ابداعات

الحذاء الطيب

بقلم – جلال الدين محمد 

بينما نستعد لترك منزلنا الذي استقرت فيه عائلتي لما يزيد عن عشرين سنة، والانتقال لمنزل جديد أكثر اتساعًا في منطقة أخرى. قررنا ألا نحمل من الملابس إلا ما نستخدمه فقط، على أن نتبرع بالملابس القديمة التي مازالت صالحة لمن يستحقها من المساكين.

بدأت بالبحث في خزانتي القديمة، هذا لم ارتديه منذ عشر سنوات، وذاك قميصي في المرحلة الإعدادية، و… سقط على وجهي على حين غرة شيء صغير تمامًا على عيني. فركت عيني بسرعة، ومسحتها بمنديل لأزيل ما فرزته من دموع، ثم توجهت ببصري تجاه ما سقط، لأبتسم تلقائيًا بمجرد أن رأيته.

حذاء صغير الحجم اطول قليلًا من أصابع اليد، كنت أرتديه في الرابعة من عمري، فأذهب مع أبي لشراء حاجيات المنزل في نهاية اليوم، أو مع زوج خالتي رحمه الله حيث يصحبني لأشرب عصير القصب اللذيذ، أو يحملني خالي على كتفيه لأشاهد الأرض وخضرتها التي تعانق زرقة السماء على مد البصر.

جدتي لأبي كانت تُجلسني على رجلها وتروي لي القصص والحكايات العجيبة، كان خيالها بلا حدود. أما جدتي لأمي فكان يبتسم قلبها حين تراني، وتتأكد من ارتدائي للحذاء حين أخرج للعب حتى لا تُجرح قدمي.

كانت أمي وقتها تُلمعه لي بيدها كل يوم؛ لكي أبدو أنيقًا حين أتوجه للحضانة فأتعلم الألف باء والحساب، ثم تأتي لتصحبني في طريق العودة وتشتري لي بالونة ألهو بها قليلًا قبل أن تنفجر محدثة صوتًا أضحك منه كثيرًا.

لم نكن أسرة قادرة على شراء الجديد لكل ابن، وبالتالي انتقل الحذاء لأخي حين بلغ العمر نفسه. بالتأكيد له من الحكايات مع الحذاء، ولكن ما أذكره أنا منها حين كنت في التاسعة وهو في الرابعة وارتدى هذا الحذاء؛ لأن أبي أراد التوجه بنا للمصور؛ لكي نلتقط صورة تذكارية معًا يوم عيد مولدنا الذي يصادف نفس اليوم مع فارق خمس سنوات.

ليتوجه ذلك الحذاء الطيب لطفل جميل، أرجو أن يعيش معه الكثير من اللحظات السعيدة، ويذكره حين يكبر وهو مثلي مفعم بالعواطف والذكريات.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى