مقالات

سد النهضة.. لماذا تعود إثيوبيا إلى الزج بأسم مصر في أزماتها الداخلية؟

بقلم : يوحنا عزمي

إذا أردنا أن نفهم ما الذي يحدث في إثيوبيا الآن، فعلينا ألا نتعامل مع التصريحات المتبادلة حول سد النهضة ونهر النيل باعتبارها مجرد سجال دبلوماسي عابر، أو مجرد ردود فعل مرتبطة بالمياه.

أحياناً تكون التصريحات السياسية أهم من مضمونها المباشر، لأنها تكشف الرسالة التي يريد طرف ما إيصالها إلى الداخل والخارج في الوقت نفسه.

ولهذا ، دعونا نبدأ بمجموعة من الأسئلة التي تبدو للوهلة الأولى منفصلة، لكنها عند وضعها جنبًا إلى جنب قد تقودنا إلى قراءة أكثر اتساقاً للمشهد.

أولًا: عندما يقول وزير الموارد المائية الإثيوبي إن على مصر أن تفسر سبب بنائها السد العالي دون موافقة إثيوبيا قبل أن تنتقد سد النهضة.. فهل نحن أمام حجة قانونية متماسكة ، أم أمام محاولة لإعادة صياغة الرواية التاريخية للنزاع؟

هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى قدر كبير من التدقيق.

فالحديث عن إقامة المشروعات على نهر دولي لا ينحصر في قاعدة مبسطة تقول إن “أي مشروع يحتاج موافقة جميع دول الحوض” بصورة مطلقة، وإنما يرتبط بمجموعة من المبادئ والقواعد الدولية، وفي مقدمتها مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى ، والتعاون وتبادل المعلومات والإخطار بالمشروعات ذات الصلة.

ومن هنا ، فإن المقارنة بين السد العالي وسد النهضة لا يمكن أن تكون مجرد مقارنة تاريخية بين “سد بُني دون موافقة” و”سد بُني دون موافقة”.

فالسؤال الأهم هو: ما طبيعة تأثير كل مشروع على الدول الأخرى، وما الظروف القانونية والتاريخية التي أحاطت بإنشائه؟

السد العالي يقع داخل الأراضي المصرية في دولة المصب ، بينما سد النهضة يقع في دولة المنبع ، وله تأثير مباشر على تدفقات المياه التي تعتمد عليها دول المصب ، وفي مقدمتها مصر والسودان.

وبالتالي، فإن استدعاء السد العالي في النقاش لا يحسم النزاع قانونياً لصالح أي طرف ، بل يحتاج إلى وضع كل مشروع في سياقه المائي والقانوني والتاريخي.

وهنا تظهر نقطة سياسية مهمة:

إثارة السد العالي ليست مجرد إجابة على انتقادات مصر لسد النهضة ، وإنما يمكن أن تُستخدم لإعادة تعريف القضية أمام الرأي العام الإثيوبي والدولي.

أي تحويل النقاش من سؤال: ماذا تفعل إثيوبيا في إدارة وتشغيل سد النهضة وتأثير ذلك على دول المصب؟

إلى سؤال آخر : لماذا تنتقد مصر إثيوبيا بينما سبق لها أن بنت السد العالي؟

وهذا التحول في صياغة السؤال بحد ذاته له قيمة سياسية، لأنه ينقل الطرف الآخر من موقع الدفاع عن موقفه الحالي إلى موقع الدفاع عن تاريخه.

وهنا نصل إلى السؤال الثاني: هل توجد أدلة علنية واضحة تثبت اتهام مصر بدعم جبهة تحرير تيجراي ضد الحكومة الإثيوبية؟

الاتهامات السياسية شيء ، وإثباتها بالأدلة شيء آخر.

ولا يكفي في القضايا الأمنية والإقليمية إطلاق اتهام أو تداوله إعلامياً حتى يتحول إلى حقيقة مثبتة.

وحتى إذا افترضنا وجود اتصالات أو أشكال من الدعم غير المعلن بين أطراف إقليمية وقوى إثيوبية، فإن طبيعة العمل الاستخباراتي تحديدًا تجعل إثباته علناً مسألة مختلفة تمامًا عن إطلاق الاتهامات السياسية.

لذلك ، يجب الفصل بين ما هو مثبت ، وما هو متداول ، وما هو مجرد استنتاج سياسي.

وهنا يأتي السؤال الثالث : لماذا يتم الزج باسم مصر في هذه الملفات تحديداً ؟

والسؤال الرابع ربما يكون أكثر أهمية:

لماذا تعود قضية سد النهضة إلى الواجهة بهذا الشكل، رغم أن السد أصبح واقعاً قائماً بالفعل؟

الإجابة لا ينبغي أن تبحث فقط في ملف المياه.

لأن سد النهضة لم يعد مجرد مشروع هندسي، لقد تحول منذ سنوات إلى أداة سياسية ورمزية داخل الصراع على النفوذ في القرن الإفريقي.

وبالتالي ، فإن إعادة إنتاج الملف إعلامياً قد تخدم أهدافاً تتجاوز قضية تشغيل السد نفسها.

وهنا ندخل إلى الجزء الأكثر حساسية في المشهد.

أولًا: مصر كخصم خارجي في الخطاب الداخلي

عندما يجري الربط بين مصر وبين قضية سد النهضة من جهة، وبين مصر والمعارضة المسلحة أو جبهة تيجراي من جهة أخرى، فإن النتيجة السياسية المحتملة هي خلق سردية تقول للرأي العام الإثيوبي إن هناك تدخلًا خارجياً يستهدف الدولة والنظام معاً.

وهذه الآلية معروفة في الصراعات السياسية:

عندما يصبح الصراع الداخلي معقداً، يمكن أن يتحول “الخصم الخارجي” إلى عنصر تعبئة يوحد قطاعات مختلفة من المجتمع حول السلطة.

وبالتالي، فإن مجرد وضع مصر في مركز الرواية السياسية قد يساعد على نقل جزء من النقاش بعيداً عن الأسئلة الداخلية المتعلقة بالصراع الإثيوبي نفسه.

ثانياً: السد العالي كأداة لإعادة بناء الرواية الإثيوبية

أما استدعاء السد العالي، فيمكن قراءته باعتباره محاولة لتقديم قضية سد النهضة باعتبارها معاملة بالمثل:

“إذا كانت مصر قد بنت سداً دون موافقة إثيوبيا ، فلماذا تمنع إثيوبيا من بناء سدها؟”

لكن هذه المقارنة تظل بحاجة إلى إجابة عن السؤال الأهم:

هل المشروعان متطابقان من حيث الموقع والتأثير وطبيعة التدفقات المائية والآثار على دول الحوض؟

فالمقارنة السياسية لا تصبح حجة قانونية بمجرد تكرارها.

وهنا تكمن أهمية المعركة الحقيقية: معركة صياغة الرواية.

إثيوبيا لا تحتاج فقط إلى الدفاع عن السد باعتباره منشأة مائية، وإنما تحتاج إلى تثبيت رواية تقول إن السد جزء من حقها في التنمية والسيادة على مواردها.

وفي المقابل، تحاول مصر تثبيت رواية مختلفة تقوم على أن التنمية لا ينبغي أن تتم على حساب الأمن المائي لدول المصب، وأن إدارة وتشغيل السد يجب أن تراعي مصالح الأطراف الأخرى.

وبين الروايتين، لا تدور المعركة حول المياه فقط، وإنما حول من ينجح في إقناع الداخل والخارج بأن روايته هي الإطار الصحيح لفهم الأزمة.

ثالثاً: أين يدخل ملف تيجراي في الصورة؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.

إثيوبيا لا تواجه ملفاً واحداً، فهناك صراعات داخلية متعددة، وتوترات بين المركز والأقاليم ، ومجموعات مسلحة وأطراف سياسية مختلفة.

وفي مثل هذه البيئة ، فإن وجود تهديد خارجي أو خصم إقليمي يمكن أن يؤدي وظيفتين في آن واحد:

الأولى: رفع الروح المعنوية للسلطة وتعبئة مؤيديها.

والثانية: إعادة ترتيب الأولويات السياسية والأمنية، بحيث يصبح الصراع مع “الخطر الخارجي” أكثر حضوراً من الخلافات الداخلية.

ومن هنا يمكن فهم سبب أهمية الزج باسم مصر في هذه المعادلة، إذا ثبت أنه جزء من خطاب سياسي منظم، وليس مجرد تصريحات منفصلة.

لكن هناك نقطة يجب الإنتباه إليها جيداً

القول إن هذه التحركات تخدم هدفاً سياسياً معيناً لا يعني تلقائياً أن كل الأحداث جرى التخطيط لها ضمن “مؤامرة واحدة”.

السياسة أكثر تعقيداً من ذلك.

قد تتقاطع مصالح أطراف متعددة دون أن تكون جميعها جزءًا من غرفة عمليات واحدة.

وقد تستفيد السلطة من خطاب معين حتى لو لم تكن هي صاحبة كل عناصره.

وقد تستخدم قضية خارجية لتعبئة الداخل، في الوقت نفسه الذي تستخدم فيه القضية نفسها لتحسين موقعها التفاوضي خارجياً.

وهذا هو ما يجعل المشهد الإثيوبي شديد التعقيد.

إذا جمعنا العناصر السابقة معاً ، فإن القضية لا تبدو مجرد عودة مفاجئة إلى ملف سد النهضة.

نحن أمام صراع على الرواية السياسية بقدر ما نحن أمام صراع على المياه.

استدعاء السد العالي يهدف إلى فتح ملف تاريخي يمكن استخدامه في مواجهة الرواية المصرية.

والربط بين مصر والمعارضة الإثيوبية ، إذا لم تدعمه أدلة علنية واضحة، يبقى في إطار الاتهام السياسي الذي يحتاج إلى إثبات.

أما إعادة وضع مصر في قلب المشهد الإثيوبي، فيمكن أن تخدم خطاباً داخلياً يقوم على فكرة وجود خصم خارجي، وفي الوقت نفسه تمنح الحكومة الإثيوبية مساحة لإعادة تقديم أزمة سد النهضة باعتبارها جزءًا من صراع أوسع حول السيادة والتنمية والنفوذ الإقليمي.

لكن الأهم من كل ذلك أن ننتبه إلى أن المعركة الحقيقية ليست فقط حول من يملك السد، وإنما حول من يملك تفسير الأحداث.

ومن يستطيع أن يفرض تفسيره على الرأي العام، يستطيع بدرجة كبيرة أن يحدد طبيعة النقاش السياسي نفسه.

ولهذا، فإن متابعة التطورات في إثيوبيا يجب ألا تقتصر على بيانات الحكومات وتصريحات المسؤولين، وإنما يجب أن تشمل أيضًا حركة القوى على الأرض، وطبيعة التحالفات، والخطاب الموجه إلى الداخل الإثيوبي، ومواقف القوى الإقليمية والدولية، وتطور ملف سد النهضة نفسه.

ففي السياسة ، أحياناً لا تكون أهم كلمة هي التي قيلت.

بل لماذا قيلت الآن؟ ولمن وُجهت؟ وما الذي تريد أن تجعل الآخرين يتحدثون عنه بدلًا من القضية الأصلية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى