مقالات

حين تتحول المفاوضات إلى إدارة للأزمة.. لماذا تتعثر فرص التسوية بين واشنطن وطهران؟

بقلم : يوحنا عزمي

كيف يمكن أن تكون هناك وساطة واتصالات ومفاوضات متكررة بين الولايات المتحدة وإيران ، ثم تتوقف المفاوضات، وتعود من جديد ، ومع ذلك لا تظهر حتى الآن ملامح تسوية حقيقية؟

الإجابة ببساطة أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتفاصيل اتفاق يمكن التوصل إليه عبر التفاوض، وإنما أصبحت مرتبطة بتناقض أعمق في حسابات الطرفين.

واشنطن تريد اتفاقاً يترجم ميزان الضغط العسكري والاقتصادي إلى تنازلات إيرانية واضحة، بينما تريد طهران أن تدخل أي تفاوض من موقع يحفظ قدرتها على الصمود ويمنع تحويل الضغوط العسكرية والاقتصادية إلى تغيير جذري في موازين القوة أو إلى مساس ببنية النظام.

ولهذا السبب تحديداً ، أصبحت المفاوضات نفسها جزءًا من الصراع، وليست بالضرورة طريقاً سريعاً لإنهائه.

فكل طرف يحاول استخدام طاولة التفاوض للحصول على الوقت، وتحسين شروطه ، واختبار الطرف الآخر ، وإعادة ترتيب أوراقه الميدانية.

وهنا تبدأ الصورة الأكثر تعقيداً.

المشكلة أن الملف الإيراني لم يعد محصوراً في البرنامج النووي أو العقوبات أو مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل أصبح مرتبطاً بمجموعة من العقد الجيوسياسية تمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب ، ومن الخليج إلى اليمن ، ومن واشنطن إلى موسكو وبكين.

وهذا ما يجعل أي تصعيد جديد أكثر تكلفة من مجرد مواجهة عسكرية مباشرة بين دولتين.

أولًا : روسيا والصين عاملان مهمان في حسابات طهران

وجود روسيا والصين في المشهد يمنح إيران هامشاً أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية ، حتى وإن لم يكن ذلك معناه أن موسكو أو بكين ستدخلان تلقائياً في حرب مباشرة دفاعاً عن طهران.

روسيا والصين لديهما مصالح استراتيجية واقتصادية واسعة في المنطقة، كما أن كليهما ينظر إلى الصراع الأمريكي الإيراني باعتباره جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للنظام الدولي.

ولهذا فإن الدعم السياسي والاقتصادي والتكنولوجي الذي يمكن أن تحصل عليه إيران يمثل عنصراً مهماً في قدرتها على تحمل الضغوط.

لكن من الضروري هنا الفصل بين ما هو مؤكد وما هو محل تقارير أو تقديرات ، فبعض الروايات المتداولة حول حصول روسيا أو الصين على “كنز تكنولوجي” نتيجة الاستيلاء على غواصة تجسس أمريكية في مضيق هرمز تحتاج إلى أدلة مستقلة قبل التعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة.

الأهم سياسياً هو أن طهران لا تتحرك في فراغ دولي، وأن واشنطن تدرك أن الضغط على إيران يمكن أن يفتح في المقابل مسارات أوسع للمنافسة مع موسكو وبكين.

ثانياً: باب المندب لم يعد تفصيلًا جانبياً

إذا كان مضيق هرمز يمثل واحدة من أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية ، فإن باب المندب يمثل نقطة اختناق أخرى لا تقل أهمية بالنسبة إلى حركة التجارة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

وهنا تظهر أهمية الحوثيين في المعادلة.

التطورات الأخيرة في اليمن جعلت أمن البحر الأحمر جزءًا من الحسابات المباشرة للصراع الإقليمي، فيما تتحدث تقارير عن تحركات سعودية لاستعادة السيطرة على مناطق استراتيجية مرتبطة بباب المندب، وسط استعدادات عسكرية ودعم أمريكي استخباراتي وأشكال دعم أخرى من حلفاء إقليميين ودوليين.

وبالتالي فإن أي توسع للمواجهة في إيران لا يمكن قراءته بمعزل عن البحر الأحمر.

فالمعادلة لم تعد : واشنطن ضد طهران فقط.

بل أصبحت أقرب إلى شبكة مترابطة من ساحات الضغط تبدأ من الخليج، وتمتد إلى اليمن والبحر الأحمر، وتصل آثارها إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ثالثاً: الخليج أصبح لاعباً مباشراً في معادلة التصعيد

دول الخليج ليست مجرد متفرج على ما يحدث.

أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز أو باب المندب يعني تهديداً مباشراً للطاقة والتجارة والبنية التحتية والموانئ والمنشآت النفطية.

ولهذا تحاول دول الخليج في الوقت نفسه حماية منشآتها، ورفع قدراتها الدفاعية، والضغط سياسيًا من أجل منع تحول المنطقة إلى حرب مفتوحة.

وتكشف التطورات الأخيرة أن السعودية وحلفاءها يتحركون بصورة أكثر استقلالًا في ملف أمن البحر الأحمر، بالتوازي مع تفاهمات دفاعية إقليمية جديدة.

وهنا تكمن المفارقة:

كلما اتسعت الحرب، زادت حاجة الخليج إلى الحماية الدولية، وفي الوقت نفسه زادت المخاوف الخليجية من أن تتحول هذه الحماية إلى جزء من حرب أوسع لا يمكن التحكم في نتائجها.

رابعاً: عامل الانتخابات الأمريكية

هناك أيضًا حساب سياسي أمريكي لا يمكن تجاهله.

انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر تقترب، والحرب الطويلة تضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة داخلية شديدة الحساسية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف العمليات العسكرية واستمرار تأثير الصراع على أسعار الطاقة.

ولهذا فإن السؤال في واشنطن لم يعد عسكرياً فقط:

ماذا يمكن أن تحقق الولايات المتحدة عسكرياً ؟

بل أصبح أيضاً : إلى أي مدى يمكن استمرار هذه الحرب، وما التكلفة السياسية والاقتصادية لها؟

وتشير تقارير حديثة إلى أن ترامب لوّح بإمكانية استئناف الضربات واسعة النطاق بعد انتخابات نوفمبر إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، بينما لا تزال قنوات التفاوض والوساطة مفتوحة.

وهذا يعني أن الانتخابات أصبحت جزءًا من البيئة السياسية التي تتحرك داخلها المفاوضات ، حتى لو لم تكن العامل الوحيد الذي يحدد القرار الأمريكي.

خامساً: لماذا تثير التحركات العسكرية القلق؟

هنا نصل إلى واحدة من أخطر النقاط.

الولايات المتحدة تعمل على تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، وتشير تقارير أمريكية إلى أن البنتاجون يدرس إمكانية نشر ما يصل إلى ثلاث مجموعات لحاملات الطائرات مع سفن مرافقة، بما قد يعني قرابة 20 ألف عسكري ونحو 150 طائرة مقاتلة إذا اكتمل هذا السيناريو.

كما تحدثت تقارير أخرى عن إرسال آلاف إضافية من القوات والسفن إلى المنطقة.

لكن وجود هذه القوات لا يعني تلقائياً أن قرار الحرب قد اتُخذ.

التعزيزات العسكرية يمكن أن تكون أداة ردع ، ويمكن أن تكون استعدادًا لعملية عسكرية، ويمكن أن تكون وسيلة لتوفير خيارات متعددة أمام القيادة السياسية.

لكن المشكلة أن الحشد العسكري الكبير في منطقة شديدة الحساسية يرفع في حد ذاته مخاطر سوء الحساب.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

فكلما ارتفع حجم القوات والأسلحة الموجودة في مسرح العمليات، أصبحت أي حادثة بحرية أو صاروخية أو استهداف لمنشأة أمريكية أو خليجية قادرة على دفع الأطراف إلى دائرة جديدة من التصعيد.

سادساً: إيران لن تكون مجرد متلقٍ للضربات

من الصعب تصور أن أي تصعيد أمريكي واسع سيجري من دون رد إيراني.

طهران أعلنت بالفعل استعدادها لرد أقوى إذا استؤنفت العمليات الأمريكية واسعة النطاق، فيما تشير تقارير إلى أن دوائر القرار الإيرانية تدرس توسيع نطاق الأهداف المحتملة ليشمل مصالح أمريكية وحلفاء إقليميين.

وهنا تظهر معادلة الردع المتبادل:

واشنطن تستطيع ضرب أهداف إيرانية.

لكن إيران تستطيع محاولة رفع تكلفة الحرب عبر استهداف مصالح أمريكية أو حليفة لها في المنطقة.

وهذا النوع من الحسابات هو الذي يجعل قرار الحرب أسهل على الورق، لكنه أكثر تعقيدًا بكثير عند التنفيذ.

سابعاً: البحر الأحمر قد يتحول إلى الجبهة الأخطر اقتصادياً 

القلق لا يتعلق فقط بالصواريخ والطائرات والسفن.

القضية الأساسية هي الإقتصاد.

فإذا تعرض مضيق هرمز لضغط شديد في الوقت الذي يتعرض فيه باب المندب لاضطرابات عسكرية، فإن العالم سيكون أمام مشكلة تتعلق بممرين بحريين استراتيجيين في وقت واحد.

وقد شهدت الأسواق بالفعل مخاوف مرتبطة بتعطل إمدادات الطاقة وحركة الملاحة نتيجة التوترات في هرمز والبحر الأحمر.

وهنا تصبح قناة السويس جزءًا من الصورة الاقتصادية، لأن أي اضطراب واسع في البحر الأحمر لا يبقى محصوراً في أطراف الصراع، وإنما ينعكس على تكلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.

ومن هنا نفهم لماذا أعلنت فرنسا إرسال قوات وأنظمة دفاعية إلى السعودية لحماية ميناء ينبع والمنشآت المرتبطة بالطاقة في البحر الأحمر.

الخطوة الفرنسية لا تعني بالضرورة أن باريس قررت الدخول في حرب ضد الحوثيين، فقد وصفت فرنسا المهمة بأنها دفاعية، لكنها تكشف في الوقت نفسه مدى حساسية الوضع الأمني حول منشآت الطاقة والممرات البحرية.

إذن.. لماذا تبدو مهمة الوسطاء شديدة الصعوبة؟

لأن الوسيط لا يتعامل مع خلاف واحد.

هو يتعامل مع شبكة من الملفات:

البرنامج النووي الإيراني.

العقوبات الأمريكية.

مضيق هرمز.

الملاحة الدولية.

الحرب في اليمن.

باب المندب.

أمن الخليج.

أسعار الطاقة.

الانتخابات الأمريكية.

والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

ولهذا فإن أي اتفاق جزئي في ملف واحد يمكن أن ينهار بسبب ملف آخر.

وقد ظهرت بالفعل محاولات وساطة قطرية لإعادة فتح مسار التفاوض، بينما رفض ترامب مقترحاً إيرانياً يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز بشروط معينة، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين الطرفين.

المشهد إذن لا يشير إلى غياب الدبلوماسية، بل إلى أن الدبلوماسية تعمل تحت ضغط عسكري وسياسي واقتصادي هائل.

وهذا هو الفارق المهم.

المفاوضات لم تفشل لأنها توقفت فقط، وإنما لأنها حتى الآن لم تنجح في إنتاج نقطة التقاء بين الحسابات الاستراتيجية للطرفين.

واشنطن تريد أن تترجم قوتها العسكرية والاقتصادية إلى تنازلات.

وطهران تريد أن تمنع هذه القوة من تحويل الضغط إلى استسلام استراتيجي.

وبين الموقفين، تتحرك الوساطات الدولية بحثاً عن صيغة تمنع الانفجار الأكبر.

لكن كل يوم يمر مع استمرار الحشد العسكري وتصاعد التوتر في الخليج والبحر الأحمر يرفع تكلفة الخطأ، ويجعل أي حادث محدود قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع.

وهنا تحديداً تكمن أخطر رسالة في المشهد الحالي:

الخطر ليس فقط في أن يفشل التفاوض، وإنما في أن يفشل التفاوض في الوقت نفسه الذي تتزايد فيه أدوات الحرب.

فالمنطقة لا تحتاج بالضرورة إلى قرار معلن بالحرب حتى تدخل مرحلة أكثر خطورة ، يكفي أن تتراكم الضغوط، وسوء التقدير، والحسابات الانتخابية، والتحركات العسكرية، واضطرابات الممرات البحرية، حتى يصبح هامش المناورة أضيق من أي وقت مضى.

ولهذا فإن متابعة ما يجري في هرمز وباب المندب والخليج، بالتوازي مع مسار الاتصالات الأمريكية الإيرانية، أصبحت ضرورية لفهم الصورة كاملة.

فالمعركة الحقيقية لا تجري على طاولة التفاوض وحدها.

بل تجري أيضاً على الممرات البحرية، وفي أسواق الطاقة، وعلى خرائط الانتشار العسكري، وفي حسابات السياسة الداخلية لكل طرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى