المنطقة أمام أخطر سيناريو في تاريخها الحديث

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
إذا استمرت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران والحوثيين في اليمن من جهة أخرى، تُدار بهذه العقلية التي يغلب عليها التصعيد وردود الفعل غير المنضبطة، فإن المنطقة لن تكون أمام مواجهة عسكرية تقليدية ، بل أمام مسار بالغ الخطورة قد يغير شكل الشرق الأوسط لسنوات طويلة. فالمشكلة لم تعد في الضربات المتبادلة بحد ذاتها، وإنما في غياب أي سقف سياسي أو عسكري يضبط إيقاع الصراع، وفي انتقال القرارات من حسابات المصالح إلى منطق الانتقام، حيث يصبح الرد هدفاً في ذاته، ويتحول التصعيد إلى حلقة لا تنتهي.
الأخطر في هذا المشهد أن دول الخليج، التي لم تكن في كثير من الأحيان طرفاً مباشراً في هذه المواجهة، أصبحت بحكم الجغرافيا والاقتصاد في قلب دائرة النيران. فهذه المنطقة ليست مجرد مسرح للحرب، بل تمثل القلب النابض لإنتاج النفط والغاز، وأحد أهم مراكز الطاقة في العالم. ولذلك فإن أي اضطراب أمني فيها لا يظل شأنا إقليمياً، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، من أسعار الطاقة إلى حركة التجارة، ومن سلاسل الإمداد إلى الأسواق المالية.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن الحرب لم تعد تقتصر على الصواريخ والطائرات، بل امتدت إلى أخطر أدوات الضغط الاستراتيجي، وهي الممرات المائية الدولية. فعندما يتحول مضيق هرمز وباب المندب إلى أوراق تستخدم في معادلة الصراع ، فإن العالم بأسره يصبح شريكًا في دفع ثمن هذه المواجهة. فإغلاق هذه الشرايين البحرية أو تعطيل الملاحة فيها، ولو لفترات محدودة، يعني تهديدًا مباشرًا لحركة التجارة العالمية ، وارتفاعاً في تكاليف النقل والتأمين، واضطراباً في تدفقات النفط والسلع، وهي نتائج لا يمكن حصر آثارها داخل حدود المنطقة.
ولهذا تبدو الصورة أكثر قتامة مما يعتقد كثيرون. فكل طرف يرفع سقف التهديدات، والطرف الآخر يرد بخطوة أكثر تصعيدا، في دوامة تتسع يوماً بعد آخر، حتى أصبح من الصعب توقع حدودها أو نهايتها. ومن يتابع تفاصيل المشهد يدرك أن المنطقة تقترب تدريجيًا من مرحلة قد تنفتح فيها أبواب الفوضى على مصراعيها، ليس فقط عسكرياً ، وإنما اقتصادياً وأمنياً وإنسانياً أيضاً. فالحروب لا تظل محصورة داخل ساحات القتال ، بل تمتد آثارها إلى المجتمعات والاقتصادات والبنية التحتية ومستقبل الأجيال.
ويبدو أن مبدأ “العين بالعين”، الذي تتبناه إيران في خطابها السياسي والعسكري ردًا على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصبح هو القاعدة الحاكمة لمسار المواجهة. وهذه المعادلة، مهما بدت للبعض وسيلة لتحقيق الردع ، تحمل في داخلها خطر الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة، لأن كل ضربة تستدعي ضربة أكبر، وكل عملية تقود إلى عملية أكثر عنفاً، حتى تصبح العودة إلى طاولة السياسة أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
ومن هنا يمكن القول إن المنطقة قد تكون على أعتاب واحدة من أكثر الحروب تكلفة في التاريخ الحديث، ليس فقط بسبب حجم الإنفاق العسكري ، وإنما بسبب حجم الخسائر التي ستصيب الاقتصادات والبنى الأساسية والمنشآت الحيوية. فالموانئ، والمطارات، وحقول النفط، ومحطات الكهرباء، وشبكات المياه والاتصالات، كلها تتحول في مثل هذه الحروب إلى أهداف مشروعة، بينما يحتاج إعادة إعمارها إلى سنوات طويلة وربما عقود، إذا توافرت الإرادة والموارد أصلًا.
والتجارب القريبة تقدم دليلًا واضحاً على ذلك. فما شهدته غزة من دمار هائل يؤكد أن إعادة البناء ليست مجرد عملية هندسية، بل معركة اقتصادية واجتماعية ونفسية قد تستغرق أجيالًا كاملة. فالمدن التي تتحول إلى أنقاض لا تستعيد بسهولة روحها التي فقدتها، ولا تعود كما كانت قبل الحرب، مهما بلغت جهود الإعمار أو حجم التمويل.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من المستفيد الحقيقي من كل هذا الخراب؟ كيف تحولت منطقة تمتلك أكبر احتياطيات الطاقة، وأهم الممرات التجارية، وأضخم الإمكانات الاقتصادية، إلى ساحة مفتوحة للصراعات المتتالية؟ ولماذا تُستنزف ثرواتها في الحروب بدلًا من أن تُستثمر في التنمية والاستقرار؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من متابعة تفاصيل المعارك اليومية، لأن التاريخ يثبت أن الحروب تبدأ بقرار، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يكن أي من أطرافها يتوقعها، بينما يبقى الشعوب والاقتصادات والاستقرار الإقليمي هم الخاسر الأكبر.



