ابداعات

“عزيزي الصيف”

المهند إسلام 

 

عزيزي الصيف،

أنا حقًا مبعثر.

 

عزيزي الصيف،

لم تدمر حياتي كل موسم؟

لم يجب أن أكون أتعس من ما أنا عليه كلما قدمت أنت؟

لم لا أستطيع أن ألملمَ شتاتي في موسمك؟

لم لا تدعني ألملمها،

بل وتبعثرها أكثر،

لأسقط على الأرض بينَ شتاتي،

أبكي على الرماد المحترق حولي.

 

أنا حقًا مبعثر.

 

الصيفُ السابق بعثرت شتاتي بجعل أحد أصدقائي يهربُ من حياتي،

فكتبتُ عنه قصة نشرتها مع قصصٍ أخرى، كلما قرأتها ندمتُ على اتخاذي الكتابةٍ كمهرب.

لكن لا ملجأ لي سواها،

لا تخرجُ كلماتي بدونها.

 

اعتدتُ في كتاباتي على التخفي خلفَ أقنعة الخيال،

لكنني تعلمتُ أن الإبداعَ يأتي بالحقيقة،

وأن الحقيقة دائمًا مؤلمة.

وأن العلاج هو إظهار المشاعر الحقيقية،

لا المزيفة،

أو الخيالية.

لوهلة وأنا أكتب،

 أشعرُ أنني مغني أمريكي،

 أظهر مشاعري بين الأغنيات التي أكتبها،

 لتلمس قلب كل من شعر بنفس المشاعر، 

هذا ما خُلِقَ الفن من أجله،

للإلهام،

للتعري،

للصدق،

لكي يتشجع كل الخائفين على الحديث،

ويصرخوا مثلي،

أنا خائف.

أنا حقًا مبعثر!

 

قد دمرت هذا الصيفَ كل فرص تطوري الذاتي.

أصبح الناس يرعبونني،

وإن كنتُ انا وغد بطريقة ما.

 

انتهت إختبارات الصف الحادي عشرَ في المدرسة،

وبدأ موسمي الأسوأ،

أنتَ الأسوأ.

بدأ صيفي بطموحِ كل صيف،

التغيير،

التحسن،

التطور،

أن أكونَ أفضلُ من أنا.

 

عملتُ في بداية الصيف في مقهى “ديبوينت”،

ظانًا منهُ بداية جميلة للعمل في المقاهي،

لأفتتح مستقبلًا مقهىً يحملُ اسمي وخبرتي.

وقد فتح مدير المقهى صدره لي لكي يعلمني حتى اصبح خبيرًا في هذا الأمر،

وقذفَ بي للذئاب في مقهاه، ليعلموني.

غيرَ أن الذئاب كانو يأكلون بعضهم البعض أمامي،

وكنتُ أنا ذات الوشاح الأسود العمياء؛

ظننتُ أنهم طيبين في بادئ الأمر وأن نياتهم نظيفة،

ليسَ الجميعَ كأمي،

ليسَ العالمُ أمي.

واتضح أنني دخلتُ حربًا لا مخرجًا منها غيرَ السقوط أو الانسحاب،

كان كل منهم يزيف حبه للآخر،

يعطيه حضنًا ويطعنه من ظهره حين يستجيب الآخر،

ولغباء سني،

فتح الجميع أحضانهم لي،

وكانت سكاكينهم خفية في عيني،

والكره الذي ينفجرُ من عينيهم كان حبًا،

ولأكونَ صادقًا، لم أتحمل تلكَ حربًا باردة،

لم أعلمُ من في صفي،

لم أعلم أنه لا يوجد غيري في صفي،

لذا انسحبت،

بل سقطتُ،

وأنا في طريقي للانسحاب.

كان ضعفًا مني،

كان ضعفًا هائجًا مني.

أنا حقًا ضعيف.

أنا حقًا مبعثر.

 

ثم استرحتُ في المنزل،

وأخيرًا قدمَ الوقت الذي سأبدأ فيه دورة للغة الإنجليزية،

كانت مكلفة للغاية،

دورة تدريبية لامتحانٍ عالمي سعره أربعةِ آلاف! 

دخلتُ الدورة ظنًا أنها للتدريب مع الإختبار،

غير أن التدريب اتضح أنه بأربعةِ آلاف،

والامتحان بمفرده بتسعةِ آلاف!

بالطبع لا تملك أمي هذا القدر من المال،

هذه ليست إهانةٌ لنا كعائلة،

فإن ملابسنا دائمًا ما تكون من أماكن عالمية ومتاجر فخمة،

لكن لم نحسب حسابَ رقمٍ كهذا،

وإن لحياتنا أولوياتٍ أخرى.

والآن خسرتُ عملًا،

وخسرت دورة انتظرت دخولها عامٌ كامل.

كم أنا مبعثر!

 

ثم أرسلت لي إحدى الفتيات رسالة على الإنستغرام،

“أتنشر مقاطع فيديو على التيك توك؟”

جاوبتها قائلًا أنني أفعل،

كانت فتاة في غاية الجمال،

شعرٌ بني ونموشٍ تملئُ وجهها،

استجبتُ لجمالها وتركتُ مبادئي خلفي وكلمتها،

كان خطأ مني،

اتضح أنها تبحثُ عن الجنس لا أكثر!

لم تحب ذاكَ القارئ الذي ينشرُ مقاطع فيديو ولديه طموح في ذلك المجال.

أحبت أعضاءه.

المراهقين حقًا مبعثرين.

 

تركتُ الأسوأ للختام،

رقيبي!

أرسلَ إلي أحدهم على التيك توك قائلًا أنه يريد أن يصبح صديقي،

ولمحتُ فيه صدق رغبته،

وتحدثتُ معه،

حتى بدأ يرسلُ إلي صورًا لجسده عاريًا،

بالطبع حظرته على الفور،

تبًا للشذوذ الجنسي،

حتى بدأ يبحثُ عن كل حساباتي في كل البرامج!

الفيس بوك،

الانستغرام،

جودريدز،

فيبل،

ليتربوكس،

 وحتى إيميلي!

يا له من مختل، 

لم يصل أحدٌ من أصدقائي وحتى أمي لهذه الحسابات!

أرسل إلي في كل مكان أنه يعتذر لما بدر منه،

أخبرته مرارا أنه لا مشكلة وأن يبتعد عني ويتركني أكمل حياتي،

أخبرني أنه لا يريد سوى أن نصبح صديقين،

هددني لكي نصبح صديقين.

أخبرته أنني لا حاجة لي بأصدقاء.

وحظرته مجددا.

لم يتقبل الرفض،

وبدأ يرسل لأصدقائي باحثًا عن رقمي،

فعل أصحابي الواجب وأهانوه،

بدأ بأخذ صوري وقول كلمات إباحية عنها،

حتى بدأ الرعب يتسللُ إلي وراسلته،

أخبرني أنه مريض نفسي وأنه يحتاج فقط لصحبتي،

لكنني لا أريد أصدقاء!

لا أريد،

فقط أريد سلامًا نفسيًا،

وبعدًا عن البشر،

ظللتُ أسبه وألعنه،

ألعنهُ ووالدته التي لا دخل لها وأهله،

أعلم أنه خطأ،

لكنني كنت مرعوبًا،

اضطررت لقول أشياء لم أتخيل أنني كنت يومًا لأقولها.

لم أعلم من أكون في تلك اللحظة،

هل أصبحتُ الآن مثل أبي؟

انتهى الأمر بأنني جننت،

أخبرته إن كنت أنت مريض نفسي فأنت لا تعرفني بعد، لقد خرجتُ منذ شهر من غرفة في مستشفى العباسية.

بالطبع لم يحدث فالحقيقة لكنني كنت مضطرا للكذب،

وبدأت بالجنون في محادثته حتى خاف مني، ظللتُ أصرخُ في المحادثة كمجنون، وبالفعل كان الخوف والرعب يتملكاني حد الجنون،

لم يكون جنوني مزيفًا،

كان حقيقًا بالكامل،

كنتُ حقًا أستحق تلك الغرفة في مستشفى العباسية.

أخيرًا، اقتنع أنني مريض نفسي وابتعد عني،

لكنني ما زلت خائفًا من جنونه.

 

تبًا لك أيها الصيف،

جعلتني أشعر أنني وحيد،

خائف،

لا فائدة مني،

مبعثر،

خائف،

أذكرت لكَ أنني خائف؟

 

أصبحت علاقتي بوالدتي سيئة للغاية،

علاقتي بأصدقائي،

حتى ذلك الفتى في النادي الرياضي،

كان يتقرب مني ليصبح صديقي وكم أعجبني ذلك،

تركته في منتصف التدريب لأستطيع التفكير في حل لذلك المختل الذي يلاحقني،

الآن خسرت صديقًا آخر.

أصبحتُ أرى كل من آذيتهم كأشباحٍ في حياتي،

أصبحتُ أشعر بأصوات أنفاسٍ غيري في غرفتي،

كنتُ مبعثرًا،

أصبحتُ مبعثرًا أكثر،

وكل هذا بسببي.

 

عزيزي الصيف،

تبًا لك.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى