مقالات

ترامب يحاصر التكنولوجيا الصينية .. والصين ترد من بوابة مصر: هل بدأت حرب السيطرة على اقتصاد المستقبل؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني إلى مصر ، واشنطن تفتح جبهة جديدة في صراعها مع بكين .. لكن هذه المرة الجبهة ليست في بحر الصين ولا في تايوان ، وإنما في التكنولوجيا  التي تبدو للوهلة الأولى مدنية ، بينما تحمل في داخلها أبعاداً اقتصادية وأمنية وعسكرية شديدة الخطورة.

الولايات المتحدة قررت فرض قيود على استيراد المسيرات والروبوتات الشبيهة بالبشر القادمة من الصين ، والمبرر الرسمي طبعاً هو «حماية الأمن القومي الأمريكي».

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف قليلًا عند المصطلح نفسه.

لأن السؤال الحقيقي ليس : لماذا تحمي الولايات المتحدة أمنها القومي؟

السؤال الأهم هو: لماذا الآن؟ ولماذا هذه الصناعات تحديداً؟ ولماذا في هذا التوقيت الذي يتحرك فيه الرئيس الصيني في جولة دولية تشمل مصر؟

الموضوع أكبر بكثير من مجرد قرار أمريكي بمنع منتج صيني من دخول السوق الأمريكية.

الولايات المتحدة تنظر إلى المسيرات والروبوتات والذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءًا من معركة التكنولوجيا القادمة، وهي معركة لن يكون فيها التفوق لمن يمتلك أفضل منتج فقط، وإنما لمن يسيطر على التكنولوجيا وسلاسل التوريد والأسواق التي ستستهلك هذه التكنولوجيا لعشرات السنين.

والأخطر من ذلك أن واشنطن لا تتحرك فقط ضد دخول هذه المنتجات إلى أراضيها، وإنما تسعى إلى تضييق المساحة أمام انتشار التكنولوجيا الصينية عالمياً ، خصوصاً في الدول التي يمكن أن تتحول أسواقها إلى مراكز إقليمية لإعادة توزيع التكنولوجيا الصينية.

وهنا نصل إلى مصر.

هل المقصود مصر وحدها؟

بالتأكيد لا.

المقصود في النهاية هو السوق العالمي، وبصفة خاصة الأسواق الناشئة في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا ، وهي الأسواق التي ترى الصين أنها المجال الطبيعي للتوسع خلال السنوات المقبلة.

ومصر تحديداً ليست سوقاً عادياً.

مصر هي واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في المنطقة، وموقعها الجغرافي يجعلها بوابة طبيعية إلى الشرق الأوسط وأفريقيا، فضلًا عن ارتباطها بقناة السويس وموانئ البحر الأحمر والمتوسط ، وبالتالي فإن أي منتج تكنولوجي يدخل السوق المصرية يمكن، نظرياً وعملياً، أن يجد طريقه إلى أسواق إقليمية أوسع.

وهنا تظهر أهمية المسيرات والروبوتات.

لأننا لم نعد نتحدث عن ألعاب إلكترونية أو أجهزة ترفيهية.

نحن نتحدث عن صناعة يمكن أن تدخل مستقبلًا في قطاعات النقل، والصناعة ، والخدمات اللوجستية ، والموانئ ، والزراعة، والأمن ، والإنقاذ ، والمجال العسكري ، وحتى الأعمال اليومية  داخل المصانع والمستودعات والمستشفيات.

ومن هنا يصبح السؤال : من سيمتلك هذه التكنولوجيا؟ ومن سيبيعها؟ ومن سيسيطر على السوق عندما تتحول هذه المنتجات من رفاهية تكنولوجية إلى ضرورة اقتصادية؟

وهنا تحديداً تظهر المشكلة الأمريكية مع الصين.

الصين لم تعد مجرد دولة تنتج الأجهزة الرخيصة التي تحمل شعار «Made in China».

الصين أصبحت تمتلك منظومة صناعية متكاملة، تبدأ من المواد الخام والمكونات، ولا تنتهي عند التجميع والتصدير، مروراً بالبحث والتطوير وسلاسل الإمداد والقدرة على الإنتاج بكميات ضخمة وتكلفة أقل من كثير من المنافسين.

وفي مجال الروبوتات الشبيهة بالبشر تحديداً ، تبدو المنافسة أكثر حساسية.

فالصين تتحرك بسرعة شديدة في هذا القطاع ، والشركات الصينية لا تتعامل مع الروبوت باعتباره مشروعًا تجريبياً فقط ، وإنما باعتباره صناعة مستقبلية يمكن إنتاجها على نطاق واسع.

ولذلك فإن الأخبار التي تحدثت عن تحقيق روبوت صيني سرعة قياسية في الجري ، والوصول إلى نحو 12.6 متراً في الثانية، ليست مجرد لقطة استعراضية لطيفة يمكن تداولها على مواقع التواصل.

إذا وضعناها داخل الصورة الأكبر، سنجد أننا أمام سباق تكنولوجي حقيقي.

لأن القضية ليست أن روبوتاً استطاع أن يجري بسرعة معينة.

القضية هي أن الصين تحاول أن تثبت أنها قادرة على تحويل التكنولوجيا التي كانت حتى وقت قريب حكراً على المختبرات ومراكز الأبحاث إلى منتجات قابلة للتصنيع والتسويق والتوسع.

والأهم من ذلك أن التفوق الصيني لا يتوقف عند تصميم الروبوت نفسه.

الميزة الأخطر هي القدرة على التصنيع واسع النطاق والتحكم في سلسلة الإمداد.

وهذه تحديداً هي نقطة الضعف التي تخشاها الولايات المتحدة.

قد تستطيع شركة أمريكية ابتكار روبوت أكثر تطوراً من نظيره الصيني، لكن ماذا يحدث إذا كان الروبوت الصيني أرخص؟ وماذا يحدث إذا كانت الصين قادرة على إنتاج عشرات الآلاف أو مئات الآلاف منه بسرعة أكبر؟ وماذا يحدث إذا كانت الشركات الصينية قادرة على السيطرة على المكونات الأساسية وسلاسل التوريد والأسواق الخارجية في الوقت نفسه؟

هنا يتحول التفوق التكنولوجي إلى تفوق اقتصادي وجيوسياسي.

وهذا هو السبب الذي يجعلني أعتقد أن النظر إلى القيود الأمريكية باعتبارها مجرد إجراء لحماية الأمن القومي هو قراءة ناقصة جداً للمشهد.

واشنطن بالتأكيد لديها مخاوف حقيقية تتعلق بالأمن السيبراني والبيانات والاستخدامات العسكرية والتجسس والتقنيات مزدوجة الاستخدام.

لكن في السياسة الدولية لا يمكن فصل الأمن القومي عن الاقتصاد.

والولايات المتحدة تعرف جيداً أن من يسيطر على تكنولوجيا المستقبل ، يملك جزءًا كبيراً من أدوات القوة في المستقبل.

ولهذا فإن توقيت التحرك الأمريكي مهم.

خصوصاً أن الصين تتحرك في الوقت نفسه لتوسيع علاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع دول الجنوب العالمي، ومصر واحدة من أهم هذه الدول.

وهنا تصبح زيارة الرئيس الصيني إلى مصر أكثر أهمية من مجرد زيارة بروتوكولية أو احتفالية.

لأن اختزال الزيارة في التكنولوجيا وحدها سيكون ظلماً للصورة الكاملة.

الصين ومصر لا تتعاملان اليوم مع بعضهما باعتبارهما دولتين تبحثان فقط عن صفقة تجارية هنا أو مشروع هناك.

العلاقة أصبحت أكثر عمقاً ، خصوصاً مع مرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين ، ومع وجود شراكة استراتيجية ممتدة بين القاهرة وبكين.

والرسالة السياسية في الزيارة لا تقل أهمية عن الرسالة الاقتصادية.

هناك دولتان تنتميان إلى حضارتين من أقدم حضارات العالم، وتريدان التأكيد على أن العلاقات بينهما لا تقوم فقط على المصالح التجارية ، وإنما على رؤية أوسع لعالم متعدد الأقطاب ، وعلى مساحة من التفاهم في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

ولذلك فإن زيارة الرئيس الصيني للمتحف المصري ليست مجرد جولة سياحية.

في السياسة ، الرمزية لها قيمة.

عندما يزور رئيس دولة كبرى متحفاً يحتفي بتاريخ الحضارة المصرية ، فأنت أمام رسالة تقول إن العلاقة لا تتأسس فقط على المصالح الآنية ، وإنما على التواصل بين حضارتين قديمتين تنظران إلى التاريخ باعتباره جزءًا من الهوية والقوة الناعمة.

لكن الجزء الأكثر أهمية في الزيارة بالنسبة لي سيكون سياسياً واقتصاديًا.

لأن مصر تقع في منطقة أصبحت واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة للصين.

مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وقناة السويس، وأمن الملاحة الدولية، واستقرار المنطقة ، كلها ملفات مرتبطة بشكل مباشر بالمصالح الصينية.

لماذا؟

لأن الصين عندما تتحدث عن مبادرة «الحزام والطريق»، فهي لا تتحدث عن طرق وموانئ فقط.

هي تتحدث عن شبكة ضخمة من طرق التجارة والطاقة والاستثمار تربط الصين بالأسواق الأوروبية والأفريقية والآسيوية.

ومصر تقع في واحدة من أهم نقاط هذه الشبكة.

ولهذا فإن استقرار مصر والمنطقة ليس بالنسبة لبكين قضية سياسية فقط، وإنما قضية اقتصادية واستراتيجية من الدرجة الأولى.

ثم هناك الجانب الآخر الذي لا يمكن تجاهله: الاستثمارات الصينية في مصر.

القاهرة تحتاج إلى الاستثمار والتكنولوجيا ونقل الخبرات، وبكين تبحث عن أسواق ومواقع إنتاج وممرات تجارية وشركاء استراتيجيين.

هذه المصالح المتبادلة تجعل العلاقة بين الطرفين مختلفة عن مجرد علاقة «مستثمر ودولة مضيفة».

الصين تريد أن تكون موجودة في المنطقة على المدى الطويل، ومصر تريد أن تستفيد من هذا الحضور دون أن تتحول إلى طرف تابع لأي قوة دولية.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية السياسة المصرية في السنوات الأخيرة.

القاهرة تحاول أن تتحرك وسط عالم شديد الاستقطاب، فلا تغلق الباب أمام الولايات المتحدة، ولا تتخلى عن علاقاتها مع أوروبا، وفي الوقت نفسه تعزز علاقاتها مع الصين وروسيا ودول أخرى.

وهذا النوع من السياسة يصبح أكثر أهمية في لحظة تتحول فيها المنافسة الأمريكية الصينية من منافسة اقتصادية إلى صراع على شكل النظام الدولي نفسه.

لذلك، عندما تنظر إلى المشهد كاملًا، ستجد أن القرار الأمريكي بشأن المسيرات والروبوتات الصينية وزيارة الرئيس الصيني إلى مصر ليسا بالضرورة حدثين منفصلين تمامًا.

الأول يعكس محاولة أمريكية لتقييد تمدد التكنولوجيا الصينية.

والثاني يعكس محاولة صينية لتوسيع الشراكات والأسواق والنفوذ الاقتصادي والسياسي.

وبين الاثنين توجد مصر.

مصر التي تمتلك سوقاً ضخمة ، وموقعاً جغرافياً استثنائياً، وقناة السويس ، وامتداداً عربياً وأفريقياً ، وعلاقات دولية متوازنة، وبالتالي تستطيع أن تتحول إلى نقطة مهمة جداً في معادلة التنافس بين أكبر قوتين اقتصاديتين وتكنولوجيتين في العالم.

وعشان كده، أنا لا أعتقد أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر يمكن اختزالها في توقيع اتفاقيات أو افتتاح مشروعات أو التقاط صور دبلوماسية.

هذه الزيارة تأتي في لحظة يعاد فيها رسم خريطة العالم اقتصادياً وسياسيًا وتكنولوجيًا.

والرسالة الأهم التي يجب أن نفهمها هي أن المعركة القادمة لن تكون فقط على النفط أو الغاز أو الممرات البحرية ، وإنما على من سيمتلك تكنولوجيا المستقبل ، ومن سيحدد قواعد استخدامها ، ومن سيملك الأسواق التي ستستهلكها.

والصين تعرف ذلك جيداً.

والولايات المتحدة تعرفه أكثر.

ولهذا تحاول واشنطن أن تغلق الأبواب أمام التمدد الصيني قبل أن يصبح من الصعب إغلاقها.

لكن المشكلة أن الصين ليست دولة يمكن إيقافها بمجرد قرار تقييد أو حظر.

لأن بكين لا تعتمد فقط على بيع منتج واحد.

هي بنت منظومة صناعية وتجارية هائلة، وكلما أغلقت أمامها سوقاً ، تبدأ في البحث عن سوق آخر، وكلما واجهت قيوداً على تكنولوجيا معينة ، تستثمر أكثر في تطوير البدائل المحلية.

ومن هنا أعتقد أن ما يحدث أمامنا ليس معركة على «الروبوتات والمسيرات» بقدر ما هو فصل جديد من حرب النفوذ على اقتصاد المستقبل.

أما مصر ، فالقصة بالنسبة لها يجب ألا تكون اختياراً بين واشنطن وبكين.

القصة الحقيقية هي كيف تستفيد مصر من المنافسة بين الاثنين، وكيف تحول موقعها الجغرافي وعلاقاتها الدولية وسوقها الكبير إلى أوراق قوة، بدلًا من أن تتحول إلى مجرد ساحة يتنافس عليها الآخرون.

وهنا تكمن أهمية الزيارة.

الصين جاءت إلى مصر ، وأمريكا تراقب.

والرسالة التي ستخرج من القاهرة لن تكون موجهة إلى بكين وحدها، ولا إلى واشنطن وحدها، وإنما إلى العالم كله: مصر تعرف حجم موقعها في المعادلة الجديدة، وتدرك أن المستقبل لن يكتبه طرف واحد، وأن القوة القادمة لن تكون فقط في امتلاك السلاح، وإنما في امتلاك التكنولوجيا والأسواق وسلاسل الإمداد والقدرة على بناء الشراكات.

وده بالضبط هو سبب أهمية المشهد كله .. لأن ما يحدث الآن ليس مجرد زيارة رئيس لدولة ، وإنما جزء من صراع أكبر بكثير على شكل العالم الذي سنعيش فيه خلال السنوات القادمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى