أوروبا تستعد لأسوأ السيناريوهات.. هل تقترب القارة من مواجهة مباشرة مع روسيا؟

بقلم : يوحنا عزمي
هناك شيء يتغير في أوروبا بصورة واضحة، وربما لا تكمن أهمية المشهد في حادثة منفردة أو قرار عسكري بعينه ، وإنما في تزامن مجموعة واسعة من الإجراءات الأمنية والعسكرية والمدنية التي تعكس انتقال عدد من الدول الأوروبية من مرحلة التعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها صراعاً محصوراً داخل الأراضي الأوكرانية ، إلى مرحلة الاستعداد لاحتمالات امتداد تداعياتها إلى العمق الأوروبي.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بالدبابات والطائرات والصواريخ، وإنما بمنظومة كاملة من الاستعداد الوطني: حماية البنية التحتية الحيوية، تأمين المطارات والمنشآت العسكرية والصناعية، تعزيز الدفاعات الجوية، الاستعداد للهجمات السيبرانية، مراجعة خطط الإجلاء، رفع جاهزية المستشفيات، وتأمين سلاسل الإمداد والطاقة. وهذه التفاصيل تحديداً هي التي تكشف أن المؤسسات الأوروبية بدأت تتعامل مع فكرة “التهديد الممتد” باعتبارها احتمالًا يستحق التخطيط له، حتى لو لم يكن هناك دليل معلن على أن حرباً شاملة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي باتت وشيكة.
في فرنسا مثلاً، عقد الرئيس إيمانويل ماكرون في 18 سبتمبر اجتماعاً مع قادة الأحزاب والقوى السياسية لمناقشة تداعيات الوضع الدولي على الأمن الفرنسي، وفي الاجتماع جرى عرض تقييمات من أجهزة الاستخبارات والدفاع والأمن الداخلي.
والأهم أن ماكرون تحدث صراحة عن تصاعد ما وصفه بالتهديدات الروسية الهجينة، وأعلن توجيه الحكومة لإعداد خطة لحماية البنية التحتية الحيوية والمنشآت الأكثر حساسية في القاعدة الصناعية والتكنولوجية الدفاعية من هجمات المسيرات والهجمات السيبرانية.
وهنا يجب التوقف عند مصطلح “الحرب الهجينة”، لأنه ربما يكون مفتاح فهم التحركات الأوروبية الحالية.
الحرب الحديثة لم تعد بالضرورة تبدأ بإعلان رسمي أو بعبور أرتال الدبابات للحدود. يمكن أن تبدأ بهجوم سيبراني يشل شبكة كهرباء، أو بتعطيل مطار ، أو تخريب خط سكك حديدية ، أو استهداف منشأة للطاقة ، أو استخدام مسيرات مجهولة المصدر ، أو حملات تضليل تستهدف الرأي العام ، أو عمليات تستهدف سلاسل الإمداد والبنية التحتية.
ولهذا فإن أوروبا لا تنتظر بالضرورة نشوب حرب تقليدية حتى تبدأ الاستعداد ، بل تتعامل مع احتمالات التصعيد في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام.
وهذا يفسر أيضاً لماذا أصبحت المسيرات واحدة من أكثر مصادر القلق بالنسبة للأجهزة الأمنية الأوروبية. فالمسيّرة منخفضة التكلفة نسبيًا تستطيع أن تخترق مسافات كبيرة ، وتستطيع الاقتراب من منشآت حساسة ، كما أن تحديد الجهة التي أطلقتها قد يكون أكثر تعقيداً من تحديد مصدر هجوم تقليدي.
وفي بولندا تحديداً ، ظهرت خلال الأيام الماضية تحذيرات أكثر وضوحًا. فقد تحدث رئيس الوزراء دونالد توسك أمام البرلمان عن احتمال تعرض دول أوروبية لهجمات هجينة بواسطة المسيرات أو الصواريخ، مشيراً إلى سيناريو تقوم فيه روسيا ، بحسب تقييمه، بهجمات محدودة ثم تقدمها باعتبارها حوادث عرضية بهدف اختبار قدرة الناتو على الرد والحفاظ على تماسكه. وهذه نقطة سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، لأن جوهر قوة حلف الناتو قائم على مصداقية مبدأ الدفاع الجماعي.
بمعنى آخر، الخطر الذي تخشاه بعض العواصم الأوروبية ليس بالضرورة أن تستيقظ أوروبا ذات صباح على إعلان حرب روسية شاملة ، وإنما أن تبدأ سلسلة من الحوادث الصغيرة والمتدرجة: مسيرة هنا ، اختراق جوي هناك ، عملية تخريب ، هجوم سيبراني، حادث أمني غامض، ثم حادث آخر أكبر منه، بحيث تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام معضلة مستمرة: هل ترد؟ وكيف ترد؟ ومتى يصبح الرد نفسه سبباً في توسيع الحرب؟
وهذه هي أخطر نقطة في المشهد كله.
فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً لأن أحد الأطراف قرر منذ اللحظة الأولى خوض حرب عالمية، وإنما قد تبدأ أحياناً بسبب سوء تقدير متبادل ، أو حادث أمني يتطور ، أو سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة التي ترفع سقف التصعيد تدريجياً.
وفي ألمانيا، يبدو أن الاستعدادات تتجه إلى مستوى أكثر ارتباطاً بالقدرة على تحمل الخسائر البشرية في حال اتساع الصراع.
فقد كشفت بلومبرغ في تقرير نشرته في 16 سبتمبر أن السلطات العسكرية والصحية الألمانية تدرس سيناريوهات تتطلب من المنظومة الصحية التعامل مع أعداد كبيرة من المصابين العسكريين، بينما يجري النظر أيضاً في إعادة تفعيل منشآت طبية وملاجئ تعود إلى حقبة الحرب الباردة. ويشير التقرير إلى أن أحد المنشآت الطبية العسكرية في أولم، الذي صمم أصلًا خلال الحرب الباردة للتعامل مع إصابات واسعة النطاق، عاد إلى دائرة الاهتمام بعد عقود من تراجع أهميته التشغيلية.
وهنا يظهر تحول مهم في التفكير الألماني.
ألمانيا التي ظلت لعقود بعد الحرب العالمية الثانية شديدة الحذر تجاه التوسع العسكري، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى إعادة التفكير في مفهوم الدفاع الوطني ، ليس فقط من خلال زيادة الإنفاق العسكري وتطوير الصناعات الدفاعية، ولكن أيضاً من خلال إعادة بناء القدرة اللوجستية والطبية اللازمة للتعامل مع أزمة عسكرية واسعة.
وهذا التحول لا يحدث بمعزل عن التحولات التي تشهدها دول أوروبية أخرى.
فدول الجناح الشرقي لحلف الناتو، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من روسيا وبيلاروسيا وأوكرانيا ، تنظر إلى المسألة بطريقة أكثر حساسية من دول أوروبا الغربية. ولهذا أصبحت خطط الإجلاء المدني، ومراكز الإيواء، وحماية الحدود، والدفاع الجوي، جزءًا من النقاش الأمني العام في عدد من هذه الدول.
أما بريطانيا، فتتعامل بدورها مع مفهوم الاستعداد للطوارئ على نطاق أوسع، بما يشمل الاحتفاظ بمخزونات طبية وتأمين الإمدادات الضرورية في حالات الطوارئ. والوثائق الحكومية البريطانية نفسها تشير إلى وجود مخزونات طبية وخطط لتوفير هامش من الإمدادات للقطاع الصحي، وهو جزء من مفهوم الاستعداد للطوارئ وليس دليلًا منفرداً على الاستعداد لحرب مع روسيا.
وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً : وجود خطط للمخزونات والطوارئ والملاجئ لا يعني تلقائياً أن الحكومات الأوروبية تعرف أن الحرب ستندلع غداً.
الدول الكبرى لا تبني خططها الأمنية على السيناريو الأكثر تفاؤلًا، وإنما على أسوأ السيناريوهات القابلة للتصور.
ولهذا فإن إعادة تجهيز المستشفيات، وحماية محطات الطاقة، ومراجعة خطط الإجلاء، ورفع جاهزية الدفاع الجوي، يمكن أن تكون جزءًا من سياسة “الردع والاستعداد” وليس إعلاناً بأن الحرب أصبحت حتمية.
لكن الصورة تصبح أكثر إثارة للقلق عندما ننظر إلى هذه الإجراءات مجتمعة.
ففي فرنسا هناك رفع للاستعداد ضد الهجمات الهجينة.
وفي ألمانيا هناك نقاش متزايد حول قدرة المنظومة الطبية والمدنية على تحمل خسائر واسعة.
وفي بولندا توجد تحذيرات مباشرة من احتمال تعرض دول الناتو لهجمات محدودة تهدف إلى اختبار تماسك الحلف.
وفي دول أوروبا الشرقية يتزايد الاهتمام بخطط الإجلاء والدفاع المدني.
وفي الوقت نفسه، تحذر أجهزة استخبارات أوروبية من احتمال تصاعد أعمال التخريب والهجمات الهجينة والعمليات التي تستهدف البنية التحتية الحيوية. وقد نقلت تقارير حديثة عن مسؤولين استخباراتيين أوروبيين مخاوفهم من احتمال قيام موسكو باختبار صلابة الناتو من خلال عمليات محدودة ، مع وجود اختلاف داخل أجهزة الاستخبارات نفسها حول مدى قرب هذا الاحتمال ومدى قدرة روسيا الفعلية على تنفيذه.
وهنا ندخل إلى البعد الأمريكي.
فالعلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تمر أصلًا بمرحلة إعادة تعريف للأدوار الدفاعية. وهناك نقاش متزايد داخل أوروبا حول ضرورة أن تتحمل الدول الأوروبية قدراً أكبر من مسؤولية أمن القارة ، بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية.
وهذا التطور لا يعني ببساطة أن واشنطن “تنسحب وتترك أوروبا”، فوجود القوات الأمريكية والتزامات الولايات المتحدة داخل الناتو ما زالا عنصراً أساسياً في المعادلة الأمنية الأوروبية. لكنه يعني أن الأوروبيين بدأوا يدركون أن الاعتماد المطلق على الولايات المتحدة لم يعد استراتيجية مضمونة كما كان في العقود الماضية.
وهنا تظهر المفارقة الاستراتيجية.
كلما زادت المخاوف الأوروبية من روسيا، زادت الحاجة إلى الولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، كلما زادت المخاوف من احتمال تغير مستوى الالتزام الأمريكي، زادت الضغوط داخل أوروبا لبناء قدرة دفاعية مستقلة.
أي أن الأزمة الروسية الأوكرانية لا تعيد تشكيل العلاقة بين روسيا وأوروبا فقط، بل تعيد تشكيل العلاقة داخل المعسكر الغربي نفسه.
أما موسكو ، فتتبنى خطاباً مختلفاً تماماً.
روسيا تنفي وجود نية لمهاجمة دول الناتو، وتقول إن الدول الغربية هي التي ترفع مستوى التوتر من خلال زيادة الإنفاق العسكري ودعم أوكرانيا والتوسع في البنية العسكرية للحلف.
وهذا يعني أننا أمام روايتين متعارضتين تماماً : أوروبا تقول إن عليها أن تستعد بسبب احتمال توسع التهديد الروسي، بينما موسكو تقول إن هذه الاستعدادات نفسها هي التي تخلق بيئة التصعيد.
وبين الروايتين توجد الحقيقة الأكثر تعقيداً : لا أحد يستطيع أن يضمن أن الحرب ستتوسع، ولا أحد يستطيع في الوقت نفسه أن يضمن أنها لن تتوسع.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة.
لأن المشكلة لم تعد في سؤال: “هل تريد روسيا حرباً مع أوروبا؟” فقط، وإنما أصبحت في سؤال أكثر تعقيداً: ماذا يحدث إذا تراكمت الحوادث العسكرية والأمنية إلى الحد الذي تصبح فيه السيطرة على التصعيد أكثر صعوبة من إشعاله؟
مسيرة تسقط في المكان الخطأ.
صاروخ ينحرف عن مساره.
هجوم سيبراني يشل منشأة حيوية.
عملية تخريب لا يعرف أحد في اللحظة الأولى من يقف وراءها.
مقاتلة تقترب أكثر مما ينبغي من المجال الجوي لدولة أخرى.
أو ضربة محدودة تؤدي إلى سقوط قتلى داخل أراضي دولة عضو في الناتو.
في مثل هذه البيئة ، لا يحتاج العالم إلى قرار رسمي بإطلاق حرب عالمية كي يدخل مرحلة شديدة الخطورة ، يكفي أن تتراكم الأخطاء وسوء التقدير.
والأكثر خطورة أن كل ذلك يحدث بينما الشرق الأوسط نفسه يعيش حالة من عدم الاستقرار ، وأسواق الطاقة العالمية تواجه اضطرابات كبيرة، وسلاسل الإمداد تمر بمرحلة شديدة الحساسية.
لذلك فإن أي توسع كبير للصراع الأوروبي لن تكون آثاره أوروبية فقط.
الطاقة ستتأثر.
أسواق الغذاء ستتأثر.
النقل والتجارة ستتأثر.
أسعار التأمين والشحن ستتأثر.
والاقتصاد العالمي بأكمله سيدفع ثمن أي انتقال من حرب محدودة إلى مواجهة مباشرة بين روسيا ودول الناتو.
لهذا ، فإن المشهد الأوروبي الحالي يجب ألا يُقرأ باعتباره إعلاناً عن حرب قادمة ، بل باعتباره مؤشراً على أن القارة دخلت مرحلة جديدة من التفكير الأمني: مرحلة لم تعد فيها الحكومات تستعد فقط للحرب التقليدية ، وإنما لسيناريوهات المنطقة الرمادية ، التخريب، المسيرات، الهجمات السيبرانية، استهداف البنية التحتية، الضغط على سلاسل الإمداد ، والحوادث العسكرية التي يمكن أن تتطور بسرعة إلى أزمة سياسية.
وهذه ربما تكون الرسالة الأهم في كل ما يحدث.
أوروبا لا تقول بالضرورة إن الحرب ستندلع غداً ، لكنها تتصرف على أساس أن احتمال التصعيد أصبح أكبر من أن يتم تجاهله.
وفي السياسة الدولية ، مجرد انتقال الدول من سؤال “هل يمكن أن يحدث؟” إلى سؤال “ماذا سنفعل إذا حدث؟” يمثل في حد ذاته تحولًا استراتيجياً مهماً.
أما السؤال الأصعب، والذي سيحدد مستقبل القارة خلال المرحلة المقبلة ، فهو: هل تنجح هذه الاستعدادات في ردع التصعيد ومنع الحرب ، أم أن سباق الاستعداد نفسه سيصبح جزءًا من دوامة التصعيد؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل أوروبا وحدها، بل قد تحدد شكل النظام الدولي كله خلال السنوات القادمة.



