عن السلام يتزامن مع مؤشرات ميدانية تعاكسه. هذا التوازي يعكس استراتيجية تفاوضية قديمة تقوم على تحسين شروط الطاولة عبر الوقائع على الأرض. لكنه في الوقت ذاته يرفع منسوب المخاطر ، لأن أي خطأ في الحساب قد يدفع الأطراف إلى نقطة لا عودة.

في المحصلة ، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الهشاشة : تصعيد محسوب ، وضغوط سياسية داخلية ، ورهانات دولية متضاربة ، وساحات مفتوحة قابلة للاشتعال.

والسؤال الحقيقي لم يعد : من يملك أوراق القوة؟ بل: من يملك القدرة على استخدام هذه الأوراق دون أن يحرق الطاولة بأكملها؟

وسط هذا الضباب ، تبقى الحاجة ملحة إلى “فرامل طوارئ” دبلوماسية قادرة على تحويل مسار الأحداث قبل أن تتجاوز الحسابات حدود السيطرة.

لأن استمرار هذا النمط من إدارة الصراع يجعل من أي هدنة محتملة مجرد استراحة قصيرة في سباق طويل نحو المجهول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى