مقالات

من الحرب الأهلية إلى الصراع الإقليمي.. ماذا يجري في شمال إثيوبيا؟

✍️ يوحنا عزمي

ما يحدث في إثيوبيا خلال الأيام الأخيرة لم يعد مجرد جولة جديدة من الاشتباكات في إقليم تيجراي، بل يبدو أقرب إلى تحول أوسع في طبيعة الصراع نفسه ، فالمواجهات لم تعد محصورة في الحدود التقليدية للإقليم ، وإنما بدأت تمتد إلى أقاليم أخرى، بالتزامن مع ظهور تحالف مسلح يضم قوى كانت في السابق متصارعة فيما بينها ، لكنها باتت تشترك الآن في هدف واحد: مواجهة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد.

وهنا تكمن خطورة المشهد.

ففي 21 سبتمبر أعلنت سبع جماعات إثيوبية مسلحة تشكيل تحالف جديد يضم، من بين أطراف أخرى، جبهة تحرير تيجراي وقوات فانو الأمهرية وقوى من أوروميا وعفر ومناطق أخرى، بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة مرحلة انتقالية. والمفارقة أن بعض هذه القوى سبق أن قاتلت إلى جانب الحكومة أو كانت على طرف نقيض مع تيجراي خلال الحرب السابقة.

وبعد أيام قليلة فقط، انتقلت المواجهات إلى مستوى أكثر خطورة.

فقد اندلعت معارك في تيجراي، بالتزامن مع اشتباكات في إقليم عفر ، خصوصاً في مناطق أبالا وإريبتي، بينما امتدت المواجهات إلى أمهرة، مع ورود تقارير عن قتال قرب ولديا ومناطق أخرى ذات أهمية استراتيجية. كما أعلنت الخطوط الجوية الإثيوبية تعليق الرحلات إلى مطارات رئيسية في تيجراي مع تصاعد القتال.

المشكلة هنا ليست في سقوط مدينة أو اندلاع معركة محدودة.. وإنما في اتساع مساحة الصراع.

عندما تبدأ جبهة مسلحة في التحرك من إقليم إلى آخر، وتظهر في الوقت نفسه جماعات مسلحة محلية على جبهات متعددة، فإن القوات الحكومية تصبح أمام معادلة أكثر تعقيداً بكثير.

الجغرافيا الإثيوبية نفسها تجعل المسألة شديدة الحساسية، لأن مناطق تيجراي وأمهرة وعفر تقع في شمال البلاد ، بالقرب من الحدود مع إريتريا والسودان، بينما ترتبط عفر بأحد أهم الممرات التجارية التي تصل إثيوبيا بميناء جيبوتي.

وبالتالي فإن أي توسع عسكري في هذه المنطقة لا يحمل فقط أبعادًا عسكرية، وإنما يمكن أن يتحول إلى مشكلة اقتصادية وأمنية بالنسبة لأديس أبابا.

فالاقتصاد الإثيوبي يعتمد بصورة كبيرة على منفذ جيبوتي في حركة التجارة الخارجية، ولذلك فإن الاقتراب من طرق الإمداد والممرات الرئيسية يمكن أن يرفع تكلفة الحرب على الحكومة حتى لو لم تصل المعارك مباشرة إلى العاصمة.

لكن الأخطر من الجغرافيا هو السياسة.

لأن ما يحدث حالياً لا يبدو مجرد مواجهة بين الحكومة الفيدرالية وجبهة تيجراي.

هناك تحالف أوسع ظهر إلى العلن، ويضم أطرافاً من خلفيات عرقية وسياسية مختلفة. صحيح أن هذه القوى ليست كتلة متجانسة، وتوجد بينها خلافات سياسية وجغرافية كبيرة ، لكن مجرد اجتماعها على هدف إسقاط حكومة آبي أحمد يمثل تطوراً مهماً في المشهد الإثيوبي.

وهنا نصل إلى النقطة الأكثر إثارة للجدل.

بدلًا من أن تظل الأزمة محصورة في سؤال: لماذا اتسعت المعارضة المسلحة؟ بدأت أديس أبابا تنظر إلى الخارج.

رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، اتهم مصر والسودان بدعم الجماعات المسلحة المناوئة للحكومة، كما اتهم إريتريا بدور في الربط بين أطراف خارجية وهذه الجماعات.

لكن اللافت أن هذه الاتهامات لم تُدعم، في التصريحات التي نقلتها وسائل الإعلام الدولية ، بأدلة علنية يمكن التحقق منها بصورة مستقلة. وفي المقابل ، نفى السودان الاتهامات الإثيوبية ووصفها بأنها بلا أساس.

وهنا يجب التوقف.

لأن اتهام مصر أو السودان أو إريتريا بالتدخل في الصراع الإثيوبي ليس تفصيلًا عابراً، فهذه الدول الثلاث ترتبط مباشرة بأكثر الملفات حساسية بالنسبة لأديس أبابا: النيل، والحدود، والأمن الإقليمي، والبحر الأحمر.

وبالتالي فإن نقل الأزمة من كونها تمرداً داخلياً إلى كونها مواجهة مع قوى إقليمية يمكن أن يفتح الباب أمام تصعيد أكبر بكثير من حدود الحرب الأهلية الإثيوبية.

إريتريا تحديداً تمثل عقدة شديدة الحساسية.

فالعلاقة بين أديس أبابا وأسمرة مرت خلال السنوات الماضية بتحولات حادة، كما أن الحرب السابقة في تيجراي جعلت الحدود الشمالية لإثيوبيا واحدة من أكثر مناطق القرن الإفريقي توتراً.

ولذلك فإن مجرد دخول إريتريا في دائرة الاتهامات الإثيوبية يعيد إلى الواجهة احتمال تحول الصراع الداخلي إلى أزمة إقليمية متعددة الأطراف.

لكن في الوقت نفسه، يجب التفريق بين الاتهام السياسي وبين إثبات التدخل العسكري المباشر.

وهذه نقطة مهمة جداً في قراءة المشهد.

أما على المستوى العسكري ، فهناك مفارقة أخرى.

إثيوبيا تمتلك جيشاً كبيراً وقدرات جوية وعسكرية مهمة، ومع ذلك تواجه في الوقت نفسه عدة بؤر مسلحة في الشمال ، بينما تقول تقارير دولية إن القوات الفيدرالية ما زالت تمتلك تفوقاً جوياً، لكن تعدد الجبهات يضغط على قدرتها على إدارة الصراع.

كما ظهرت خلال الأيام الماضية تقارير مفتوحة المصدر عن رصد منظومات دفاع جوي صينية من طراز FK-2000 داخل إثيوبيا، مع تقارير عن تحريكها باتجاه مناطق القتال في أمهرة. إلا أن تفاصيل مصدر هذه المنظومات، وطبيعة الصفقة، وحجم الدعم الخارجي المرتبط بها، تحتاج إلى أدلة أكثر استقلالًا قبل تقديمها باعتبارها حقيقة مكتملة.

وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم:

إذا كانت إثيوبيا تحصل على دعم عسكري خارجي، وتمتلك قوات نظامية كبيرة وقدرات جوية، فلماذا تبدو الجبهات الداخلية قادرة على الضغط عليها بهذا الشكل؟

الإجابة ليست بالضرورة في السلاح وحده.

لأن الحروب الأهلية لا تُحسم دائماً بعدد الدبابات والطائرات.

أحياناً تكون المشكلة في تعدد الجبهات ، واتساع مساحة العمليات، وتراجع القدرة على الاحتفاظ بالأراضي، وانقسام الولاءات المحلية، وصعوبة إدارة تحالفات متعارضة المصالح.

وهذا تحديداً ما يجعل الوضع الإثيوبي الحالي شديد التعقيد.

وإذا استمر التصعيد ، فإن الخطر الحقيقي لن يكون فقط على حكومة آبي أحمد ، وإنما على التوازن الإقليمي كله.

فإثيوبيا ليست دولة هامشية في القرن الإفريقي.

إنها دولة ذات ثقل سكاني وسياسي وعسكري كبير، وترتبط مباشرة بأمن السودان ، وأمن البحر الأحمر، وملف مياه النيل ، وعلاقات معقدة مع إريتريا وجيبوتي والصومال.

وأي انفجار واسع داخل إثيوبيا يمكن أن يخلق تداعيات تتجاوز حدودها.

خصوصاً أن السودان نفسه يعيش حرباً مفتوحة منذ 2023، وقد دخل أصلًا في سجال مع أديس أبابا بشأن اتهامات متبادلة حول دعم أطراف النزاع.

وفي أحدث تطور، رفض الجيش السوداني رسمياً اتهامات إثيوبيا بدعم التحالف المسلح المناوئ لحكومة آبي أحمد، بينما وجه بدوره اتهامات تتعلق بدعم قوات الدعم السريع من داخل الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك ما وصفه بتوفير التدريب والإمدادات والنشاط المرتبط بالطائرات المسيرة.

وهكذا تتحول المنطقة شيئاً فشيئاً إلى شبكة من الصراعات المتداخلة:

إثيوبيا في مواجهة جماعات مسلحة داخلية.

السودان في حرب مفتوحة.

إريتريا في قلب التوترات الحدودية.

مصر تراقب أمن النيل والحدود والبحر الأحمر.

وجيبوتي تمثل منفذ إثيوبيا التجاري الأهم.

ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت الأزمة الإثيوبية الحالية أخطر من مجرد معركة جديدة في تيجراي.

المسألة الآن هي : هل تستطيع الحكومة الإثيوبية احتواء الصراع قبل أن يتحول التحالف المسلح الجديد إلى جبهة وطنية أوسع؟

هذا هو السؤال الحقيقي.

لأن أخطر سيناريو على أي دولة ليس أن تواجه خصماً واحداً قوياً وإنما أن تجد نفسها أمام خصوم متعددين ، في مناطق مختلفة، ولكل منهم أسباب مختلفة للقتال ، بينما تبدأ الاتهامات الخارجية في التزايد بالتوازي مع اتساع رقعة المعارك.

والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه التطورات مجرد جولة عسكرية جديدة يمكن احتواؤها، أم بداية مرحلة مختلفة تماماً من الأزمة الإثيوبية.

فالذي يحدث في شمال إثيوبيا اليوم لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد صراع بين الجيش وجبهة تيجراي، وإنما باعتباره اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة الإثيوبية على الحفاظ على تماسكها السياسي والأمني في مواجهة تحالفات مسلحة متعددة، وسط بيئة إقليمية شديدة الحساسية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى