هل تتجه روسيا أخيراً نحو تسوية سياسية في أوكرانيا؟

✍️ يوحنا عزمي
هناك مؤشرات متزايدة على أن الحرب في أوكرانيا دخلت مرحلة سياسية مختلفة تماماً عن تلك التي توقعتها موسكو في بدايتها. فبعد سنوات من القتال والتكاليف العسكرية والإقتصادية الهائلة ، وحرب أثبتت أنها أطول بكثير مما بدت عليه الحسابات الروسية الأولية ، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان أي من الطرفين قادراً على تحقيق أهدافه عسكرياً في ساحة المعركة ، وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية : هل وصلت الحرب إلى مرحلة يمكن فيها أن تعود الدبلوماسية لتكون الأداة الرئيسية لتحديد شكل نهايتها؟
وفي هذا السياق ، تستحق التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف اهتماماً خاصاً.
فلافروف أكد مراراً أن موسكو لا تزال مستعدة للتفاوض من أجل التوصل إلى تسوية مع أوكرانيا ، وتحدث عن ضرورة الوصول إلى سلام طويل الأمد ومستدام، وليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار. كما أشار إلى استعداد روسيا للعودة إلى المفاوضات ومناقشة ما وصفه بـ«التسويات المعقولة»، مع تأكيده في الوقت نفسه أن المطالب الروسية الأساسية لم تتغير.
وهنا تكمن أهمية هذه التصريحات ، ليس بالضرورة في كل عبارة منفردة ، وإنما في الاتجاه السياسي العام الذي تعكسه.
فعلى مدار الجزء الأكبر من الحرب، كان الموقف الروسي يُطرح بصورة أساسية من خلال مفردات الأهداف العسكرية ، والضمانات الأمنية، وتوسع حلف الناتو، وما تصفه موسكو بـ«الأسباب الجذرية» للصراع. وظل المسؤولون الروس يؤكدون أن أي تسوية يجب أن تتعامل أولًا مع هذه القضايا الأساسية قبل أن يصبح من الممكن الحديث عن سلام دائم.
وهذا الموقف لم يختفي.
فلافروف لا يزال يؤكد أن أي تسوية يجب أن تتعامل مع ما تعتبره موسكو الأسباب الأساسية للحرب، بما في ذلك علاقة أوكرانيا بحلف الناتو والمخاوف الأمنية الروسية الأوسع.
لكن ما يبدو أنه يتغير هو أن موسكو أصبحت أكثر وضوحاً في الحديث عن الآلية السياسية التي يمكن من خلالها الوصول في النهاية إلى هذه التسوية.
وهذا فارق بالغ الأهمية.
فاستعداد روسيا للتفاوض لا يعني تلقائياً أن موسكو قررت التخلي عن مطالبها الإقليمية ، أو أنها أصبحت مستعدة لقبول الشروط الأوكرانية. ولا توجد حتى الآن أدلة علنية واضحة تثبت أن الكرملين وافق على التخلي عن الأراضي التي أعلن ضمها ، بل إن القيادة الروسية لا تزال متمسكة بمطالب مهمة تتعلق بمستقبل أوكرانيا السياسي والأمني.
ومع ذلك، فإن مجرد استمرار موسكو في التأكيد على استعدادها للتفاوض، بعد سنوات من التشديد على ضرورة معالجة الشروط الأساسية للصراع أولًا، يحمل دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها.
وهنا تأتي الإشارة الثانية المهمة ، وهي ما يصدر عن الكرملين نفسه.
فالمتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف أكد مراراً أن روسيا لا تزال منفتحة على مفاوضات السلام. لكنه أوضح في الوقت نفسه أن موسكو لا ترى حاليًا الظروف الضرورية للانتقال إلى مفاوضات حقيقية وموضوعية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فموسكو لا تعلن حتى الآن عن اختراق سياسي أو عن قرب التوصل إلى اتفاق، وإنما تبدو وكأنها تبقي الباب الدبلوماسي مفتوحاً ، مع الحفاظ في الوقت ذاته على موقفها التفاوضي الأساسي.
وقد تكون هذه الاستراتيجية أكثر أهمية من التصريحات الدرامية التي تعلن عن قرب التوصل إلى السلام.
هناك أيضاً عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو الدور المتزايد للولايات المتحدة.
إدارة الرئيس دونالد ترامب حاولت خلال الفترة الأخيرة إعادة إحياء المسار الدبلوماسي بين روسيا وأوكرانيا، من خلال اتصالات أمريكية مع الجانبين. كما أبدت كييف استعداداً لصيغة مفاوضات ثلاثية تضم الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، بينما تحاول واشنطن الدفع باتجاه إجراءات تهدف إلى تخفيف حدة الصراع وفتح مسارات تفاوضية حول عدد من الملفات الحساسة.
وهذا يمنح ترامب دوراً دبلوماسياً محتملًا ومهماً ، ليس لأن الولايات المتحدة تستطيع ببساطة فرض اتفاق على موسكو وكييف ، وإنما لأن واشنطن لا تزال من بين الأطراف القليلة القادرة على الحفاظ على قنوات اتصال مباشرة مع الجانبين ومحاولة تضييق الفجوة بين مواقفهما المتعارضة.
لكن هناك عقبة رئيسية.
فموسكو وكييف لا تزالان مختلفتين بصورة جوهرية حول الشروط التي ينبغي أن تبدأ على أساسها المفاوضات.
أوكرانيا أعلنت مراراً استعدادها للتفاوض المباشر مع روسيا، لكنها رفضت أن يكون اللقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الأراضي الروسية. وفي المقابل، لا تزال موسكو ترى أن أي لقاء بين بوتين والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يجب أن يسبقه عمل تفاوضي وتحضيري جاد ، كما لم توافق على المقترح الأوكراني بشأن عقد اللقاء في مكان محايد.
ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية في الوضع الحالي.
الطرفان يتحدثان عن السلام ، لكنهما لا يزالان مختلفين بشدة حول معنى هذا السلام وشروطه.
روسيا تتحدث عن تسوية «عادلة ومستدامة» تعالج مطالبها الأمنية وما تعتبره أسبابًا أساسية للحرب. أما أوكرانيا فتسعى إلى تسوية تحافظ على سيادتها وأمنها ، وترفض الشروط الإقليمية والسياسية التي تطرحها موسكو.
ولذلك سيكون من المبكر للغاية القول إن روسيا أصبحت مستعدة لتقديم تنازلات إقليمية كبيرة، أو أن موسكو وصلت إلى مرحلة من الضعف الحاسم.
لكن سيكون من الخطأ أيضاً تجاهل التطور السياسي الذي يحدث أمام أعيننا.
فالحرب التي كانت موسكو تتوقع في بدايتها أن تحقق من خلالها نتيجة استراتيجية خلال فترة أقصر، تحولت إلى صراع طويل يتطلب موارد عسكرية ضخمة، وتعبئة مستمرة، وقدرة اقتصادية على تحمل أعباء الحرب لفترة ممتدة.
وكلما طال أمد الحرب، ازدادت الأهمية السياسية لفكرة البحث عن مخرج.
وهذا لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين قد هُزم، وإنما يعني أن الحروب الطويلة تخلق في النهاية حوافز لدى جميع الأطراف للبحث عن تسوية يمكن تقديمها داخلياً باعتبارها مقبولة ، وتحافظ في الوقت ذاته على أكبر قدر ممكن من المصالح الاستراتيجية.
وقد يفسر ذلك لماذا أصبحت اللغة الدبلوماسية أكثر حضوراً في الخطاب الروسي.
فقد تكون موسكو تحاول الحفاظ على أقصى قدر ممكن من أوراق القوة في الميدان، مع الحرص في الوقت نفسه على ألا تبدو باعتبارها الطرف الذي يغلق الباب أمام الحل السياسي.
وهذه الاستراتيجية تسمح لروسيا بدخول أي مفاوضات مستقبلية من موقع لا يوحي بأنها تخلت عن أهدافها العسكرية.
كما تتيح لها اختبار مدى استعداد واشنطن للتعامل مع المطالب الأمنية الروسية.
وهنا نعود مرة أخرى إلى دونالد ترامب.
فالأشهر المقبلة قد تكون شديدة الأهمية، لأن نجاح الدور الأمريكي لن يعتمد فقط على قدرة ترامب الشخصية على إدارة المفاوضات، وإنما على مدى قدرة واشنطن على تضييق الفجوة الهائلة بين الموقفين الروسي والأوكراني.
والاختبار الحقيقي لن يكون مجرد جمع بوتين وزيلينسكي أمام الكاميرات والتقاط صورة مشتركة.
الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الدبلوماسية الأمريكية على تحويل الانفتاح الحالي على المفاوضات إلى إطار تفاوضي حقيقي قادر على التعامل مع الملفات الأكثر تعقيداً ، وفي مقدمتها الأراضي ، والضمانات الأمنية ، ومستقبل علاقة أوكرانيا بحلف الناتو، والعقوبات، والترتيبات العسكرية، وإعادة الإعمار، وشكل العلاقة المستقبلية بين روسيا وأوكرانيا.
وبالتالي، فإن القراءة الأكثر دقة للمشهد الحالي ليست أن روسيا قررت الاستسلام، وليست أيضًا أن السلام أصبح وشيكاً.
الأدق هو أن موسكو تبدو أكثر استعدادًا لإبقاء الدبلوماسية في قلب المعادلة الاستراتيجية.
وهذا، بعد سنوات من الحرب، تطور يستحق المتابعة باهتمام شديد.
ويبقى السؤال الحاسم الآن : هل سيظل هذا الانفتاح الدبلوماسي مجرد ورقة تفاوضية تستخدمها موسكو لتحسين موقعها السياسي والاستراتيجي ، أم أنه سيتحول خلال الأشهر المقبلة إلى أساس حقيقي لمسار سياسي يمكن أن يقود في النهاية إلى تسوية للحرب؟
الكثير سيتوقف على الدور الذي تستطيع واشنطن القيام به.
وربما يتوقف الأمر بدرجة أكبر على اللحظة التي تصل فيها موسكو وكييف إلى قناعة مشتركة بأن ما يتعذر تحقيقه في ساحة المعركة بتكلفة مقبولة، قد يصبح من الضروري التفاوض عليه خلف طاولة واحدة.



