زيارة رئيس الـCIA إلى مصر.. ماذا وراء اللقاء السري وسط أخطر لحظات التصعيد في الشرق الأوسط؟

✍️ بقلم : يوحنا عزمي
عندما تكون أمام زيارة أمنية بهذا المستوى، فإن المسألة تتجاوز بكثير فكرة اللقاءات البروتوكولية أو تبادل المعلومات التقليدي. فزيارات رؤساء أجهزة الاستخبارات عادة ما تحمل طبيعة شديدة الحساسية، لأن جزءًا كبيراً من المعلومات التي تتناولها هذه الأجهزة لا يصلح أصلًا للتداول عبر وسائل الاتصال المعتادة ، حتى لو كانت مؤمنة ومشفرة، وهو ما يجعل اللقاء المباشر في بعض الملفات أكثر أهمية من أي وسيلة اتصال أخرى.
لكن الأمر يصبح أكثر دلالة عندما نتحدث عن رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وليس مجرد مسؤول أمني رفيع المستوى، وعندما تكون القاهرة هي وجهة الزيارة، والأهم أن اللقاء لا يقتصر على نظيره المصري ، وإنما يأتي في إطار لقاء مع رئيس الجمهورية نفسه، بحضور رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية.
وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة السياسية والأمنية في الظهور. هل كانت الزيارة مجرد إحاطة أمنية وتبادل للمعلومات؟ أم أن هناك ملفات إقليمية بالغة الحساسية استدعت مستوى أعلى من التنسيق السياسي والأمني؟ لا توجد ، حتى الآن ، معلومات علنية كافية تسمح بالجزم بما دار خلف الأبواب المغلقة ، ولذلك فإن قراءة الزيارة يجب أن تنطلق من سياقها الإقليمي الواسع، وليس من الزيارة منفردة.
فالتوقيت هنا ليس تفصيلًا هامشياً. المنطقة تمر بمرحلة شديدة التعقيد، مع استمرار الصراعات والاضطرابات في أكثر من ساحة، من إيران وغزة إلى السودان واليمن، بالتوازي مع الهجمات التي تطال دول الخليج، والتوترات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة، وما يترتب على ذلك من تداعيات تتجاوز حدود الدول التي تدور فيها المواجهات.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح مصر طرفاً مهما في أي نقاش يتعلق بأمن الإقليم ، ليس فقط بحكم موقعها الجغرافي ، وإنما بسبب قناة السويس والبحر الأحمر ، وارتباطهما المباشر بحركة التجارة العالمية والطاقة ، فضلًا عن شبكة علاقات القاهرة مع أطراف مختلفة ومتعارضة داخل المنطقة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية أي لقاء أمني رفيع المستوى في القاهرة. فالموضوع قد لا يكون متعلقًا بمعلومة واحدة أو حادثة محددة، وإنما بإعادة تقييم للمشهد الإقليمي برمته ، خصوصاً عندما تكون هناك مؤشرات على احتمال اتساع نطاق المواجهات أو انتقالها من ساحة إلى أخرى.
الأكثر أهمية أن هذا اللقاء جاء في توقيت متزامن مع تحركات إقليمية ودولية أخرى ، من بينها لقاءات مصرية سعودية، واجتماعات أمنية وسياسية متعددة الأطراف، إلى جانب تحركات أمريكية مرتبطة بأمن المنطقة. وتزامن ذلك أيضاً مع الحديث عن صفقات تسليح أمريكية متقدمة للسعودية ، في مقدمتها مقاتلات F-35، وهي ملفات تعكس حجم إعادة ترتيب الحسابات الأمنية في الشرق الأوسط.
لكن يجب هنا التوقف أمام نقطة مهمة : الربط بين هذه الأحداث لا يعني بالضرورة وجود خطة واحدة متكاملة أو سيناريو سري واحد يجري تنفيذه. ما يمكن قوله بصورة أكثر دقة هو أن تزامن هذه التحركات يعكس حجم القلق الدولي من مسار الأحداث، ويشير إلى أن القوى الرئيسية في المنطقة وخارجها تعيد حساباتها وفق احتمالات متعددة.
أما الحديث عن أن الرفض الأمريكي لأي طلب سعودي بشأن عمليات عسكرية ضد الحوثيين قد يكون مجرد تمويه، فهو يبقى احتمالًا تحليلياً لا يمكن تأكيده من المعلومات المتاحة علناً. فالمواقف الأمريكية المعلنة تجاه العمليات العسكرية لا تكشف بالضرورة كل ما يجري في القنوات المغلقة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح لنا بالجزم بأن هناك خطة عسكرية سرية بعينها.
والسؤال الأكثر أهمية هنا : لماذا مصر؟
الإجابة تبدأ من حقيقة أن القاهرة تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة ، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على قنوات اتصال مع أطراف متعددة في الإقليم، وهو ما يمنحها قدرة على التواصل مع أطراف قد لا تستطيع واشنطن التواصل معها بالطريقة نفسها أو في التوقيت نفسه.
كما أن مصر ليست دولة بعيدة عن تداعيات أي تصعيد. فإذا اتسع نطاق المواجهة في البحر الأحمر ، فإن تأثير ذلك لن يتوقف عند حدود الدول المتحاربة. أمن الملاحة في البحر الأحمر يرتبط مباشرة بحركة السفن عبر قناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد في خطوط الملاحة يمكن أن ينعكس على حركة التجارة العالمية، وعلى إيرادات القناة ، وعلى أسعار الطاقة والنقل والتأمين.
وهنا تكمن إحدى أخطر النقاط في المشهد كله: قد لا تحتاج مصر إلى الدخول في حرب مباشرة حتى تتأثر بالحرب. يكفي أن تتحول المنطقة المحيطة بها إلى منطقة صراع ممتد ، وأن تصبح الممرات البحرية والجوية عرضة للهجمات أو التعطيل ، حتى تجد القاهرة نفسها أمام تداعيات اقتصادية وأمنية واستراتيجية كبيرة.
أما السيناريو الأكثر حساسية فيتمثل في اتساع دائرة المواجهة بحيث تتحول حماية الملاحة والطاقة إلى عملية عسكرية دولية أوسع. وفي هذه الحالة يمكن أن تتزايد حركة القوات والسفن الأمريكية والغربية في البحر الأحمر وشرق المتوسط، وهو ما قد يرفع بدوره مستوى المخاطر إذا أصبحت تلك القوات أو السفن أهدافاً لهجمات من أطراف الصراع.
وهنا لا تعود القضية مجرد حرب بين طرفين ، وإنما تصبح أمام احتمالية تشابك عدة ساحات في وقت واحد : الخليج ، البحر الأحمر ، غزة ، إيران ، وربما مناطق أخرى، بما يجعل أي خطأ في الحسابات قادراً على إنتاج سلسلة من ردود الفعل يصعب التحكم في مسارها.
ولهذا فإن قيمة التحركات المصرية لا ينبغي أن تُقاس فقط بما إذا كانت القاهرة ستشارك عسكرياً أم لا ، وإنما أيضاً بقدرتها على استخدام موقعها وعلاقاتها واتصالاتها السياسية والأمنية في محاولة منع انتقال المنطقة من صراعات متعددة ومحدودة نسبياً إلى مواجهة إقليمية أوسع.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم أهمية الزيارات والاتصالات التي تجري خلف الكواليس. فالمعلومات التي تصل إلى صانع القرار في مثل هذه اللحظات قد تكون مرتبطة بموعد محتمل لتصعيد، أو بتقييم استخباراتي لموقف طرف من الأطراف ، أو بقدرة دولة معينة على تحمل مواجهة جديدة ، أو حتى بتقدير لتداعيات أي عملية عسكرية على الملاحة والطاقة والاقتصاد.
لكن الأهم هو ألا نتعامل مع كل هذه المؤشرات باعتبارها دليلًا قاطعًا على أن حرباً شاملة أصبحت حتمية. السياسة الدولية أكثر تعقيداً من ذلك. أحياناً تكون التحركات الأمنية المكثفة جزءًا من محاولة منع الحرب وليس استعداداً لخوضها، وقد تكون الاتصالات السرية هدفها ضبط التصعيد وليس إطلاقه.
وفي النهاية ، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط : ماذا قيل داخل اللقاء المغلق؟ وإنما: ما الذي كانت الأطراف المختلفة تحاول منعه أو احتواءه؟
إذا كانت المنطقة بالفعل تقف أمام مرحلة جديدة من التصعيد، فإن قدرة الدول المؤثرة ، وفي مقدمتها مصر ، على الحفاظ على قنوات الاتصال المفتوحة تصبح عاملًا مهماً في تقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع. فالحروب الإقليمية لا تبدأ دائماً بقرار معلن، وإنما قد تتوسع تدريجياً نتيجة سلسلة من الردود المتبادلة وسوء تقدير النوايا والقدرات.
ولهذا فإن قراءة زيارة رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى القاهرة لا ينبغي أن تتوقف عند عنوان الزيارة أو الصورة الرسمية للقاء ، بل يجب أن تُقرأ ضمن الخريطة الأكبر لتحركات القوى الإقليمية والدولية في هذه اللحظة شديدة الحساسية.
والرسالة الأهم من كل ذلك أن الشرق الأوسط أصبح أمام شبكة من الأزمات المتداخلة ، بحيث يمكن لأي شرارة في ساحة واحدة أن تنتقل آثارها إلى ساحات أخرى ، من أمن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن الملاحة الدولية إلى أسواق الطاقة، ومن الصراع العسكري إلى الاقتصاد العالمي.
وفي مثل هذا المشهد، يصبح منع اتساع الصراع أحياناً أكثر أهمية من مجرد الاستعداد لمواجهة تداعياته، لأن تكلفة الحرب الشاملة لن يتحملها طرف واحد ، وإنما ستدفع ثمنها المنطقة بأكملها، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.



