أردوغان يلاحق نتنياهو دولياً .. هل هي معركة قانون أم ورقة جديدة في صراع النفوذ مع إسرائيل؟

✍️ بقلم | يوحنا عزمي
باحث في الشؤون الإقليمية والدولية
ما جرى بين تركيا وإسرائيل خلال الساعات الأخيرة يبدو للوهلة الأولى وكأنه فصل جديد من فصول الكوميديا السياسية في الشرق الأوسط: تركيا تصدر مذكرة توقيف بحق بنيامين نتنياهو، ونتنياهو يرد بوصف رجب طيب أردوغان بالديكتاتور ، بينما يذهب الخطاب السياسي في الاتجاهين إلى أقصى درجات التصعيد. لكن خلف هذا المشهد الذي قد يبدو ساخراً ، توجد لعبة سياسية أكثر تعقيداً من مجرد تبادل الاتهامات أو تسجيل المواقف.
فتركيا لا تتحرك في فراغ ، وإسرائيل كذلك. كلاهما يدرك أن السياسة الدولية ليست مجرد بيانات ومؤتمرات صحفية، وإنما مساحة صراع على النفوذ والشرعية والصورة الذهنية والقدرة على التأثير. ومن هذه الزاوية ، فإن خطوة أنقرة لا ينبغي قراءتها فقط باعتبارها إجراءً قانونياً ، وإنما باعتبارها رسالة سياسية محسوبة بعناية، تستهدف الداخل التركي بقدر ما تستهدف إسرائيل والمجتمع الدولي.
وبحسب ما أعلنته أنقرة، فإنها تتجه إلى طلب إصدار نشرة حمراء عبر الإنتربول بحق نتنياهو استناداً إلى مذكرة التوقيف التي تتضمن اتهامات مرتبطة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتعذيب، وذلك في سياق القضية التي رفعتها تركيا ضد إسرائيل على خلفية اعتراض الأسطول التركي في المياه الدولية. وهنا تحديداً يجب التوقف عند نقطة مهمة : النشرة الحمراء ليست في حد ذاتها أمراً دولياً ملزماً بالقبض على الشخص وتسليمه بصورة آلية، وإنما هي طلب لتحديد مكان الشخص وتوقيفه مؤقتاً وفقاً للقانون الوطني للدولة المعنية ، تمهيداً للنظر في الإجراءات القانونية المناسبة.
وهذه النقطة تكشف الفارق الكبير بين الصورة التي قد تصل إلى الجمهور من خلال العناوين المثيرة ، وبين الواقع القانوني والسياسي. فحتى لو تحركت آليات الإنتربول، فإن تنفيذ أي توقيف على الأرض يظل مرتبطاً بالنظام القانوني للدولة التي يوجد فيها الشخص ، وبقراراتها السيادية ، وبالظروف السياسية المحيطة بالواقعة.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم : ما القيمة الفعلية لهذه الخطوة؟
إذا نظرنا إليها من منظور قانوني بحت، فسنكتشف أن الطريق من إصدار مذكرة أو طلب تعميم إلى القبض الفعلي على مسؤول سياسي من دولة حليفة للولايات المتحدة وإسرائيل هو طريق شديد التعقيد. فالقانون الدولي لا يعمل كشرطة عالمية تمتلك قوة تنفيذية مستقلة تستطيع اقتحام الدول والقبض على المطلوبين أينما كانوا. المؤسسات الدولية تملك أدوات قانونية وسياسية، لكنها لا تمتلك دائماً القدرة المادية على فرض هذه الأدوات عندما تصطدم بمصالح الدول الكبرى أو بالسيادة الوطنية.
ولذلك فإن احتمال تنفيذ مثل هذا الطلب داخل الدول الحليفة لإسرائيل أو الدول التي ترتبط بعلاقات استراتيجية وثيقة مع الولايات المتحدة يظل محدوداً للغاية، ليس لأن المذكرة لا قيمة قانونية لها من حيث المبدأ ، وإنما لأن الانتقال من القانون إلى التنفيذ يتطلب إرادة سياسية من الدولة التي يوجد على أراضيها الشخص المطلوب.
وهذه ليست مشكلة جديدة في النظام الدولي. فقد أظهرت قضايا سابقة أن أوامر التوقيف الدولية يمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي ورمزي أكثر من كونها أدوات تنفيذية فورية. وتجربة مذكرة التوقيف الصادرة بحق عمر البشير، ثم مذكرة المحكمة الجنائية الدولية بحق فلاديمير بوتين، كشفت بوضوح أن فعالية العدالة الجنائية الدولية لا تنفصل عن موازين القوة الدولية.
بل إن قضية بوتين تحديدًا أظهرت إلى أي مدى يمكن أن تتحول المذكرات الدولية إلى جزء من صراع سياسي أوسع حول شرعية المؤسسات الدولية نفسها، خصوصاً عندما تكون الدولة المعنية قوة كبرى قادرة على توفير الحماية السياسية والاستراتيجية لقادتها. ومن هنا ظهرت واحدة من أكبر أزمات النظام الدولي المعاصر: القانون الدولي موجود، لكن تطبيقه ليس متساوياً بالضرورة على جميع الأطراف.
وهذا هو جوهر المسألة.
المشكلة ليست في وجود مذكرة توقيف ، وإنما في القدرة على تحويلها إلى واقع. فالقانون يحتاج إلى أدوات تنفيذ ، وأدوات التنفيذ تحتاج إلى إرادة سياسية، والإرادة السياسية في العلاقات الدولية كثيراً ما تصطدم بالمصالح الاستراتيجية للدول.
ومن هنا يمكن فهم التحرك التركي بصورة أكثر واقعية. أردوغان لا يحتاج بالضرورة إلى القبض على نتنياهو حتى يعتبر خطوته ناجحة. يكفيه أن يضع نتنياهو في دائرة المطلوبين سياسياً ، وأن يرفع تكلفة تحركاته الخارجية ، وأن يقدم نفسه داخلياً وإقليمياً باعتباره أحد أكثر القادة مواجهة لإسرائيل ، وأن يستخدم الملف في إعادة بناء النفوذ التركي في المنطقة.
وهنا تتحول المذكرة من أداة قانونية إلى أداة سياسية ورمزية.
فأنقرة تعرف جيداً أن نتنياهو لن يُعتقل بسهولة لمجرد صدور طلب تركي ، لكنها تعرف أيضاً أن مجرد وجود طلب رسمي وتداوله دولياً يمكن أن يصنع أثرًا سياسيًا وإعلامياً، وأن كل دولة تستقبل نتنياهو بعد ذلك ستجد نفسها أمام سؤال حساس: هل ستتعامل معه باعتباره رئيس حكومة حليفاً طبيعياً ، أم باعتباره شخصاً يواجه طلبات توقيف واتهامات دولية؟
وهذا تحديداً هو ما يمكن أن يجعل الخطوة ذات قيمة سياسية حتى لو كانت فرص تنفيذها الفوري محدودة.
لكن هناك جانباً آخر أكثر أهمية، وهو أن التصعيد التركي الإسرائيلي لا يمكن عزله عن الصراع الأوسع على النفوذ في المنطقة، خصوصاً في سوريا.
فالمواجهة بين أنقرة وتل أبيب لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي حول غزة أو القضية الفلسطينية ، وإنما بدأت تلامس سؤالًا أكثر خطورة : من يمتلك القدرة على تشكيل مستقبل سوريا بعد إعادة توزيع موازين القوى فيها؟
تركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها مجالًا حيوياً لأمنها القومي ونفوذها الإقليمي ، وإسرائيل تنظر إلى سوريا باعتبارها مساحة استراتيجية يجب ألا تتحول إلى منصة لخصومها أو إلى مجال نفوذ لقوة إقليمية منافسة. وبالتالي فإن اصطدام المصالح بين الطرفين هناك يمكن أن ينتقل تدريجياً من المنافسة غير المباشرة إلى صراع أكثر وضوحاً على النفوذ.
ومن هنا يصبح من الخطأ التعامل مع مذكرة توقيف نتنياهو باعتبارها حدثاً منفصلًا عن السياق الإقليمي. فالسياسة الخارجية التركية تستخدم الأدوات القانونية والدبلوماسية والإعلامية والاقتصادية في وقت واحد ، بينما تستخدم إسرائيل أدواتها العسكرية والأمنية والدبلوماسية لحماية مجالها الحيوي ومنع صعود قوى إقليمية ترى أنها قد تهدد مصالحها.
ولذلك فإن وصف ما يحدث بأنه مجرد “مسلسل كوميدي” قد يكون صحيحًا من ناحية الشكل، لكنه لا يجب أن يخدعنا بشأن المضمون.
السياسة الدولية كثيراً ما تبدو مسرحاً للخطابات المتناقضة، لكن خلف هذه الخطابات توجد حسابات دقيقة للغاية. أردوغان يدرك أن نتنياهو لن يذهب بسهولة إلى قاعة محكمة نتيجة مذكرة تركية، ونتنياهو يدرك بدوره أن وصف أردوغان بالديكتاتور لن يوقف تركيا عن استخدام الملف الفلسطيني والقانوني في مواجهة إسرائيل.
كلاهما يلعب أمام جمهوره ، لكن كلاهما في الوقت نفسه يرسل رسائل إلى خصمه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستنجح تركيا في القبض على نتنياهو؟
السؤال الأهم هو : ماذا تريد تركيا أن تحقق من مجرد محاولة وضع نتنياهو تحت طائلة الملاحقة؟
والإجابة تبدو أقرب إلى معركة الشرعية والنفوذ منها إلى معركة الاعتقال نفسها.
أنقرة تريد أن تقول إن إسرائيل ليست فوق المساءلة، وإن نتنياهو يمكن أن يتحول هو الآخر إلى عبء دبلوماسي على الدول التي تستقبله. كما تريد أن تثبت لجمهورها وللمنطقة أنها قادرة على تحويل موقفها السياسي من إسرائيل إلى خطوات قانونية ومؤسسية، لا مجرد بيانات إدانة.
وفي المقابل ، فإن إسرائيل ستتعامل مع الخطوة باعتبارها جزءًا من حملة سياسية تركية تستهدف شرعيتها ومكانتها الدولية، وهو ما يعني أن التصعيد الإعلامي والدبلوماسي بين الطرفين مرشح للاستمرار.
لذلك، فإن قيمة الخطوة التركية لا ينبغي أن تقاس بعدد الاعتقالات التي ستتم، وإنما بمدى قدرتها على تغيير البيئة السياسية المحيطة بنتنياهو وإسرائيل، وبمدى نجاح أنقرة في تحويل الملف إلى ورقة ضغط مستمرة.
قد لا يصل نتنياهو إلى قاعة محكمة بسبب هذه المذكرة، وقد لا يتم توقيفه في أي دولة يزورها، لكن هذا لا يعني أن الخطوة بلا تأثير.
في السياسة الدولية، أحياناً لا تكون قيمة السلاح في إطلاقه، وإنما في إبقائه موجهاً إلى الخصم.
ومذكرة التوقيف هنا قد تكون من هذا النوع: أداة ضغط رمزية وقانونية، تستخدمها تركيا في صراع أكبر على النفوذ والشرعية، بينما يبقى الاختبار الحقيقي في مكان آخر تماماً ؛ في سوريا، وفي مستقبل التوازنات الإقليمية ، وفي قدرة كل طرف على منع الطرف الآخر من تحويل نفوذه السياسي والعسكري إلى واقع دائم.
ولهذا فإن ما يبدو في ظاهره مجرد مواجهة كلامية بين أردوغان ونتنياهو قد يكون في الحقيقة جزءًا من صراع أعمق بكثير على شكل المنطقة خلال السنوات المقبلة.
والأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه الخطوة ستظل مجرد ورقة سياسية وإعلامية، أم أنها ستكون مقدمة لمرحلة أكثر حدة في المواجهة التركية الإسرائيلية ، خصوصاً إذا استمر تضارب المصالح بين الطرفين داخل الساحة السورية.
فالمسلسل قد يبدو ساخراً أمام الكاميرات ، لكن الحسابات التي تجري خلفها ليست ساخرة على الإطلاق.



