مقالات

شي جين بينغ في مصر.. زيارة ترسم ملامح التحالف الجديد بين القاهرة وبكين

✍️ يوحنا عزمي

خلال الأيام القليلة المقبلة ، تستعد مصر لحدث سياسي واستراتيجي بالغ الأهمية، ليس فقط من زاوية البروتوكول أو الإجراءات الأمنية التي ترافق زيارة شخصية بهذا الحجم، وإنما بالنظر إلى طبيعة الضيف والظرف الإقليمي والدولي الذي تأتي فيه الزيارة.

الرئيس الصيني شي جين بينغ في مصر.

مجرد الإعلان عن زيارة الرئيس الصيني للقاهرة يحمل في حد ذاته دلالة سياسية كبيرة، خصوصاً أن العلاقات المصرية الصينية تدخل هذا العام محطة رمزية مهمة مع مرور سبعة عقود على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. ومن هنا، فإن الزيارة لا يمكن قراءتها باعتبارها زيارة بروتوكولية عابرة، وإنما باعتبارها رسالة سياسية واستراتيجية تتعلق بمستقبل الشراكة بين القاهرة وبكين، وبموقع مصر داخل الحسابات الصينية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

واللافت أن توقيت الزيارة يأتي بعد فترة قصيرة من تنفيذ مناورة «نسور الحضارة 2026»، وهي المناورة الثانية من هذا النوع خلال عامين بين القوات المصرية والصينية، بما يعكس أن التعاون بين البلدين لم يعد محصوراً في الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية، وإنما بدأ يمتد بصورة أكثر وضوحًا إلى المجال العسكري والأمني.

ومناورات من هذا النوع لا تقتصر أهميتها على التدريبات العسكرية نفسها، خصوصاً عندما تتضمن تدريبات مرتبطة بالقتال الجوي والتفوق الجوي وعمليات البحث والإنقاذ القتالي وتوظيف القوات. فالمناورة في السياسة الدولية ليست مجرد تدريب، وإنما يمكن أن تكون أيضاً وسيلة لبناء الثقة المتبادلة ، واختبار مستوى التنسيق، وتبادل الخبرات ، وإرسال رسائل إلى الأطراف الأخرى التي تراقب طبيعة العلاقات بين الدول المشاركة.

وهنا تظهر نقطة أكثر إثارة للاهتمام، وهي استمرار وجود القوات الصينية التي شاركت في المناورة داخل مصر حتى أوائل سبتمبر، بالتزامن تقريبًا مع توقيت مغادرة الرئيس الصيني. وبغض النظر عن التفاصيل العملياتية التي لا يمكن الجزم بها من دون بيانات رسمية، فإن تزامن وجود عناصر عسكرية صينية مع زيارة القيادة السياسية الصينية يلفت الانتباه إلى حجم الزخم الذي اكتسبه التعاون العسكري بين القاهرة وبكين.

والأهم من ذلك أن التعاون العسكري المصري الصيني لم يبدأ من هذه المناورة ، وإنما شهد خلال السنوات الأخيرة تطورات لافتة، من بينها التقارير المتعلقة بحصول مصر على مقاتلات صينية متقدمة من طراز J-10C، وما يرتبط بها من منظومات تسليح جو-جو بعيدة المدى.

وهنا تحديداً نفهم لماذا أثار هذا الملف اهتماماً إقليمياً ودولياً، وبالأخص في إسرائيل. القضية بالنسبة لبعض المراقبين لم تكن مجرد دخول طائرة مقاتلة جديدة إلى الترسانة المصرية، وإنما مرتبطة بما يعنيه امتلاك قدرات جوية وتسليحية متقدمة في إعادة تشكيل معادلات القوة والردع في المنطقة.

كما ظهرت خلال الفترة الماضية تقارير وتحليلات أميركية حول اتجاه مصر إلى تعزيز قدراتها في مجال الطائرات المسيرة بالتعاون مع الصين ، وهو اتجاه يعكس تحولًا أوسع في مفهوم القوة العسكرية الحديثة؛ إذ لم تعد الدول تنظر إلى المقاتلات التقليدية باعتبارها وحدها معيار التفوق، وإنما أصبحت الطائرات المسيرة والحرب الإلكترونية والاستطلاع والقدرات بعيدة المدى جزءًا أساسيًا من معادلة الردع.

لكن كل ما سبق لا يمثل سوى جانب واحد من الصورة، وربما ليس الجانب الأهم في زيارة الرئيس الصيني.

لأن السياسة الحقيقية تبدأ عندما نخرج من ميدان السلاح إلى ميدان المصالح.

مصر كانت من أوائل الدول التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية، في مرحلة كانت فيها الحرب الباردة تجعل التعامل مع بكين قراراً ذا أبعاد سياسية كبيرة. وكان هذا الاعتراف جزءًا من الرؤية المصرية التي سعت تاريخياً إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية، وعدم حصر السياسة الخارجية المصرية في محور واحد.

ومع مرور سبعين عاماً ، تحولت تلك العلاقة من مجرد علاقات دبلوماسية إلى شراكة استراتيجية متشعبة ، تشمل السياسة والاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والطاقة والنقل والتكنولوجيا والتعاون العسكري.

وهنا يجب أن نتوقف عند طبيعة السياسة الصينية نفسها.

الصين لا تتعامل مع الدول بالطريقة التي تتعامل بها بعض القوى الغربية، فهي تميل إلى بناء العلاقات على أساس طويل الأمد، وتربط السياسة بالاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية ، وتضع مصالحها الاستراتيجية في مقدمة أولوياتها، مع الحرص على عدم التدخل المباشر في الشؤون الداخلية للدول.

وهذا تحديداً أحد أسباب التقارب الكبير بين القاهرة وبكين.

منذ عام 2014، دخلت العلاقات المصرية الصينية مرحلة أكثر عمقاً بعد تأسيس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين ، ثم تطورت هذه الشراكة مع انخراط الشركات الصينية في عدد من المشروعات القومية المصرية ، وعلى رأسها مشروعات البنية التحتية والنقل والعاصمة الإدارية والطاقة وغيرها من المجالات.

وبالتالي فإن الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها مجرد دولة عربية ذات أهمية سياسية ، وإنما باعتبارها نقطة ارتكاز جغرافية واقتصادية بالغة الأهمية.

مصر تمتلك قناة السويس، وتقع عند نقطة التقاء آسيا بأفريقيا وأوروبا، وتملك واحدة من أكبر الأسواق في المنطقة، كما تمثل بوابة طبيعية إلى القارة الأفريقية والعالم العربي.

وبالنسبة للصين التي بنت خلال السنوات الماضية مشروعاً عالمياً ضخماً للربط التجاري والاقتصادي، فإن مصر ليست تفصيلًا صغيراً في هذه الخريطة.

هي ببساطة واحدة من أهم العقد الجغرافية التي يمكن أن تمر من خلالها المصالح الصينية بين الشرق والغرب.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي في زيارة شي جين بينغ ليس فقط: ماذا ستقدم الصين لمصر؟

بل السؤال الأهم : ماذا تريد الصين من مصر؟

وهنا تبدأ القراءة الأكثر عمقاً للزيارة.

بكين تريد شريكاً مستقراً في منطقة مضطربة، وتريد الحفاظ على مصالحها التجارية والاستثمارية، وتأمين خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد، وتعزيز حضورها الاقتصادي في أفريقيا، وفي الوقت نفسه بناء علاقات سياسية وعسكرية تمنحها مساحة أكبر للحركة في الشرق الأوسط.

ومصر، في المقابل، تريد تنويع شركائها الدوليين، والحصول على التكنولوجيا والاستثمارات، وتعزيز قدراتها الصناعية والعسكرية، والاستفادة من الوزن الاقتصادي والسياسي للصين دون الدخول في سياسة المحاور المغلقة.

وهذه النقطة تحديداً شديدة الأهمية.

القاهرة لا تحتاج إلى استبدال شريك دولي بشريك آخر، وإنما تحتاج إلى توسيع دائرة الشركاء بحيث تصبح خياراتها أكبر وقدرتها على المناورة السياسية أعلى.

وهذا هو جوهر السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة: الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وأوروبا والدول العربية ، مع محاولة منع أي طرف من احتكار العلاقة مع القاهرة.

ومن هنا يمكن فهم سبب أهمية الصين بالنسبة لمصر، وسبب أهمية مصر بالنسبة للصين في الوقت نفسه.

أما الحديث عن أن بكين دعمت مصر في كل محطة تاريخية، فالأدق سياسياً أن ننظر إلى الأمر باعتباره مساراً طويلًا من التقارب وتوافق المصالح في عدد من الملفات ، مع اختلاف السياقات والظروف من مرحلة إلى أخرى. فالدول لا تتحرك في السياسة الدولية بدافع الصداقة وحدها، وإنما وفق حسابات المصالح والأمن والاقتصاد والوزن الجغرافي والاستراتيجي.

وهذه هي النقطة التي يجب ألا نغفلها ونحن نقرأ زيارة الرئيس الصيني.

فالصين لا تأتي إلى مصر لأنها فقط تريد الاحتفال بمرور 70 عاماً على العلاقات ، ومصر لا تستقبل الرئيس الصيني فقط لإقامة مراسم بروتوكولية واحتفالية.

هناك ملفات أكبر بكثير من ذلك.

هناك الاقتصاد والاستثمار، وهناك قناة السويس، وهناك البنية التحتية، وهناك الصناعة ونقل التكنولوجيا، وهناك الطاقة، وهناك أفريقيا ، وهناك الأمن الإقليمي ، وهناك التعاون العسكري، وهناك مستقبل النظام الدولي نفسه.

والأهم أن الزيارة تأتي في لحظة يشهد فيها العالم إعادة تشكيل حقيقية لموازين القوة، مع تصاعد المنافسة الأميركية الصينية، واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية ، وتوترات الشرق الأوسط، واضطراب طرق التجارة العالمية، وتزايد أهمية البحر الأحمر وقناة السويس والممرات البحرية في حسابات القوى الكبرى.

وفي مثل هذا التوقيت ، تصبح مصر أكثر أهمية مما قد يبدو على السطح.

لذلك، فإن استقبال الرئيس الصيني في القاهرة يجب ألا يُقرأ باعتباره زيارة رئيس دولة كبرى لدولة صديقة فحسب، وإنما باعتباره لقاء بين دولتين تحاول كل منهما تعظيم موقعها داخل نظام دولي سريع التغير.

السؤال الآن ليس: هل العلاقات المصرية الصينية قوية؟

الإجابة واضحة.

السؤال الحقيقي هو: إلى أين ستذهب هذه العلاقات خلال المرحلة المقبلة؟ وما الذي تريده بكين تحديدًا من القاهرة؟ وما الملفات التي يمكن أن تشهد اتفاقات أو تفاهمات جديدة؟ وهل يحمل التعاون العسكري الأخير دلالات تتجاوز التدريب والتسليح؟ وما موقع قناة السويس والمشروعات الصينية في الحسابات الجديدة؟ وكيف تنظر بكين إلى الدور المصري في الشرق الأوسط وأفريقيا؟ والأهم من ذلك كله: هل تتحول الشراكة المصرية الصينية خلال المرحلة المقبلة من شراكة استراتيجية إلى شراكة أكثر عمقاً وتأثيراً في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة؟

هذه الأسئلة تحديداً هي التي تستحق أن نبحث عنها بعيداً عن الضجيج الإعلامي والعناوين السريعة.

فالزيارة، في تقديري، ليست مجرد زيارة رئيس صيني إلى القاهرة.

إنها فرصة لقراءة موقع مصر في الخريطة الجديدة للعالم، ولفهم كيف تنظر بكين إلى القاهرة ، وكيف تنظر القاهرة إلى بكين ، وما الذي يمكن أن ينتج عن هذه العلاقة في السنوات القادمة.

والتفاصيل الأكثر أهمية في هذه الزيارة ليست بالضرورة ما سيُعلن أمام الكاميرات ، وإنما ما يمكن أن يُبنى خلف الأبواب المغلقة من تفاهمات واتفاقات وترتيبات طويلة المدى.

وهنا تحديداً ستكون المتابعة الحقيقية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى