تحذير أمريكي لموسكو من ضرب الناتو.. هل اقتربت حرب روسيا وأوروبا من لحظة الانفجار؟

✍️ يوحنا عزمي
لو أنت لسه شايف إن الحرب الروسية الأوكرانية مجرد حرب بعيدة عن أوروبا ، وإن كل اللي بيحصل مجرد جولة جديدة من القصف المتبادل بين موسكو وكييف ، فأنت محتاج تبص للصورة الأوسع شوية ؛ لأن التطورات الأخيرة بدأت تكشف عن شيء أخطر بكثير: واشنطن نفسها أصبحت تتعامل مع احتمال خروج الحرب من حدود أوكرانيا باعتباره سيناريو يستحق التحذير المباشر والاستعداد له.
خلال الأيام الماضية، وصل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف إلى موسكو في زيارة مفاجئة ، وهي الزيارة الأولى المعروفة لمدير للـCIA إلى روسيا منذ زيارة وليام بيرنز لموسكو في نوفمبر 2021، عندما كان يحمل تحذيراً أمريكياً للقيادة الروسية من مغبة غزو أوكرانيا، قبل أن تبدأ الحرب بعد ذلك بأشهر.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية الزيارة الحالية، لأن التقارير التي ظهرت اليوم تشير إلى أن راتكليف نقل إلى الجانب الروسي رسالة تتعلق بعدم مهاجمة أي دولة عضو في حلف الناتو ، وسط مخاوف استخباراتية أمريكية من احتمال أن تقدم موسكو على عملية محدودة ضد إحدى دول الحلف، سواء من خلال هجمات إلكترونية وتخريبية أو حتى تحرك عسكري مباشر ، خصوصاً على الجناح الشرقي للناتو.
صحيح أن الرئيس دونالد ترامب حاول التقليل من أهمية القصة، وقال إن بوتين لن يهاجم دولة من دول الناتو، وإن زيارة راتكليف كانت روتينية ، لكن مجرد ظهور هذه المخاوف على مستوى أجهزة الاستخبارات الأمريكية يستحق التوقف أمامه؛ لأن أجهزة الاستخبارات لا تتحرك عادة بهذا المستوى من الحساسية بسبب تصريحات سياسية عابرة، وإنما عندما تكون هناك مؤشرات ترى واشنطن أنها تستحق أن تصل مباشرة إلى القيادة الروسية.
والأخطر أن هذا التحذير يأتي في لحظة شديدة التعقيد داخل الحرب نفسها.
مفاوضات السلام وصلت إلى طريق مسدود، والرهان الذي كان قائمًا على إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية يبدو أكثر صعوبة من أي وقت مضى، بينما تستعد روسيا لتصعيد جديد في ساحة القتال. بل إن تقارير حديثة تتحدث عن استعداد موسكو لرفع مستوى عملياتها بعد أن خلصت إلى أن المسار التفاوضي لم يعد يحقق النتائج التي تريدها.
وهنا تظهر العبارة التي نُسبت إلى فلاديمير بوتين: “أوكرانيا فتحت صندوق باندورا… حسناً ، فلتكن مستعدة.”
بغض النظر عن التفسير الحرفي لهذه العبارة، فإن معناها السياسي واضح: الكرملين يريد أن يقول إن قواعد اللعبة قد تغيرت، وإن ما تعتبره أوكرانيا وحلفاؤها تصعيدًا مشروعاً يمكن أن يُقابل بتصعيد روسي أكبر.
والمشكلة أن حدود هذه اللعبة لم تعد واضحة كما كانت في بداية الحرب.
بريطانيا، على سبيل المثال، لم تعد تكتفي بتزويد أوكرانيا بالأسلحة والذخائر، وإنما أعلنت في الأيام الماضية أنها ستساعد كييف على تطوير قدرتها الخاصة على إنتاج صواريخ SCALP، وهي النسخة الفرنسية البريطانية من منظومة Storm Shadow، من خلال توفير معلومات تقنية سرية تتعلق بالمكونات البريطانية للصاروخ.
وهذا تطور مهم جداً من الناحية الاستراتيجية.
لأن الفارق كبير بين أن تمنح دولة حليفة صاروخاً لكي تستخدمه، وبين أن تساعدها على امتلاك المعرفة الصناعية والتكنولوجية التي تمكنها مستقبلًا من إنتاج منظومات مماثلة على أراضيها.
بمعنى آخر، الغرب لا يكتفي هنا بإمداد أوكرانيا بقدرات عسكرية جاهزة، وإنما يحاول بناء قدرة أوكرانية أكثر استقلالًا على إنتاج الأسلحة بعيدة المدى.
ومن وجهة النظر الروسية، فإن هذه الخطوة تعني أن الحرب لا تتجه نحو التهدئة، وإنما نحو تعميق قدرة أوكرانيا على ضرب العمق الروسي.
وهنا نفهم لماذا أصبحت تصريحات سيرجي لافروف أكثر حدة، ولماذا تحاول موسكو باستمرار رسم خط فاصل بين الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا وبين المشاركة المباشرة في الحرب. بالنسبة للكرملين، المشكلة ليست فقط في السلاح الذي يصل إلى الجيش الأوكراني، وإنما في مستوى المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا والمساعدة الفنية التي تمكن كييف من استخدام هذه الأسلحة بكفاءة ضد أهداف داخل روسيا.
وبالتالي فإن الخطر الحقيقي ليس بالضرورة أن تستيقظ أوروبا غداً على حرب روسية شاملة ضد الناتو ، فهذا سيناريو كارثي لا توجد حتى الآن أدلة كافية للقول إنه أصبح قراراً روسياً محسوماً.
الخطر الحقيقي هو شيء أكثر تعقيداً : أن تبدأ الحرب في إنتاج سلسلة من الاحتكاكات المتدرجة التي تجعل الانتقال من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة أمرًا ممكنًا.
ضربة أوكرانية بعيدة المدى على هدف روسي حساس، يتبعها رد روسي على منشأة أو قاعدة مرتبطة بدولة غربية، ثم رد آخر من الجانب الآخر، وهكذا يمكن أن تبدأ سلسلة التصعيد التي لا يخطط لها أحد في البداية ، لكنها تصبح صعبة الإيقاف بعد أن تبدأ.
وهنا يصبح الحديث عن الجناح الشرقي للناتو بالغ الأهمية، خصوصاً دول البلطيق وبولندا وغيرها من الدول التي ترى في روسيا تهديدًا مباشراً ، وترى أن أي اختبار روسي لمصداقية المادة الخامسة من معاهدة الناتو يمكن أن يغير قواعد الأمن الأوروبي بالكامل.
وفي الوقت نفسه ، تتحرك روسيا على الأرض في أوكرانيا باتجاه معركة شديدة الأهمية ، خصوصاً في محور سلافيانسك وكراماتورسك في دونباس، وهي منطقة ذات قيمة استراتيجية وعسكرية وسياسية هائلة.
إذا نجحت القوات الروسية في تحقيق اختراق كبير هناك، فإن موسكو لن تكون قد حصلت فقط على مكسب ميداني جديد، وإنما ستكون قد اقتربت أكثر من تحقيق أحد الأهداف الأساسية التي وضعتها منذ بداية الحرب ، وهو السيطرة الكاملة على إقليم دونباس.
لكن في المقابل، تعرف كييف أن خسارة هذا المحور ستكون مكلفة جداً ، ولذلك فإنها تحاول تعويض ضعفها النسبي على الأرض بزيادة قدرتها على ضرب العمق الروسي ، وهو ما يفسر أهمية الأسلحة بعيدة المدى والدعم البريطاني والفرنسي والأوروبي المتزايد.
وهنا ندخل إلى أخطر نقطة في المشهد كله : الغرب يريد أن يمنع روسيا من الانتصار، لكنه في الوقت نفسه لا يريد حرباً مباشرة بين الناتو وروسيا.
وهذه معادلة شديدة الصعوبة.
لأن كل خطوة إضافية في تسليح أوكرانيا قد ترفع كلفة الحرب على روسيا، لكنها في الوقت نفسه تزيد احتمالات أن ترى موسكو أن الدول التي تقدم هذا الدعم أصبحت أطرافاً مباشرة في الصراع.
ومن هنا تأتي أهمية التحذير الأمريكي الأخير.
إذا كانت واشنطن فعلًا قد أرسلت مدير استخباراتها إلى موسكو لتوصيل رسالة واضحة بشأن عدم مهاجمة الناتو، فهذا يعني أن الولايات المتحدة لا تنظر فقط إلى ما يحدث في أوكرانيا، وإنما بدأت تنظر إلى “اليوم التالي” للتصعيد، وإلى احتمال أن تحاول موسكو اختبار حدود الرد الغربي خارج الأراضي الأوكرانية.
وفي الجانب الآخر من الصورة، هناك تطور أمريكي لا يقل أهمية.
البنتاجون يراجع حاليًا مستقبل انتشار القوات الأمريكية في أوروبا، ويستعد لتقديم عدة خيارات تتعلق بمستويات وانتشار هذه القوات، وسط وجود نحو 80 ألف جندي أمريكي في القارة الأوروبية. والمهم هنا أن الأمر لم يتحول إلى قرار نهائي بسحب هذه القوات، لكنه أصبح بالفعل موضوعًا رسميًا للمراجعة داخل وزارة الدفاع الأمريكية.
وهذه النقطة بالذات يجب ألا تُفهم بصورة سطحية.
ترامب لا يقول بالضرورة: “سأترك أوروبا تواجه روسيا وحدها”، وإنما يقول عمليًا للأوروبيين: إذا كانت أوروبا تريد حماية نفسها، فعليها أن تتحمل نصيباً أكبر من تكلفة هذه الحماية.
واشنطن تريد من الأوروبيين إنفاق المزيد ، وتوفير المزيد من القوات، وتحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن القارة، بينما تحتفظ الولايات المتحدة بقدرات استراتيجية حاسمة مثل الاستخبارات والفضاء والقدرات النووية والقدرة على إعادة الانتشار.
لكن المشكلة أن الانتقال من نموذج يعتمد بصورة كبيرة على الولايات المتحدة إلى نموذج تتحمل فيه أوروبا مسؤولية أكبر لا يحدث بين ليلة وضحاها.
فالقوة العسكرية الأمريكية في أوروبا ليست مجرد عدد جنود.
هناك قواعد عسكرية، واستخبارات، وقدرات استطلاع، ونقل استراتيجي، ودفاع جوي، ولوجستيات، وقيادة وسيطرة، وقدرات فضائية وسيبرانية، وكلها عناصر تحتاج أوروبا إلى سنوات حتى تتمكن من تعويض جزء كبير منها.
ولهذا فإن مجرد طرح سيناريو خفض القوات الأمريكية في الوقت الذي ترتفع فيه احتمالات التصعيد مع روسيا يخلق قلقًا حقيقيًا داخل العواصم الأوروبية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن منع موسكو من الاقتراب من أراضي الناتو، تراجع في الوقت نفسه حجم وانتشار القوة الأمريكية التي تشكل منذ عقود العمود الفقري للردع الأوروبي.
هل هذا تناقض؟
ليس بالضرورة.
قد يكون جزءاً من إعادة توزيع أمريكية أكبر للأولويات الاستراتيجية.
فالولايات المتحدة لا تواجه روسيا وحدها، وإنما لديها أيضاً الصين في المحيطين الهندي والهادئ ، وإيران والشرق الأوسط ، وملفات أخرى تستنزف مواردها العسكرية والسياسية.
وبالتالي فإن واشنطن تحاول، على ما يبدو، أن تقول للأوروبيين: لن نتخلى عنكم، لكننا لن نستمر في تحمل العبء الأكبر عنكم إلى الأبد.
وهنا تحديدًا تبدأ اللعبة الأخطر.
لأن روسيا قد ترى في أي تراجع أمريكي فرصة لاختبار تماسك الناتو، بينما قد ترى أوروبا في التصعيد الروسي سببًا لتسريع بناء قوتها العسكرية المستقلة، وقد ترى واشنطن أن الوقت مناسب لإعادة توزيع قواتها ومواردها نحو آسيا.
والطرف الذي يراقب كل هذا من بعيد هو الصين.
بكين لا تحتاج إلى دخول الحرب كي تستفيد منها.
كلما انشغلت الولايات المتحدة أكثر في أوروبا والشرق الأوسط، وكلما استنزفت مخزوناتها العسكرية ومواردها المالية، وكلما أصبح الحلف الأطلسي أكثر انشغالًا بخلافاته الداخلية، زادت مساحة المناورة أمام الصين في آسيا.
ولهذا فإن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد مجرد حرب على حدود روسيا وأوكرانيا.
هي أصبحت اختباراً لمستقبل النظام الأمني الأوروبي، ولشكل العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا ، ولمدى قدرة الناتو على الحفاظ على الردع، وفي الوقت نفسه اختباراً غير مباشر للتوازن العالمي بين واشنطن وبكين.
ولهذا فإن أخطر ما يحدث الآن ليس بالضرورة أن روسيا ستهاجم الناتو غداً ، ولا أن أمريكا ستسحب قواتها من أوروبا غداً.
الأخطر هو أن كل الأطراف بدأت تستعد لسيناريو كان الجميع حتى وقت قريب يحاولون منعه: سيناريو فقدان السيطرة على مسار التصعيد.
وهنا تصبح زيارة مدير الـCIA إلى موسكو، والتحذير الأمريكي لروسيا، والتصعيد البريطاني في تسليح أوكرانيا، والتحركات الروسية في دونباس، ومراجعة البنتاجون للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، أجزاء من صورة واحدة أكبر.
الصورة تقول إن أوروبا دخلت مرحلة شديدة الحساسية، وإن الحرب لم تعد تتحرك فقط على خطوط الجبهة داخل أوكرانيا، وإنما بدأت تقترب تدريجياً من الخطوط الحمراء التي تفصل الحرب الروسية الأوكرانية عن مواجهة أوسع بين روسيا والغرب.
والسؤال الحقيقي الآن ليس: هل ستندلع حرب عالمية غداً ؟
السؤال الأخطر هو: إلى أي مدى تستطيع القوى الكبرى الاستمرار في اللعب فوق حافة الهاوية دون أن يسقط أحدها فيها؟



