الصين والحوثيون.. مفاجأة استخباراتية تفتح ملفاً خطيراً على طاولة ترامب وشي

✍️ يوحنا عزمي
في توقيت بالغ الحساسية، ومع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى واشنطن ، ظهرت قضية من النوع الذي يمكن أن يفتح ملفاً جديداً تماماً على طاولة المفاوضات بين الولايات المتحدة والصين.
فالزيارة التي تحاول من خلالها واشنطن وبكين إدارة ملفات شديدة التعقيد ، من التجارة والرسوم الجمركية إلى الذكاء الاصطناعي وتايوان، جاءت بالتزامن مع تقرير استخباراتي/صحفي يسلط الضوء على جانب آخر أكثر حساسية: شبكات الإمداد التي تصل إلى جماعة الحوثيين في اليمن عبر الصين.
والقصة هنا ليست مجرد وجود منتجات صينية في السوق اليمنية، وإنما تتعلق بسلع ومكونات يمكن استخدامها في تطوير الطائرات المسيّرة والصواريخ والأنظمة العسكرية.
بحسب تقرير نشرته وول ستريت جورنال، واستند إلى تقارير للأمم المتحدة وبيانات جمعها خبراء في مجال الأسلحة، أصبحت الشركات الصينية المصدر الأكبر للسلع التي جرى ضبطها وهي في طريقها إلى الحوثيين، كما أن غالبية موردي قطع الطائرات المسيّرة المرتبطين بالحوثيين والخاضعين للعقوبات الأمريكية يوجدون في الصين.
والأكثر أهمية أن الأمر لا يبدو بالضرورة في صورة شحنة سلاح صينية رسمية تخرج من ميناء صيني وتتجه مباشرة إلى الحوثيين.
الصورة أكثر تعقيداً من ذلك.
الحديث يدور بدرجة كبيرة عن مكونات وسلع مزدوجة الاستخدام، أي منتجات يمكن أن تدخل في تطبيقات مدنية طبيعية ، لكنها يمكن أيضًا أن تدخل في تصنيع أو تطوير أنظمة عسكرية. وهنا تظهر مشكلة كبيرة في تتبع المسؤولية: الشركة التي تبيع محركاً أو نظام تحديد مواقع أو مكوناً إلكترونياً قد تبيع منتجاً تجارياً مشروعاً ، ثم ينتقل هذا المنتج عبر سلسلة من الوسطاء والشركات والواجهات التجارية إلى شبكة تستخدمه في النهاية لأغراض عسكرية.
وهذا تحديداً ما يجعل شبكات التوريد الحوثية في الصين ملفاً بالغ الحساسية.
فبحسب ما أوردته التقارير، استطاع الحوثيون خلال السنوات الماضية بناء شبكات تجارية معقدة للحصول على مكونات من السوق الصينية، مستفيدين من وسطاء وشركات وطرق تجارة دولية ، ومن أفراد يمنيين لديهم معرفة باللغة والسوق الصينية، بما يسهل عمليات التواصل والشراء وإعادة التصدير.
وهنا يجب التفريق بين أمرين مهمين جداً :
وجود شركات صينية في سلسلة توريد مكونات تصل في النهاية إلى الحوثيين لا يعني تلقائياً أن الحكومة الصينية أصدرت قراراً رسمياً بتسليح الحوثيين.
بل إن طبيعة السلع مزدوجة الاستخدام تجعل إثبات وجود توجيه حكومي مباشر مسألة مختلفة تماماً عن إثبات أن شركات أو شبكات تجارية صينية أصبحت جزءًا مهماً من سلسلة الإمداد التي يستفيد منها الحوثيون.
لكن بالنسبة إلى واشنطن، النتيجة الاستراتيجية تظل شديدة الأهمية.
لأن الحوثيين لا يمثلون مجرد جماعة مسلحة تعمل داخل اليمن؛ هجماتهم على الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب جعلت قدراتهم الصاروخية والطائرات المسيّرة قضية تتجاوز حدود اليمن، وتمس خطوط التجارة والطاقة الدولية.
وبالتالي، عندما تظهر بيانات تشير إلى أن نسبة كبيرة من المكونات التي يعتمد عليها الحوثيون تأتي عبر شركات وشبكات مرتبطة بالسوق الصينية ، فإن الملف يتحول من قضية يمنية إلى ورقة جيوسياسية في العلاقة بين واشنطن وبكين.
واللافت هنا أن الصين نفسها حاولت خلال السنوات الماضية تقديم نفسها باعتبارها طرفاً قادراً على لعب دور في تهدئة أزمات الشرق الأوسط.
ففي عام 2023 رعت بكين الاتفاق السعودي الإيراني الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران ، وقدمت نفسها باعتبارها قوة يمكنها المساهمة في خفض التوترات الإقليمية.
ومن هنا تظهر المفارقة:
كيف يمكن للصين أن تلعب دور الوسيط في تهدئة الصراعات الإقليمية، بينما تكشف تقارير دولية في الوقت نفسه عن اعتماد متزايد للحوثيين على سلاسل توريد تمر عبر شركات صينية؟
هذه ليست بالضرورة أدلة على تناقض في السياسة الصينية، لكنها بالتأكيد تخلق سؤالًا سياسياً صعباً أمام بكين، خصوصاً إذا استمرت واشنطن في الضغط عليها لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد الشركات والوسطاء الذين يمدون الجماعات المسلحة بمكونات ذات استخدام عسكري.
وهنا نصل إلى السؤال الأهم:
ماذا ستفعل الصين بعد ظهور هذه المعطيات؟
هل ستكتفي بالقول إن هذه عمليات تجارية تقوم بها شركات مستقلة ولا تمثل سياسة الدولة؟
أم ستبدأ في تشديد الرقابة على الشركات والوسطاء الذين يشتبه في تورطهم في نقل مكونات إلى الحوثيين؟
وهل ستستخدم الولايات المتحدة هذا الملف كورقة إضافية في مفاوضاتها مع شي جين بينغ، إلى جانب ملفات التجارة وتايوان والذكاء الاصطناعي؟
وهناك لاعب آخر مهم جداً في هذه المعادلة: السعودية.
فالرياض لديها مصلحة مباشرة في الحد من القدرات العسكرية للحوثيين، وفي الوقت نفسه تربطها بالصين علاقات اقتصادية واستراتيجية متنامية.
وبالتالي قد تجد السعودية نفسها أمام فرصة دبلوماسية لاستخدام هذه المعلومات في الحوار مع بكين ، ليس بالضرورة من خلال مواجهة الصين ، وإنما من خلال الضغط باتجاه ضبط مسارات التجارة والشركات والوسطاء الذين يمكن أن يستفيد منهم الحوثيون في الحصول على التكنولوجيا والمكونات ذات الاستخدام العسكري.
وفي النهاية ، القضية ليست ببساطة:
“هل الصين تسلح الحوثيين أم لا؟”
السؤال الأكثر دقة هو:
إلى أي مدى أصبحت شبكات التجارة الصينية جزءًا من البنية التي يعتمد عليها الحوثيون للحصول على التكنولوجيا والمكونات التي تسمح لهم بتطوير قدراتهم العسكرية؟
والإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم بكثير من مجرد معرفة اسم الشركة التي باعت القطعة الأولى.
لأننا أمام صراع جديد لم يعد يعتمد فقط على شحنات الأسلحة التقليدية ، وإنما على سلاسل توريد عالمية ، وشركات واجهة، ومكونات تجارية صغيرة يمكن أن تتحول بعد عدة مراحل إلى جزء من منظومة صاروخية أو طائرة مسيّرة.
وهنا بالضبط تصبح المعركة الحقيقية ليست فقط في البحر الأحمر أو باب المندب.
بل تبدأ من المصانع والأسواق وشركات الشحن والوسطاء، وتمتد عبر آلاف الكيلومترات حتى تصل إلى ساحات الصراع في اليمن.



