كيف نقرأ الإنسحاب الأمريكي من العراق في 2026؟

بقلم : يوحنا عزمي
هناك خطأ شائع في قراءة المشهد العراقي الراهن ، يتمثل في التعامل مع الانسحاب الأمريكي الذي اكتمل في 30 سبتمبر 2026 باعتباره استمراراً مباشراً لانسحاب عام 2011 ، أو باعتبار أن الولايات المتحدة كانت موجودة عسكرياً في العراق بصورة متصلة منذ غزو 2003 وحتى اليوم.
والحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك.
فالولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري الأساسي في العراق بالفعل في ديسمبر 2011. ووفق السجل الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية ، اكتمل انسحاب القوات الأمريكية من العراق في 18 ديسمبر 2011، تنفيذاً لاتفاقية الأمن الموقعة بين واشنطن وبغداد، مع بقاء أدوار أمريكية غير قتالية مرتبطة بالتدريب والتعاون الأمني عبر السفارة.
ثم، وبعد أقل من ثلاث سنوات، عاد الوجود العسكري الأمريكي إلى العراق في سياق مختلف تماماً ، عندما تمدد تنظيم داعش بصورة واسعة عام 2014 ، وسيطر على مساحات كبيرة ومدن رئيسية، الأمر الذي أدى إلى تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم.
وهنا تحديداً تبدأ أهمية التمييز بين الانسحاب الأول والانسحاب الثاني.
فالولايات المتحدة لم تنسحب من العراق عام 2026 بعد 23 عاماً من الوجود العسكري المتواصل ، وإنما أنهت في 2026 مرحلة عسكرية بدأت بصورتها الجديدة عام 2014، بعد أن جاءت أصلًا إلى العراق مرة أخرى تحت عنوان محاربة تنظيم داعش.
وهذا التفصيل ليس هامشياً ، لأنه يغير طريقة قراءة المشهد بالكامل.
العراق بين إنسحابين
الانسحاب الأول كان نهاية مرحلة الغزو والاحتلال العسكري المباشر الذي بدأ عام 2003.
أما الانسحاب الثاني فهو نهاية مرحلة مختلفة: مرحلة التحالف الدولي لمواجهة داعش، والتي تحولت تدريجياً من عمليات قتالية إلى التدريب والمساندة والاستشارة وبناء قدرات القوات العراقية.
وبحلول ديسمبر 2017 أعلنت الحكومة العراقية النصر العسكري على داعش بعد استعادة الأراضي التي كان التنظيم يسيطر عليها، بينما أعلنت قوات التحالف لاحقاً أن التنظيم فقد سيطرته على الأراضي التي كان يحتلها في العراق وسوريا ، وإن بقيت خلاياه قادرة على تنفيذ هجمات والعمل بصورة سرية.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي في 2026 ليس:
لماذا خرجت أمريكا من العراق؟
وإنما:
لماذا استمر الوجود العسكري الأمريكي كل هذه السنوات بعد انتهاء السيطرة الإقليمية لداعش ، وما الذي تغير الآن حتى أصبح الانسحاب ممكناً؟
هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها التحليل.
من الغزو إلى داعش.. ثم إلى الانسحاب الثاني
الولايات المتحدة دخلت العراق عام 2003 بهدف إسقاط نظام صدام حسين، ثم خرجت قواتها العسكرية الأساسية عام 2011.
لكن البيئة السياسية والأمنية التي خلفها الغزو لم تختفِ بخروج القوات الأمريكية.
العراق دخل بعد ذلك في سلسلة من الأزمات السياسية والأمنية والطائفية ، وصولًا إلى صعود تنظيم داعش عام 2014، وهو التنظيم الذي استطاع خلال فترة قصيرة السيطرة على مساحات واسعة من البلاد، قبل أن تبدأ القوات العراقية، مدعومة بالتحالف الدولي وقوى محلية مختلفة ، عملية عسكرية واسعة لاستعادة الأراضي.
وهنا يجب التوقف أمام حقيقة مهمة:
هزيمة داعش عسكرياً لم تعني انتهاء الصراع على العراق.
فبعد انتهاء سيطرة التنظيم على الأراضي، بقي العراق ساحة تنافس بين الولايات المتحدة وإيران وقوى إقليمية ومحلية متعددة.
وبالتالي فإن اختزال الوجود الأمريكي في العراق في عنوان “محاربة داعش” فقط لا يكفي لتفسير السنوات التي تلت انهيار التنظيم كقوة تسيطر على أراضٍ ومدن.
فالتحالف الدولي نفسه أعلن منذ 2018 أن داعش فقد نحو 98% من الأراضي التي كان يسيطر عليها ، وأن مهمة التحالف بدأت تتحول من العمليات القتالية إلى الحفاظ على المكاسب وبناء قدرات القوات المحلية.
وهنا تظهر المفارقة:
إذا كانت طبيعة المهمة قد تغيرت منذ سنوات ، فلماذا بقي الوجود العسكري الأمريكي حتى 2026؟
الإجابة لا يمكن أن تكون عسكرية فقط.
الإنسحاب الأمريكي ليس بالضرورة إنسحاباً من العراق
في السياسة الدولية ، يجب التفريق بين الانسحاب العسكري والانسحاب السياسي.
الولايات المتحدة يمكن أن تسحب قواتها من بلد ما، دون أن تنسحب من مصالحها فيه.
وهذا تحديداً ما يجعل قراءة انسحاب 2026 باعتباره “خروجاً أمريكياً من العراق” قراءة ناقصة.
فالوجود العسكري هو إحدى أدوات النفوذ ، وليس النفوذ ذاته.
يمكن لواشنطن أن تقلص وجودها العسكري المباشر، بينما تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية واستخباراتية وأمنية واسعة، وبقدرة على التأثير من خارج الحدود العراقية.
والتقارير التي أعلنت اكتمال الانسحاب في 30 سبتمبر 2026 أشارت بالفعل إلى أن نهاية المهمة العسكرية لا تعني بالضرورة نهاية كل أشكال التعاون الأمني ، إذ تستمر أشكال من التدريب والدعم الاستخباراتي والتعاون مع القوات العراقية.
إذن نحن أمام تغيير في أدوات النفوذ أكثر من كونه اختفاءً للنفوذ الأمريكي.
ماذا يريد ترامب من العراق؟
هنا ندخل إلى البعد السياسي.
دونالد ترامب بنى جزءًا أساسياً من خطابه السياسي على انتقاد الحروب الأمريكية طويلة المدى، وعلى فكرة أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تتحمل وحدها تكلفة أمن مناطق بعيدة بينما تستطيع الدول المحلية تحمل مسؤولياتها الأمنية.
وفي العراق، يتوافق الانسحاب الحالي مع اتفاق أمريكي _ عراقي سابق لإعادة ترتيب المهمة العسكرية وإنهاء الوجود القتالي للتحالف.
لكن سياسة “أمريكا أولاً” لا تعني بالضرورة أن واشنطن ستتخلى عن مصالحها في الشرق الأوسط.
المعنى الأكثر دقة هو أن الولايات المتحدة تحاول تقليل تكلفة الوجود العسكري المباشر ، مع الاحتفاظ بالقدرة على حماية مصالحها واستخدام أدوات أخرى عند الضرورة.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.
فالدولة التي تسحب جنودها لا تصبح تلقائياً دولة بلا مصالح.
والقوة العظمى لا تحتاج دائماً إلى قاعدة عسكرية في كل دولة كي تؤثر في مسارها السياسي.
لكن ماذا عن إيران؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
فالانسحاب الأمريكي يفتح مساحة أكبر أمام القوى العراقية والإقليمية للتنافس على النفوذ.
وإيران تمتلك بالفعل نفوذاً سياسياً وأمنياً واسعاً داخل العراق، إلى جانب علاقاتها مع قوى وفصائل مسلحة عراقية.
ولهذا فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد 30 سبتمبر ليس فقط:
هل خرج الأمريكيون؟
بل:
من يملأ المساحة التي تركها الوجود العسكري الأمريكي؟
وهذه المساحة لن تذهب بالضرورة إلى طرف واحد.
فالعراق ليس فراغاً سياسياً يمكن لقوة واحدة أن تملأه بسهولة.
هناك الدولة العراقية، والقوى السياسية، والقوات المسلحة الرسمية، والحشد الشعبي ، والقوى الكردية ، والقوى العربية السنية ، إضافة إلى إيران والولايات المتحدة وتركيا ودول الخليج وغيرها.
وبالتالي فإن مرحلة ما بعد الانسحاب ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على إدارة توازناتها الداخلية والخارجية.
هل يعني الإنسحاب إنتصاراً إيرانياً؟
وصف الانسحاب بأنه “انتصار إيراني” يحتاج إلى قدر من الحذر.
نعم ، خروج القوات الأمريكية يزيل أحد أهم مصادر الضغط العسكري المباشر على القوى المرتبطة بإيران داخل العراق.
كما أن إيران تستطيع أن تقدم الانسحاب داخلياً وإقليمياً باعتباره تراجعاً للوجود الأمريكي.
لكن هذا لا يعني أن العراق أصبح إيرانياً.
فالعراق دولة ذات مصالح وطنية خاصة، وليست مجرد ساحة تابعة بصورة كاملة لأي قوة إقليمية.
كما أن الولايات المتحدة لا تزال تملك أدوات تأثير كبيرة في المنطقة، بينما لا تزال إيران نفسها تواجه ضغوطًا أمنية واقتصادية وإقليمية معقدة.
لذلك فإن الأدق هو القول إن:
الانسحاب يعيد توزيع أدوات القوة داخل العراق، ولا يحسم وحده لمن ستكون الغلبة السياسية.
الخطر الحقيقي: الفراغ الأمني
أكثر ما يستحق المتابعة بعد الانسحاب ليس الاحتفال الأمريكي أو الإيراني، وإنما قدرة العراق على منع عودة التنظيمات المسلحة إلى استغلال أي فراغ أمني.
فالتجربة العراقية نفسها تقدم درساً واضحاً :
عندما ضعفت مؤسسات الدولة الأمنية والسياسية، استطاعت داعش أن تستغل الفوضى والصراعات المحلية لتوسيع نفوذها.
والتحالف الدولي نفسه كان قد حذر من أن خسارة داعش للأراضي لا تعني اختفاء التنظيم، وإنما انتقاله إلى نمط العمل السري والتمرد والهجمات المتفرقة.
وبالتالي فإن السؤال بعد خروج القوات الأمريكية هو:
هل أصبحت المؤسسات العراقية قادرة على منع تكرار سيناريو 2014؟
هذه هي المسألة الأكثر أهمية.
أما الحديث عن “تصنيع داعش” فيحتاج إلى تدقيق
هناك بالفعل أدبيات سياسية واسعة تتهم الولايات المتحدة أو دولًا إقليمية بالمسؤولية المباشرة عن نشأة داعش أو توظيفها، وهناك شهادات وتحليلات ونظريات مؤامرة كثيرة في هذا الاتجاه.
لكن من الناحية الصحفية والتحليلية، لا يجوز تحويل الاتهام إلى حقيقة تاريخية مثبتة دون أدلة مباشرة يمكن التحقق منها.
المؤكد أن سياسات الغزو الأمريكي للعراق، وانهيار مؤسسات الدولة ، والصراع الطائفي ، والحرب السورية، وتفكك الحدود العراقية _ السورية ، كلها ساهمت في خلق البيئة التي استفادت منها التنظيمات الجهادية.
أما القول بأن الولايات المتحدة وإيران “صنعتا داعش عمداً” كأداة مشتركة للسيطرة على العراق، فهو ادعاء يحتاج إلى أدلة مستقلة ومباشرة ، ولا يكفي لإثباته وجود تقاطع مصالح أو نتائج خدمت أطرافاً مختلفة.
وهنا تحديداً يجب أن تكون الصحافة أكثر صرامة من الخطاب السياسي.
هل يمكن أن تعود داعش؟
هذا الاحتمال لا يمكن تجاهله، لكنه يختلف جذرياً عن سيناريو 2014.
داعش لم تعد تملك الدولة المعلنة التي كانت تسيطر على الموصل ومساحات واسعة من العراق وسوريا.
لكن التنظيم لم يختفي تماماً.
وقد تحولت استراتيجيته من السيطرة على المدن والأراضي إلى الخلايا والهجمات واستغلال المناطق الهشة أمنياً.
لذلك فإن عودة داعش، إذا حدثت، لن تكون بالضرورة نسخة طبق الأصل من داعش 2014.
قد تكون نسخة أكثر لامركزية ، وأقل قدرة على السيطرة على الأرض، لكنها أكثر اعتماداً على حرب العصابات والهجمات المفاجئة واستغلال الصراعات المحلية.
وهنا يصبح الاستقرار السياسي العراقي جزءاً من معركة مكافحة الإرهاب ، وليس مجرد قضية داخلية.
العراق في قلب صراع أكبر
الأهم من كل ذلك أن العراق لا يعيش في عزلة عن الإقليم.
العراق يقع بين إيران وتركيا وسوريا ودول الخليج، ويتقاطع مع ملفات الطاقة والممرات التجارية والأمن الإقليمي والصراع الأمريكي _ الإيراني والتنافس الدولي على طرق التجارة.
ولهذا فإن أي تغيير في الوجود الأمريكي داخل العراق يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الحدود العراقية.
لكن من الخطأ أيضًا افتراض أن كل ما يحدث في المنطقة هو جزء من مخطط واحد متماسك تديره جهة واحدة.
السياسة الدولية أكثر تعقيداً من ذلك.
هناك مصالح تتقاطع، وقوى تتنافس، وتحالفات تتغير، وأحياناً ينتج عن الأحداث نتائج لم تكن مقصودة أصلًا من صانعي القرار.
وهذه نقطة جوهرية في قراءة العراق عام 2026.
هل نحن أمام “عراق إيراني” جديد؟
الإجابة ليست بهذه البساطة.
إيران ستستفيد من غياب القوات الأمريكية على المستوى الرمزي والسياسي ، وقد تحاول تعزيز نفوذها عبر حلفائها العراقيين.
لكن العراق نفسه يمتلك مصالح وطنية، وهناك قوى عراقية عديدة لا تريد أن يكون القرار الوطني تابعاً لواشنطن أو طهران.
ومن ثم فإن المعركة القادمة قد لا تكون:
أمريكا ضد إيران داخل العراق.
بل قد تكون بدرجة أكبر:
العراق في مواجهة السؤال القديم: كيف يبني دولة ذات قرار سيادي وسط تنافس القوى الكبرى والإقليمية؟
وهذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل العراق أكثر من عدد الجنود الأمريكيين الموجودين على أراضيه.
أما أخطر ما في المشهد فهو “الوكالة”
منذ سنوات، تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى مساحة تتصارع فيها القوى الكبرى والإقليمية بصورة غير مباشرة.
القوة الكبرى لا تحتاج دائماً إلى خوض الحرب بنفسها.
يمكنها استخدام حلفاء محليين ، أو دعم سياسي ، أو أدوات اقتصادية، أو جماعات مسلحة، أو ضغوط دبلوماسية، أو عمليات استخباراتية.
وهذا ما يجعل العراق شديد الحساسية.
فإذا تحول الانسحاب الأمريكي إلى فراغ سياسي وأمني، فقد يصبح العراق مرة أخرى ساحة صراع بالوكالة.
وإذا نجحت الدولة العراقية في ملء الفراغ بمؤسساتها الرسمية، فقد يتحول الانسحاب إلى انتقال طبيعي من مرحلة الاعتماد على التحالف الدولي إلى مرحلة الاعتماد على القدرات الوطنية.
وهنا سيكون العامل الحاسم هو أداء الدولة العراقية نفسها.
الخلاصة
الانسحاب الأمريكي في 30 سبتمبر 2026 لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد تكرار لانسحاب 2011، ولا باعتباره إعلاناً عن نهاية النفوذ الأمريكي في العراق ، ولا باعتباره تلقائياً تسليماً أمريكياً للعراق إلى إيران.
نحن أمام مرحلة ثالثة مختلفة:
2003: غزو وإسقاط نظام صدام حسين.
2011: انتهاء الوجود العسكري الأمريكي الأساسي.
2014: عودة أمريكية في إطار الحرب على داعش.
2017: إعلان بغداد النصر العسكري على داعش.
2026: انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية وانسحاب القوات الأمريكية من العراق، مع استمرار أشكال أخرى من التعاون الأمني.
وبين هذه المحطات، تغير العراق وتغيرت الولايات المتحدة وتغيرت إيران وتغيرت المنطقة نفسها.
لذلك فإن القراءة الأكثر أهمية اليوم ليست البحث عن إجابة جاهزة من نوع “أمريكا خسرت” أو “إيران انتصرت”.
بل السؤال الأكثر جدية هو:
ماذا سيفعل العراق بالمساحة التي أصبحت متاحة أمامه بعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي؟
إذا استطاعت بغداد تحويل الانسحاب إلى فرصة لبناء مؤسسات أمنية وطنية قوية، وتحصين القرار السياسي، وإدارة علاقاتها مع واشنطن وطهران وتركيا والدول العربية وفق مصالحها الوطنية، فقد يكون الانسحاب بداية مرحلة جديدة.
أما إذا تحول الخروج الأمريكي إلى فراغ تتنافس داخله القوى الإقليمية والجماعات المسلحة، فإن العراق قد ينتقل ببساطة من شكل من أشكال الصراع على النفوذ إلى شكل آخر.
وهنا تكمن المفارقة:
أمريكا قد تغادر العراق عسكرياً ، لكن الصراع على العراق لن يغادر معه.
بل ربما تبدأ بعد الانسحاب مباشرة مرحلة أكثر تعقيداً ، لأن السؤال لم يعد:
من يملك القواعد الأمريكية؟
وإنما ، من يملك القرار العراقي؟



