دمياط ليست الهدف الوحيد.. قراءة في حسابات الصراع الإقليمي

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
ما حدث في دمياط لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد واقعة عابرة أو حادثاً تقنياً ينتهي بانتهاء التحقيقات، خاصة بعد تأكيد الحكومة رسمياً أن ما جرى كان نتيجة استهداف بطائرات مسيرة. فبمجرد صدور هذا التأكيد، تنتقل القضية من إطار الحوادث التشغيلية إلى ملف يمس الأمن القومي، ويستوجب قراءة أعمق لطبيعة إدارة الدولة للأزمات ، وللرسائل السياسية والأمنية التي تحملها مثل هذه الوقائع.
خلال الساعات الأولى، تعرضت وزارة البترول لانتقادات واسعة بسبب اقتصار بيانها على الحديث عن حريق، واعتبر البعض أن ذلك افتقاد للشفافية. لكن هذا التقييم قد يكون متسرعاً إذا أخذنا في الاعتبار طبيعة الحوادث ذات البعد الأمني. فالدول، عندما تتعامل مع وقائع تمس أمنها القومي أو قد تكون مرتبطة بعمل عدائي، لا تعلن كل ما لديها منذ اللحظة الأولى، بل تخضع المعلومات لمراحل من التحقق والتنسيق بين الأجهزة المختصة قبل إصدار أي رواية رسمية نهائية.
هذا ليس استثناءً مصرياً، بل هو نمط متكرر في إدارة الأزمات حول العالم. وقد شهدنا خلال السنوات الماضية أمثلة عديدة لدول فضلت تأخير إعلان بعض التفاصيل أو نفيها مؤقتاً إلى أن اكتملت الصورة لديها، لأن الإعلان في مثل هذه الملفات لا يكون قرارًا إعلاميًا فقط، وإنما قراراً سياسياً وأمنيًا تحكمه حسابات داخلية وخارجية معقدة.
ومن هنا، فإن تحميل وزارة البترول وحدها مسؤولية طريقة الإعلان قد لا يكون دقيقاً. فالوزارة ليست جهة تحقيق أمني، ولا تمتلك وحدها صلاحية إعلان تفاصيل حادث يرتبط بالأمن القومي. في مثل هذه الوقائع ، تكون هناك منظومة كاملة تضم الأجهزة الأمنية والعسكرية والجهات السيادية، وكل بيان يصدر بعد تنسيق ومراجعة ، لأن أي كلمة قد تترتب عليها تداعيات سياسية أو دبلوماسية أو حتى عسكرية.
كما يجب إدراك أن الإعلان عن حادث ذي طبيعة أمنية يختلف تمامًا عن الإعلان عن حادث صناعي أو فني. فالأول يتداخل فيه الأمن مع السياسة، ولذلك يصبح توقيت الإعلان ومضمونه جزءًا من إدارة الأزمة نفسها، وليس مجرد نقل للمعلومات.
لكن بعيداً عن طريقة إدارة الأزمة، يبقى السؤال الأكثر أهمية : لماذا هذا الهدف تحديداً؟
إذا نظرنا إلى أهمية وحدات التغويز في مصر، سنجد أنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم عناصر منظومة أمن الطاقة المصرية. فهذه الوحدات تمثل ركيزة أساسية لتوفير احتياجات السوق المحلية من الغاز الطبيعي المسال، خاصة في ظل ارتفاع الاستهلاك المحلي وتراجع الإنتاج في بعض الفترات، وهو ما جعل الدولة تستثمر بصورة كبيرة في تعزيز قدرتها على استقبال وإعادة تغويز الغاز المستورد.
ولا تتوقف أهمية هذه الوحدات عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى بعدها الاستراتيجي، لأنها تمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة ملف الطاقة وتقليل تعرضها للضغوط الناتجة عن اضطراب الإمدادات أو تقلبات الأسواق الإقليمية. ولذلك فإن أي تهديد يطال هذه المنشآت لا يُقرأ باعتباره استهدافًا لمرفق اقتصادي فحسب، وإنما باعتباره رسالة تمس أحد مكونات الأمن القومي.
ومن الطبيعي أن يثير ذلك تساؤلات حول المستفيد من مثل هذا الحادث. لكن البحث عن المستفيد لا يعني القفز مباشرة إلى اتهام طرف بعينه دون أدلة معلنة. ففي عالم الصراعات الحديثة، قد تتقاطع المصالح بين أطراف متعددة، وقد تستغل بعض الجهات الأحداث لتحقيق أهداف سياسية أو إعلامية أو اقتصادية، وهو ما يجعل انتظار نتائج التحقيقات الرسمية أمراً ضرورياً قبل بناء استنتاجات نهائية.
كما أن استبعاد أو اتهام أي دولة أو جهة بصورة قاطعة، في غياب معلومات رسمية معلنة، قد يقود إلى استنتاجات لا تستند إلى أدلة كافية. فالتحليل السياسي بطبيعته يعتمد على قراءة المؤشرات والاحتمالات، لكنه يظل مختلفاً عن المعلومات الاستخباراتية أو النتائج القضائية التي تقوم على الأدلة.
المؤكد أن المنطقة تمر بمرحلة غير مسبوقة من التعقيد، وأن البنية التحتية للطاقة أصبحت هدفاً حاضراً في كثير من الصراعات الإقليمية والدولية، سواء عبر الهجمات المباشرة أو عبر الحرب الاقتصادية أو العمليات غير التقليدية. ولذلك فإن حماية هذه المنشآت لم تعد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبحت جزءًا من معادلة الردع والأمن القومي.
وفي النهاية، فإن التعامل مع مثل هذه الأحداث يتطلب قدراً كبيراً من الهدوء والانضباط في تداول المعلومات، لأن الشائعات في أوقات الأزمات قد تكون أكثر خطورة من الحدث نفسه. ومن حق المواطنين المطالبة بالشفافية، لكن من الضروري أيضاً إدراك أن بعض المعلومات الأمنية لا يمكن إعلانها فوراً إلا بعد اكتمال التحقيقات والتأكد من آثارها وتداعياتها.
ويبقى الدرس الأهم أن قراءة أي أزمة يجب أن تقوم على التمييز بين الوقائع المؤكدة، وما هو قيد التحقيق، وما يدخل في نطاق التحليل السياسي. فكلما حافظنا على هذا التمييز، كانت قدرتنا على فهم ما يجري أكبر، وابتعدنا عن الاستنتاجات المتسرعة التي قد تخدم، دون قصد، أهدافاً لا نعرف أصحابها الحقيقيين.



