قبل الانتخابات الإسرائيلية بـ28 يوماً .. نتنياهو يتحدث عن هجوم محتمل.. فهل نحن أمام تحذير أمني حقيقي أم رسالة سياسية محسوبة؟

بقلم : يوحنا عزمي
هناك تطور يستحق التوقف عنده ، ليس فقط بسبب مضمون التصريحات التي أطلقها بنيامين نتنياهو، وإنما بسبب توقيتها، ومكان إطلاقها ، والطريقة التي صيغت بها.
اليوم، ومن داخل قاعدة «تل نوف» الجوية ، خرج نتنياهو ليعلن أن لدى إسرائيل «مؤشرات» على أن أعداءها قد يحاولون مهاجمتها قبل الانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في 27 أكتوبر.
نتنياهو لم يحدد من يقصد بـ«الأعداء»، ولم يكشف طبيعة التهديد، ولم يوضح ما إذا كانت هناك معلومات استخباراتية محددة عن عملية وشيكة، كما لم يذكر ما إذا كانت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية قد غيرت بالفعل مستوى استعدادها بناء على هذه المعلومات.
كل ما قاله، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، هو أن هناك مؤشرات على احتمال تعرض إسرائيل لهجوم في الفترة التي تسبق الانتخابات ، ثم وجه رسالة تهديد مباشرة إلى خصوم إسرائيل، مؤكداً أن «الذراع الطويلة» لإسرائيل قادرة على الوصول إليهم في أي مكان وأي وقت.
وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة الحقيقية.
من هو الطرف الذي يتحدث عنه نتنياهو؟
هل المقصود إيران؟
هل المقصود حزب الله؟
هل هناك تهديد من الحوثيين؟
هل الحديث متعلق بغزة والفصائل الفلسطينية؟
أم أن المقصود سيناريو متعدد الجبهات؟
حتى الآن، لا توجد في التصريحات العلنية إجابة واضحة.
وهذه النقطة مهمة جداً ، لأن التحذير الأمني التقليدي عندما يكون مبنياً على معلومات عملياتية محددة ، عادة ما يكون مصحوباً بدرجة معينة من التوضيح للمؤسسة الأمنية والجمهور، ولو من دون كشف التفاصيل الحساسة.
أما أن يخرج رئيس الحكومة قبل الانتخابات بأربعة أسابيع تقريباً ويتحدث عن «مؤشرات» لهجوم محتمل، من دون تحديد مصدر التهديد أو طبيعته أو مستوى خطورته ، فهذا يفتح الباب تلقائياً أمام تساؤلات سياسية وأمنية في آن واحد.
لكن الأهم هو التوقيت.
إسرائيل تتجه إلى انتخابات في 27 أكتوبر، ونتنياهو يخوض المعركة السياسية في ظل بيئة أمنية شديدة التعقيد، بينما تحولت مسألة الأمن القومي إلى واحدة من أهم محاور النقاش الداخلي الإسرائيلي.
وهنا لا يمكن تجاهل أن صورة نتنياهو السياسية مرتبطة منذ سنوات بفكرة أنه الرجل القادر على حماية إسرائيل وإدارة ملفاتها الأمنية، ولذلك فإن أي حديث عن «تهديد خارجي» قبل الانتخابات يحمل بطبيعته وزناً سياسياً، حتى لو كان التهديد حقيقياً بالفعل.
وهذا لا يعني تلقائياً أن التحذير مختلق أو أن هناك تلاعباً متعمداً بالمعلومات.
لكن معناه ببساطة أن التوقيت السياسي يجعل التصريحات بحاجة إلى تدقيق أكبر ، وليس إلى تصديق تلقائي أو رفض تلقائي.
وهذا بالضبط ما بدأت المعارضة الإسرائيلية في طرحه.
فبعد تصريحات نتنياهو، طالب معارضون بأن يحصل رئيس المعارضة يائير لابيد على إحاطة أمنية إذا كانت هناك بالفعل معلومات جدية عن تهديد وشيك، فيما قال زعيم حزب «يشار» غادي أيزنكوت إن على نتنياهو إطلاع لابيد فوراً إذا كان التهديد حقيقياً ، حتى لا يتحول الأمر إلى مجرد «حيلة سياسية».
وهنا تظهر مفارقة لافتة.
نتنياهو يقول إن هناك مؤشرات على هجوم محتمل قبل الانتخابات، بينما يأتي الرد من داخل النظام السياسي الإسرائيلي نفسه بالسؤال:
إذا كانت المعلومات خطيرة فعلًا.. فلماذا لا يتم التعامل معها باعتبارها قضية أمن قومي تستوجب إحاطة المعارضة؟
هذا السؤال ليس تفصيلًا صغيراً.
لأن إسرائيل سبق أن عاشت تجربة مريرة مع قضية التحذيرات الاستخباراتية، وأصبحت مسألة كيفية تعامل القيادة السياسية مع المعلومات الأمنية واحدة من أكثر القضايا حساسية في النقاش الداخلي الإسرائيلي.
بل إن تقارير إسرائيلية حديثة أعادت فتح ملف التحذيرات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر 2023، وسط اتهامات من معارضين بأن نتنياهو تلقى تحذيرات ولم يتعامل معها بالشكل المناسب، وهي اتهامات ينفيها نتنياهو.
لذلك، عندما يتحدث نتنياهو اليوم عن «مؤشرات» لهجوم محتمل، فمن الطبيعي أن تكون المؤسسة السياسية والإعلامية الإسرائيلية أكثر حساسية تجاه سؤال:
ما الذي تعرفه الحكومة؟ ومتى عرفته؟ وما مستوى الخطر؟ وكيف تم تقييمه؟
لكن هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله.
فالتصريحات جاءت في توقيت تتزامن فيه تحركات سياسية وعسكرية لافتة في المنطقة.
قبل ذلك بفترة قصيرة، أجرى نتنياهو زيارة إلى أبوظبي والتقى الشيخ محمد بن زايد، في وقت تتحدث فيه تقارير عن اتصالات ومباحثات إقليمية أوسع مرتبطة بملفات المنطقة.
وبالتوازي، ظهرت تقارير اليوم عن وصول أسراب من المقاتلات الأمريكية إلى قاعدة عوفدا في جنوب إسرائيل ، وانضمامها إلى طائرات أمريكية موجودة بالفعل هناك.
وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة جداً لأن بعض المعلومات المتداولة على مواقع التواصل اختلط فيها المؤكد بغير المؤكد.
نعم، هناك تقارير عن نشر مقاتلات أمريكية إضافية في إسرائيل.
لكن هذا لا يعني تلقائياً أن الولايات المتحدة أرسلت اليوم 12 طائرة من طراز F-22 Raptor.
فطائرات F-22 كانت قد وصلت بالفعل إلى إسرائيل في وقت سابق من عام 2026 ضمن انتشار أمريكي سابق ، ثم غادرت المنطقة لاحقاً ، لذلك فإن إعادة نشر المعلومة القديمة باعتبارها وصولاً جديداً اليوم أمر غير دقيق.
وهذا التفصيل مهم للغاية ، لأن تضخيم أو إعادة تدوير معلومة عسكرية قديمة يمكن أن يصنع انطباعاً بوجود تحرك عسكري جديد لم يحدث بالضرورة بهذه الصورة.
لكن في المقابل، وصول مقاتلات أمريكية إضافية إلى عوفدا اليوم هو تطور يستحق المتابعة بحد ذاته، خصوصاً إذا جاء ضمن تحرك عسكري أمريكي أوسع في المنطقة.
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر:
هل نحن أمام استعداد فعلي لتصعيد إقليمي جديد؟ أم أمام مجموعة من التحركات المنفصلة التي يجري جمعها في رواية واحدة؟
حتى الآن، لا توجد معلومات علنية كافية تسمح بالجزم بأن هناك عملية عسكرية كبيرة يجري الإعداد لها.
وهذا فارق مهم جداً.
لأن وجود تحركات عسكرية، وتصريحات سياسية ، واجتماعات إقليمية ، وتحذيرات أمنية في توقيت متقارب ، لا يعني بالضرورة أن كل هذه العناصر جزء من خطة واحدة.
لكنها في الوقت نفسه تستحق القراءة معاً، خصوصاً في منطقة أصبحت فيها التحركات العسكرية والدبلوماسية مترابطة بصورة شديدة التعقيد.
وهنا أعتقد أن النقطة الأهم ليست أن نقول:
«الحرب قادمة حتماً».
ولا أن نقول:
«نتنياهو يكذب بالتأكيد».
كلا الاستنتاجين سابق لأوانه.
الأدق هو أن نقول إننا أمام بيئة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الانتخابية مع الحسابات العسكرية والاستراتيجية.
نتنياهو لديه مصلحة سياسية واضحة في تقديم نفسه باعتباره الرجل الذي يقف في مواجهة الأخطار الخارجية ويحمي إسرائيل من خصومها.
وفي المقابل، لدى المعارضة مصلحة سياسية في التشكيك في إدارة نتنياهو للملف الأمني، خصوصاً في ظل الجدل المستمر داخل إسرائيل حول مسؤولية القيادة السياسية والأجهزة الأمنية عن إخفاقات 7 أكتوبر.
وبالتالي فإن كل تصريح أمني يصدر في هذه المرحلة يجب أن يُقرأ على مستويين في الوقت نفسه:
المستوى الأول: هل يوجد تهديد أمني حقيقي؟
والمستوى الثاني: كيف يمكن أن يؤثر الإعلان عن هذا التهديد على المعركة السياسية داخل إسرائيل؟
والفصل بين المستويين ليس سهلاً.
فقد يكون التهديد حقيقياً بالفعل، وفي الوقت نفسه يتم توظيفه سياسيًا.
وقد تكون هناك معلومات استخباراتية فعلية، لكن طريقة الإعلان عنها تخدم صورة سياسية معينة.
وقد تكون التحركات العسكرية احترازية فقط، وليس بالضرورة مقدمة لعملية هجومية.
وهذه الاحتمالات كلها يجب أن تبقى مطروحة حتى تظهر معلومات أكثر تحديدًا.
أما أخطر خطأ يمكن ارتكابه الآن فهو القفز مباشرة من «مؤشرات» إلى «حرب مؤكدة».
فالشرق الأوسط شهد خلال السنوات الأخيرة عدداً كبيراً من التحذيرات والتصعيدات التي لم تتحول في النهاية إلى حرب شاملة، كما شهد في المقابل أزمات بدأت بإشارات محدودة ثم تطورت بسرعة.
لذلك فإن السؤال الحقيقي خلال الأيام المقبلة لن يكون فقط:
ماذا قال نتنياهو؟
بل:
ماذا ستفعل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بعد كلامه؟
هل سترفع حالة التأهب؟
هل ستصدر تحذيرات رسمية؟
هل ستظهر معلومات عن جبهة محددة؟
هل ستتغير الانتشارات العسكرية الأمريكية؟
هل ستحدث تحركات جوية أو بحرية إضافية؟
وهل ستظهر اتصالات دبلوماسية عاجلة بين الأطراف الإقليمية والدولية؟
هذه هي المؤشرات التي يمكن أن تساعدنا على التمييز بين تحذير سياسي عام وبين تطور أمني حقيقي يجري الاستعداد له على الأرض.
وفي النهاية ، هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها:
إسرائيل تدخل الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات في واحدة من أكثر البيئات السياسية والأمنية حساسية، ونتنياهو يعرف جيداً أن ملف الأمن يمثل عنصراً مركزياً في المعركة الانتخابية.
ولهذا فإن تصريحات اليوم يجب ألا تُهمل، لكنها في الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول إلى دليل تلقائي على أن هجوماً كبيراً بات وشيكاً.
الاختبار الحقيقي سيكون فيما سيحدث بعد هذه التصريحات.
فإذا ظهرت خلال الأيام المقبلة تحركات عسكرية نوعية ، أو معلومات استخباراتية محددة ، أو إجراءات استثنائية على أكثر من جبهة ، فسيكون لذلك معنى مختلف تماماً.
أما إذا بقي الأمر عند حدود التصريحات السياسية والتحذيرات الغامضة، فستظل فرضية الاستخدام السياسي للخطاب الأمني قائمة، باعتبارها أحد التفسيرات الممكنة التي تحتاج إلى أدلة، لا إلى مجرد استنتاج.
الخلاصة:
لسنا أمام دليل مؤكد حتى الآن على أن حرباً جديدة ستندلع قبل الانتخابات.
ولسنا أيضاً أمام تصريح عابر يمكن تجاهله.
نحن أمام مشهد يجمع بين انتخابات تقترب، وتهديدات أمنية غير محددة ، وتحركات عسكرية أمريكية ، واتصالات إقليمية، وصراع سياسي داخلي إسرائيلي محتدم.
والأيام القادمة هي التي ستكشف ما إذا كانت هذه العناصر مجرد تطورات متزامنة.
أم أنها بالفعل أجزاء من مشهد أكبر يجري التحضير له خلف الكواليس.
المهم الآن: لا تسبقوا الأحداث … راقبوا المؤشرات.
لأن السياسة في المنطقة لا تُقرأ من التصريحات وحدها، وإنما من ما يحدث على الأرض بعد التصريحات.



