مقالات

من تأميم قناة السويس إلى بيع أصول الدولة .. هل نكرر أخطاء الخديوي إسماعيل؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

بهدوء شديد .. هل وصلنا إلى اللحظة التي يصبح فيها السؤال: هل يمكن أن تتحول أصول الدولة المصرية ، يوماً بعد يوم ، إلى مجرد بنود في قوائم البيع لسداد الديون؟

السؤال صادم ، وربما يرفضه البعض من الأساس ، لكن أحياناً تكون الصدمة هي الوسيلة الوحيدة لإجبارنا على النظر إلى الصورة كاملة ، بعيداً عن الضجيج السياسي والإعلامي.

في 26 يوليو 1956، وقف جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية أمام جماهير غفيرة ، وأعلن قراراً غير تاريخ مصر والمنطقة والعالم: تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية، وانتقال أموالها وحقوقها والتزاماتها إلى الدولة المصرية.

كانت لحظة تاريخية بكل معنى الكلمة.

لم يكن الأمر مجرد قرار اقتصادي يتعلق بشركة تدير ممراً مائياً، وإنما كان إعلاناً بأن مورداً استراتيجياً يقع داخل الأراضي المصرية يجب أن يعود إلى السيادة المصرية ، وأن الدولة المصرية لن تقبل أن تظل مواردها خاضعة لإرادة قوى خارجية.

ولهذا لم تكن عبارة “تأميم قناة السويس” مجرد جملة في خطاب سياسي؛ كانت بالنسبة إلى المصريين إعلاناً عن استعادة جزء من السيادة الوطنية.

وهنا تحديداً يجب أن نتوقف أمام التاريخ، لا لكي نعيش فيه، وإنما لكي نفهمه.

قناة السويس لم تكن مشروعاً عادياً. حفرها ارتبط بتضحيات بشرية هائلة من المصريين ، وكانت القناة منذ إنشائها مرتبطة بصورة شديدة التعقيد بتاريخ النفوذ الأجنبي والديون والامتيازات والتدخل في القرار المصري.

وفي القرن التاسع عشر، دخلت مصر بالفعل في أزمة مالية خانقة انتهت بتزايد التدخل الأوروبي في شؤونها ، وصولًا إلى الاحتلال البريطاني عام 1882.

والدرس الأهم هنا ليس أن كل مشروع كبير يؤدي بالضرورة إلى كارثة، ولا أن الاقتراض في حد ذاته خيانة، وإنما أن الدولة عندما تفقد السيطرة على اقتصادها، وتصبح مواردها المستقبلية مرهونة بخدمة ديونها ، فإن هامش استقلال قرارها السياسي يبدأ في الانكماش.

وهذا هو الجزء الذي يجب أن يقلقنا اليوم.

مصر دولة كبيرة ، واحتياجاتها التنموية ضخمة، ومن الطبيعي أن تنفذ مشروعات كبرى في النقل والطاقة والبنية التحتية والعمران. كما أن الاقتراض ليس جريمة في حد ذاته، فكل دول العالم تقريباً تقترض عندما تستثمر في المستقبل.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاقتراض من وسيلة لتمويل التنمية إلى وسيلة مستمرة لسداد التزامات سابقة، وعندما يصبح السؤال الأساسي أمام الحكومة ليس: ماذا سنبني غداً؟ وإنما : من أين سندبر أقساط واستحقاقات العام القادم؟

هنا يصبح بيع الأصول أحد الحلول المتاحة أمام الدولة.

بيع أصل قد يكون منطقياً في بعض الحالات إذا كان الأصل خاسراً أو إذا كان الاستثمار الخاص سيزيد إنتاجيته ويوفر للدولة موارد أكبر. لكن بيع الأصول الاستراتيجية أو مصادر الدخل المستدامة يحتاج إلى حساب مختلف تماماً.

لأن الدولة لا ينبغي أن تنظر فقط إلى السعر الذي تحصل عليه اليوم ، وإنما إلى الإيراد الذي تتخلى عنه غداً.

وهذه هي النقطة الجوهرية في قضية الأصول المصرية.

إذا بعت أصلًا مرة واحدة لتحصل على مليارات، فقد حليت مشكلة مالية في لحظة معينة ، لكنك فقدت مصدراً يمكن أن يدر دخلاً لعشرات السنين.

وإذا استخدمت حصيلة البيع لسداد دين ، ثم وجدت نفسك في العام التالي بحاجة إلى الاقتراض من جديد، فأنت لم تعالج أصل المشكلة ، أنت فقط أجلت الأزمة.

وهنا تظهر الحلقة الأخطر:

ديون تؤدي إلى خدمة دين مرتفعة، وخدمة الدين تضغط على الموازنة، والضغط يدفع إلى الاقتراض أو بيع الأصول، ثم يؤدي الاقتراض الجديد إلى زيادة الالتزامات المستقبلية، فتحتاج الدولة إلى موارد إضافية ، وهكذا تستمر الدائرة.

وهذا لا يعني أن مصر “تُباع” بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا أن كل عملية بيع أصل هي مؤامرة، لكن يعني أن علينا أن نسأل بوضوح: ما الذي نبيعه؟ ولماذا؟ وبأي سعر؟ ومن المستفيد؟ وماذا ستفعل الدولة بالمال؟ وهل سيولد البيع دخلاً مستداماً أم سيستخدم فقط في سد فجوة مؤقتة؟

أما قناة السويس ، فهنا تصبح المسألة مختلفة تماماً. 

قناة السويس ليست مجرد شركة أو مبنى أو قطعة أرض يمكن تقييمها في جدول مالي.

هي واحدة من أهم ركائز الأمن الاقتصادي والاستراتيجي المصري، وممر ملاحي عالمي ، ورمز تاريخي للسيادة المصرية.

ولهذا فإن مجرد طرح فكرة التخلي عن ملكية الدولة للقناة، إن كان هذا هو المقصود فعلًا، يستوجب نقاشاً وطنياً واسعاً وشفافاً، وليس مجرد تصريحات عابرة أو عناوين مثيرة.

فالملكية شيء، والاستثمار أو الإدارة أو الشراكات شيء آخر تماماً.

ومن الخطأ أن نخلط بين الأمرين.

يمكن للدولة أن تدخل في شراكات، ويمكن أن تجذب استثمارات، ويمكن أن تطور الموانئ والخدمات اللوجستية والمناطق الاقتصادية، ويمكن أن تستخدم أدوات تمويل مختلفة، لكن هناك أصولًا لا ينبغي أن يناقش أمرها بعقلية “كم سندخل من المال اليوم؟” فقط.

قناة السويس واحدة من هذه الأصول.

والأهم من كل ذلك أن المصريين يحتاجون إلى إجابة واضحة عن سؤال أكبر من القناة نفسها : إلى أين يتجه النموذج الاقتصادي للدولة؟

هل نحن أمام برنامج مؤقت لإعادة هيكلة الاقتصاد وتعظيم العائد من الأصول وتحسين الإنتاج ، أم أمام اعتماد متزايد على بيع الأصول والاقتراض لتغطية الاحتياجات التمويلية؟

الفارق بين النموذجين هائل.

الأول يمكن أن يؤدي إلى اقتصاد أكثر كفاءة وقوة.

أما الثاني، إذا تحول إلى سياسة دائمة، فيمكن أن يجعل الدولة تفقد تدريجياً مصادر دخلها المستقبلية.

وهنا أصل إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي.

أنا لا أطرح هذه الأسئلة باعتبارها دعوة إلى الفوضى أو الصدام أو هدم الدولة، بل على العكس تماماً؛ لأن الحفاظ على الدولة المصرية يقتضي أن نناقش أخطاء السياسة الاقتصادية قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب علاجها.

الرئيس يملك سلطة اتخاذ القرار ، لكنه في النهاية مسؤول أمام التاريخ والشعب عن شكل الاقتصاد المصري الذي سيتركه للأجيال القادمة.

والشعب الذي تحمل سنوات صعبة ، وتحمل الإصلاحات وارتفاع الأسعار والضغوط الاقتصادية، من حقه أن يعرف بوضوح إلى أين تتجه البلاد.

من حقه أن يعرف ما الذي يباع، ولماذا يباع، وما البديل، وكيف سيتم استخدام حصيلة البيع، وما الذي ستملكه الدولة بعد عشر سنوات من الآن.

ومن حقه أيضاً أن يسأل : هل هدفنا بناء اقتصاد ينتج ويصدر ويخلق فرص عمل ، أم اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على بيع ما تم بناؤه في عقود سابقة؟

هذه ليست أسئلة معادية للدولة.

هذه أسئلة وطنية.

أما فكرة “الثورة” التي يطرحها البعض، فأنا أرى أن مصر لا تحتاج اليوم إلى ثورة تحرق مؤسساتها أو تدخلها في فوضى جديدة، وإنما تحتاج إلى ثورة في طريقة إدارة الاقتصاد.

ثورة في مكافحة الفساد.

ثورة في الشفافية.

ثورة في اختيار الأولويات.

ثورة في دعم الصناعة والزراعة والتصدير.

ثورة في تحويل المصري من مستهلك يعتمد على الاستيراد إلى منتج قادر على المنافسة.

وثورة في تحقيق قدر أكبر من العدالة الاجتماعية، بحيث لا تتحمل الطبقات الأقل دخلًا وحدها تكلفة الإصلاح الاقتصادي.

الدولة القوية ليست الدولة التي تبيع أكثر.

الدولة القوية هي التي تنتج أكثر.

والاقتصاد القوي ليس الاقتصاد الذي يستطيع تدبير قرض جديد كلما ظهرت أزمة ، وإنما الاقتصاد الذي يمتلك من مصادر الدخل والإنتاج ما يجعله قادرًا على الوفاء بالتزاماته دون أن يضطر كل عام إلى البحث عن أصل جديد للبيع.

أما قضية اللاجئين ، فيجب أن تُناقش هي الأخرى بعقل الدولة، وليس بمنطق التعميم أو الكراهية.

مصر استضافت أعداداً كبيرة من أشخاص فروا من حروب وصراعات في المنطقة، وهذه قضية لها أبعاد إنسانية واقتصادية وأمنية حقيقية، ومن حق الدولة أن تضع سياسات واضحة لتنظيم الإقامة والعمل والخدمات والأمن.

لكن لا يجوز تحويل جنسية كاملة أو ملايين الأشخاص إلى كتلة واحدة واتهامهم جميعاً بالعمالة أو التطرف أو الخيانة.

الأمن القومي لا يقوم على التعميم ، وإنما على المعلومات والتحريات والقانون.

ومن تثبت إدانته أو تورطه في نشاط إجرامي أو إرهابي يجب أن يحاسب وفق القانون ، بصرف النظر عن جنسيته.

وفي الوقت نفسه، من حق المصريين أن يطالبوا الدولة بالشفافية بشأن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لاستضافة أعداد كبيرة من الوافدين ، وأن يعرفوا كيف يتم تنظيم وجودهم ، وكيف توازن الدولة بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات الأمن القومي ومصالح المواطن المصري.

هذه هي الدولة القوية.

لا دولة العاطفة ، ولا دولة الكراهية.

وبالمناسبة ، التاريخ نفسه يقدم لنا درساً بالغ الأهمية في مسألة المسؤولية السياسية.

بعد هزيمة يونيو 1967، خرج جمال عبد الناصر إلى الشعب معلناً تحمله المسؤولية السياسية عن الهزيمة، وطرح تنحيه عن السلطة، قبل أن يتراجع عن ذلك تحت ضغط الجماهير.

قد يختلف الناس حول تجربة عبد الناصر بأكملها، وقد تختلف تقييماتهم لسياساته الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكن فكرة تحمل المسؤولية تظل مبدأً مهماً في الحياة العامة.

الحاكم ليس معصوماً من الخطأ.

والمسؤولية السياسية تعني أن يعترف المسؤول عندما يخطئ، وأن يصحح المسار ، وأن يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الشخصية.

ولهذا ، أنا لا أطالب الرئيس السيسي بالتنحي.

بل أقول العكس تماماً : ما زالت هناك فرصة حقيقية لتصحيح المسار.

مصر لا تحتمل فراغاً سياسياً ، ولا انهياراً اقتصادياً ، ولا صراعاً داخلياً جديداً.

ما تحتاجه مصر هو قرار سياسي واضح بأن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة بناء اقتصاد منتج ، لا مجرد إدارة للأزمة.

مرحلة يكون فيها بيع الأصل هو الاستثناء وليس القاعدة.

مرحلة لا تقاس فيها المشروعات بحجمها في الصور والافتتاحات، وإنما بعائدها الاقتصادي وقدرتها على خلق قيمة مضافة وفرص عمل وزيادة الإنتاج والصادرات.

مرحلة يتم فيها تقييم كل مشروع وفق سؤال بسيط: هل كان هذا هو أفضل استخدام لأموال الدولة في هذا التوقيت؟

لأن مصر ليست مجرد أرض.

مصر أصول وموارد ومؤسسات وتاريخ، والأهم من ذلك كله أنها أجيال قادمة لها حق في أن تجد دولة تمتلك مصادر قوة حقيقية.

في 1956، كان التحدي هو استعادة السيطرة على قناة السويس.

أما تحدي اليوم فهو أكبر وأعقد : كيف نحافظ على الأصول الاستراتيجية ، وفي الوقت نفسه نبني اقتصادًا قادراً على تمويل نفسه؟

وهنا لا يجب أن يكون السؤال: هل أنت مع الحكومة أم ضدها؟

السؤال الحقيقي هو : هل القرار في مصلحة مصر أم لا؟

إذا كان بيع أصل سيخلق استثماراً وإنتاجاً وفرص عمل ويزيد موارد الدولة مستقبلًا ، فليشرح المسؤولون ذلك بالأرقام.

وإذا كان البيع مجرد وسيلة لسداد التزامات عاجلة ثم العودة إلى الاقتراض من جديد ، فعلينا أن نتوقف ونسأل : إلى متى؟

قناة السويس بالنسبة للمصريين ليست رقماً في ميزانية.

إنها جزء من الذاكرة الوطنية.

ولهذا فإن أي حديث عن ملكيتها أو مستقبلها يجب أن يكون واضحاً وضوح الشمس ، لأن الأصول الاستراتيجية لا تُدار بالشائعات، ولا بالتصريحات المقتضبة، ولا بمنطق “اطمئنوا”.

الشعب يريد أن يفهم.

والشفافية هنا ليست رفاهية.

إنها جزء من حماية الدولة نفسها.

يا سيادة الرئيس، المصريون لم يختاروا القيادة لكي تحافظ فقط على ما هو قائم ، وإنما لكي تصنع مستقبلًا أفضل.

والمطلوب الآن ليس خطاباً جديداً عن الإنجازات، ولا خطاباً جديداً عن المؤامرات.

المطلوب كشف الحساب.

كم علينا؟

كم ندفع سنوياً؟

كم ننتج؟

كم نصدر؟

ماذا نملك؟

ماذا بعنا؟

لماذا بعناه؟

وماذا سنترك لأبنائنا؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تشغل مصر الآن.

لأن الوطن الذي دفع أبناؤه ثمن استقلاله بالدم ، يجب ألا يدفع ثمن أخطائه الاقتصادية من ممتلكاته ومستقبل أجياله.

مصر ليست للبيع.

لكن الأهم من أن نقول ذلك كشعار ، هو أن نبني اقتصاداً يجعلها غير مضطرة أصلًا إلى البيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى