مقالات

سر تهديد وزير مالية إسرائيل بمحو سيناء

بقلم : يوحنا عزمي

ليس كل تصريح سياسي يستحق أن يُقرأ بالمعنى المباشر للكلمات التي قيلت، فبعض التصريحات تكون أهميتها الحقيقية في توقيتها، والسياق الذي خرجت فيه، والجهة التي أطلقتها ، ثم في الطريقة التي جرى بها تداولها إعلامياً. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن النظر إلى التصريحات المنسوبة إلى وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش ، والتي تحدث فيها عن اختفاء سيناء في حال مهاجمة مصر لإسرائيل ، باعتبارها مادة سياسية وإعلامية تحتاج إلى قدر أكبر من الهدوء والتحليل قبل الانجرار وراء حالة التهويل التي قد تصاحبها.

المفارقة الأولى أن التصريح صدر عن وزير المالية، وليس عن رئيس الحكومة أو وزير الدفاع أو وزير الخارجية أو أي مسؤول يتولى بصورة مباشرة ملفات الأمن القومي والسياسة الخارجية والعلاقات العسكرية. وهذه نقطة ليست شكلية، لأن وزن التصريح السياسي لا يتحدد فقط بحدة مضمونه، وإنما أيضاً بصفة صاحبه، وبمدى امتلاكه صلاحية التعبير عن سياسة الدولة أو اتخاذ القرار الذي يتحدث بشأنه. ولذلك فإن التعامل مع كل تصريح يصدر عن مسؤول إسرائيلي وكأنه يعكس بالضرورة قراراً رسمياً للحكومة الإسرائيلية يمثل خطأ في قراءة بنية النظام السياسي وآليات صناعة القرار.

وهنا تحديداً ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور مختلفة: التصريح الشخصي للمسؤول، والموقف السياسي للحزب أو التيار الذي ينتمي إليه، ثم الموقف الرسمي للدولة. الخلط بين هذه المستويات هو الذي يصنع أحياناً حالة من الهلع السياسي والإعلامي لا تستند إلى حقيقة مؤسسية واضحة.

لكن السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: لماذا قال سموتريتش هذا الكلام؟ وإنما: لماذا قاله في هذا التوقيت تحديداً ، ولماذا خرج في هذا السياق ، ولماذا حظي بهذا القدر من التداول؟

هذه هي النقطة التي تستحق التوقف عندها.

فالتصريحات السياسية لا تُقرأ بمعزل عن البيئة الانتخابية والإعلامية المحيطة بها. وإسرائيل، مثل أي نظام سياسي ديمقراطي، تشهد صراعاً داخلياً على أصوات الناخبين، وتتحول الملفات الأمنية والعسكرية إلى أدوات شديدة التأثير في المنافسة السياسية ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمصر ، الدولة التي تمثل بالنسبة للإسرائيليين واحدة من أهم ركائز المعادلة الأمنية والاستراتيجية في المنطقة، بحكم الموقع الجغرافي، وحجم الدولة، والحدود المشتركة، واتفاقية السلام، والتاريخ العسكري الطويل بين البلدين.

ولهذا فإن إدخال اسم مصر في خطاب سياسي إسرائيلي، حتى لو صدر عن وزير لا يملك الاختصاص المباشر في الملف الأمني، ليس بالضرورة أمراً عابراً. فمصر حاضرة بصورة خاصة في الذاكرة السياسية والأمنية الإسرائيلية، وأي حديث عنها يمكن أن يؤدي وظيفة انتخابية أو دعائية تتجاوز مضمون التصريح ذاته.

والأهم من ذلك أن صياغة التصريح نفسها تستحق القراءة السياسية.

عندما يقول المسؤول إن اختفاء سيناء سيكون نتيجة لقيام مصر بمهاجمة إسرائيل ، فهو لا يقدم بالضرورة تهديداً مباشراً بالمعنى القانوني أو الرسمي ، بل يعيد ترتيب العلاقة بين الفعل والنتيجة بطريقة مقصودة، فهو يجعل السيناريو العدائي افتراضياً مرتبطاً بفعل مصري سابق، بدلًا من أن يعلن ببساطة أن إسرائيل تهدد مصر أو تتوعدها بالسيطرة على سيناء.

وهنا تظهر أهمية الصياغة.

فالفارق كبير سياسياً بين أن تقول دولة أو مسؤول فيها: “إذا هاجمتمونا فسوف ندمر أراضيكم”، وبين أن يقول: “إذا تعرضنا لهجوم فستكون هناك نتائج عسكرية كارثية”. ففي الحالة الأولى يبدو الكلام أقرب إلى إعلان تهديد استباقي، أما في الثانية فيُقدم باعتباره توصيفاً لنتيجة محتملة لحرب مفترضة.

وهذا الفارق مهم للغاية في العلاقات الدولية، لأن اللغة السياسية تُستخدم أحياناً لإيصال رسائل متعددة إلى أكثر من جمهور في الوقت نفسه. الرسالة الأولى قد تكون موجهة إلى الداخل الإسرائيلي لطمأنة جمهور يرى في القوة العسكرية ضمانة للأمن.

والرسالة الثانية قد تكون موجهة إلى الخصوم بهدف الردع. والثالثة قد تكون موجهة إلى الإعلام الدولي لإظهار أن المسؤول يتحدث في إطار “الرد على هجوم مفترض” وليس في إطار إعلان نية عدوانية.

لكن هناك نقطة أكثر أهمية من كل ذلك: مصر ليست دولة يمكن التعامل مع أي تهديد موجه إليها باعتباره مجرد مادة للمزايدة الإعلامية.

فالعلاقة المصرية الإسرائيلية ليست علاقة عادية بين دولتين متجاورتين، إنها علاقة تحكمها اتفاقية سلام دولية ، وترتيبات أمنية، وضمانات دولية، وتوازنات إقليمية ودولية شديدة التعقيد. ولذلك فإن أي انتقال من التصريحات السياسية إلى إجراءات فعلية ضد الأراضي المصرية سيكون انتقالًا من مستوى الخطاب السياسي إلى أزمة استراتيجية كبرى، لن تتوقف تداعياتها عند حدود القاهرة وتل أبيب.

وهنا يمكن فهم سبب عدم الحاجة بالضرورة إلى أن ترد الدولة المصرية على كل تصريح استفزازي يصدر من مسؤول إسرائيلي، خصوصًا عندما لا يكون التصريح صادراً عن الجهة الرسمية المختصة أو مصحوباً بإجراء سياسي أو عسكري على الأرض.

الدبلوماسية ليست مسابقة في سرعة الرد، والقوة السياسية لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها الدولة. أحياناً يكون الصمت الرسمي أكثر تعبيراً عن الثقة بالنفس من الدخول في سجال إعلامي مع مسؤول يريد أصلًا أن يحصل على مزيد من الاهتمام.

كما أن تحويل تصريح من مسؤول سياسي إلى أزمة بين دولتين من خلال التغطية الإعلامية المكثفة قد يؤدي، من دون قصد، إلى منح التصريح قيمة أكبر بكثير من قيمته الأصلية.

وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف أمام دور وسائل الإعلام.

الإعلام لا يكتفي أحياناً بنقل الحدث، وإنما يساهم في تحديد حجم الحدث من خلال العنوان ، وطريقة التقديم ، وعدد مرات التكرار، والمساحة الممنوحة له، وربطه بعناوين أخرى أكثر خطورة. ومن ثم قد يتحول تصريح فردي إلى “أزمة”، ثم تتحول الأزمة إلى “تهديد”، ثم يتحول التهديد إلى “احتمال حرب”، رغم أن نقطة البداية لم تكن قراراً رسمياً ولا تحركاً عسكرياً.

وهذه واحدة من أخطر مشكلات البيئة الإعلامية المعاصرة: أن العنوان قد يصبح أحيانًا أهم من الخبر نفسه.

وفي حالة التصريحات المتعلقة بمصر وسيناء تحديداً ، فإن الحساسية التاريخية والجغرافية والسياسية تجعل العنوان قادراً على إثارة ردود فعل شعبية واسعة بمجرد استخدام كلمات مثل “اختفاء سيناء” أو “محو سيناء”، حتى لو كان مضمون التصريح نفسه قائماً على سيناريو افتراضي مشروط.

وهنا تصبح مسؤولية الإعلام أكبر، لا أقل.

فالاحتفال بذكرى نصر أكتوبر، وما يمثله من قيمة وطنية وتاريخية في الوعي المصري ، يجعل أي حديث إسرائيلي عن سيناء شديد القابلية للانتشار والتوظيف العاطفي. وهذا أمر مفهوم من الناحية النفسية والسياسية، لكنه في الوقت نفسه يستوجب قدراً أكبر من المهنية في التعامل مع الأخبار ، لأن تحويل كل تصريح إسرائيلي إلى معركة إعلامية قد يخدم أحياناً صاحب التصريح نفسه أكثر مما يخدم الحقيقة.

والتاريخ هنا حاضر بقوة.

فاستعادة سيناء لم تكن مجرد نتيجة عسكرية للحرب، وإنما كانت نتيجة لمسار طويل جمع بين العمل العسكري والسياسي والدبلوماسي والاستراتيجي، حتى عادت الأرض المصرية إلى السيادة المصرية. ولذلك فإن أي حديث عن سيناء يجب أن يُقرأ في ضوء هذه الحقيقة التاريخية: سيناء ليست ورقة في خطاب انتخابي، ولا مساحة جغرافية يمكن اختزالها في تصريح عابر، وإنما جزء من السيادة المصرية ونتاج لمسار تاريخي طويل دفعت مصر من أجله أثماناً هائلة.

ومن هنا فإن التعامل الذكي مع التصريحات الإسرائيلية لا يكون بالضرورة عبر الرد الانفعالي عليها، وإنما عبر وضعها في حجمها الحقيقي، ومعرفة من قالها، وما صفته، وما مدى قدرته على تنفيذ ما يقول، وما السياق الذي تحدث فيه، وما الذي حدث على الأرض بالتوازي مع التصريح.

فالسياسة في النهاية ليست علم قراءة الكلمات فقط، وإنما علم قراءة السياقات.

وقد يكون أهم سؤال في مثل هذه الحالات ليس: “ماذا قال المسؤول؟”، وإنما: “لماذا قاله الآن؟ ولمن قاله؟ وما الذي يريد أن يحققه من وراء قوله؟ ومن المستفيد من تحويله إلى قضية كبرى؟”

وعندما نطرح الأسئلة بهذه الطريقة، تتغير الصورة بالكامل.

فليس كل تهديد إعلامي تهديداً رسميا ، وليس كل تصريح صادر عن وزير يمثل سياسة دولة ، وليس كل عنوان صحفي يعكس بالضرورة حجم الخطر الحقيقي. وبين الخبر والقرار توجد مسافة واسعة ، وبين التصريح والسياسة الرسمية توجد مؤسسات، وبين الخطاب الانتخابي والعمل العسكري توجد حسابات استراتيجية لا يمكن تجاهلها.

لهذا فإن المطلوب في مثل هذه الملفات ليس الاستهانة بأي تصريح، وفي الوقت نفسه ليس تضخيمه إلى درجة صناعة حالة من الذعر ، وإنما وضعه في سياقه الصحيح ، ومراقبة ما إذا كان سيتحول من كلام إلى سياسة، ومن سياسة إلى إجراءات، ومن إجراءات إلى تحركات على الأرض.

أما مصر، بحكم موقعها وثقلها الاستراتيجي وتجربتها التاريخية، فلا تحتاج إلى الدخول في كل سجال إعلامي حتى تثبت أنها تتابع ما يحدث. الدولة القوية تعرف متى تتحدث، ومتى تترك التصريح يموت في مكانه، ومتى يكون الرد بالفعل السياسي أو الدبلوماسي لا بمجرد البيان.

وهنا تكمن أهمية الوعي السياسي الحقيقي: أن نقرأ ما وراء العنوان، وأن نفرق بين التصريح والقرار، وبين الدعاية والسياسة، وبين الضجيج الإعلامي والتحرك الاستراتيجي.

وفي النهاية ، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الملفات ليس أن يقول مسؤول تصريحاً استفزازياً، وإنما أن نمنح نحن هذا التصريح حجماً لم يكن يملكه في الأصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى