هل دخلت إيران نادي السلاح الإستراتيجي أم أننا أمام أكبر مناورة في لعبة الأمم؟

✍️ يوحنا عزمي
هل يمكن أن تكون طهران قد حصلت بالفعل على سلاح نووي استراتيجي بدعم روسي؟ وهل تدرس واشنطن خيار استخدام سلاح غير تقليدي إذا شعرت بأن ميزان الردع بدأ يميل ضدها؟
أسئلة تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى حبكة فيلم سياسي ثقيل
لكنها تعود بقوة إلى الواجهة مع سلسلة من المؤشرات المتلاحقة التي يصعب تجاهلها عندما تُقرأ في سياق واحد.
خلال الساعات الماضية ظهرت تحركات وتصريحات متفرقة ، قد تبدو عادية إذا تم تناول كل منها بمعزل عن الآخر، لكن عند جمعها تتشكل صورة مقلقة توحي بأن شيئاً بالغ الحساسية يجري خلف الأبواب المغلقة.
البداية كانت من واشنطن ، حيث عقد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، Chuck Schumer، اجتماع إحاطة مغلق مع Central Intelligence Agency بشأن الملف الإيراني.
مثل هذه الاجتماعات ليست نادرة في حد ذاتها ، لكن اللافت كان ما تلاها. فبحسب ما نقلته وسائل إعلام أمريكية ، خرج شومر من الإجتماع بملامح متوترة، واكتفى أمام الكاميرات بعبارة مقتضبة مفادها أن الأمر “جدي وخطير” وأن على Donald Trump أن يوضح موقفه للشعب الأمريكي.
هذه الجملة القصيرة فتحت الباب أمام سيل من التساؤلات :
ما الذي عُرض في جلسة الإحاطة؟ هل يتعلق الأمر بتطور مفاجئ في القدرات الإيرانية؟ أم بخطة أمريكية قيد الإعداد؟
التوقيت تحديداً يضاعف الغموض ، لأنه جاء بعد ساعات من
تصعيد روسي لافت. فقد خرج Dmitry Medvedev، الرئيس الروسي السابق ونائب رئيس مجلس الأمن الروسي ، باتهامات مباشرة لبريطانيا وفرنسا بالسعي إلى تمكين أوكرانيا نووياً ، سواء عبر تكنولوجيا حساسة أو عبر صيغة أكثر مباشرة.
هذه التصريحات لم تكن مجرد جدل إعلامي ، بل تضمنت تهديداً باستخدام سلاح نووي “غير استراتيجي” إذا تم تجاوز خطوط موسكو الحمراء.
مصطلح “غير استراتيجي” هنا يشير إلى السلاح النووي التكتيكي محدود التأثير ، لكنه يظل سلاحاً نووياً بكل ما تحمله الكلمة من دلالات ردعية وتصعيدية. الأخطر في حديث ميدفيديف كان التلميح إلى أن الرد الروسي قد لا يقتصر على أوروبا ، بل قد يشمل دعم خصوم الغرب بتقنيات حساسة. في هذه النقطة تحديداً بدأ البعض يربط بين التصعيد الروسي وبين احتمالية نقل خبرات أو مظلة ردع إلى أطراف أخرى ، وفي مقدمتها إيران.
بالتوازي مع ذلك ، جرى تداول معلومات عن تسجيل هزات أرضية خفيفة في مناطق صحراوية داخل إيران ، بقوة تقل عن خمس درجات على مقياس ريختر. من الناحية العلمية ، ليست كل هزة أرضية دليلًا على نشاط نووي ، فإيران تقع ضمن نطاق زلزالي نشط بطبيعته.
لكن في عالم الاستخبارات ، يُنظر أحياناً إلى طبيعة الموجات الزلزالية وأنماطها لتحليل ما إذا كانت ناتجة عن نشاط جيولوجي طبيعي أم عن اختبار تحت الأرض. هذه النقطة تحديدًا غذت الشكوك وأعادت إلى الواجهة سيناريو “الاختبار الصامت”.
في المقابل ، تشهد المنطقة حشداً عسكرياً أمريكياً غير مسبوق منذ سنوات ، مع تعزيزات جوية وبحرية كثيفة. وجود عسكري بهذا الحجم قد يُفسر كرسالة ردع لإيران ، وقد يُقرأ أيضاً كتحضير لعمل واسع النطاق إذا اقتضت الحسابات ذلك.
لكن اللافت أن واشنطن ، رغم هذا الحشد ، لم تقدم حتى الآن على ضربة مباشرة ، ما يطرح احتمالين : إما أن القرار لم يُحسم بعد ، أو أن هناك معطيات جديدة تجعل كلفة الضربة أعلى بكثير مما كانت عليه سابقاً.
بعض التحليلات تذهب إلى أن صلابة الموقف الإيراني مؤخراً وغياب مؤشرات التراجع ، قد تعكس شعوراً بامتلاك ورقة قوة نوعية ، سواء كانت نووية فعلًا أو مرتبطة بضمانات استراتيجية من قوى كبرى. في الوقت نفسه ، أصدرت دول مثل Germany وIndia تحذيرات لرعاياها بمغادرة مناطق التوتر في الشرق الأوسط ، وهي خطوة لا تُتخذ عادة إلا عند وجود تقديرات باحتمال تصعيد واسع.
هل يعني كل ذلك أن إيران أصبحت قوة نووية معلنة أو غير معلنة؟ لا توجد حتى الآن أدلة قاطعة في المجال العام تثبت ذلك. وهل تخطط الولايات المتحدة لاستخدام سلاح غير تقليدي؟ مثل هذا القرار ، إن وُضع على الطاولة ، سيكون محكوماً بحسابات ردع معقدة وتوازنات دولية شديدة الحساسية ، لأن أي انزلاق نووي ـ تكتيكي ـ قد يفتح الباب أمام مرحلة غير قابلة للسيطرة.
المشهد إذن ليس أبيض أو أسود ، بل منطقة رمادية كثيفة الضباب. ما نراه هو تراكم إشارات : توتر سياسي في واشنطن ، تهديدات روسية صريحة ، حشد عسكري أمريكي واسع ، تحذيرات دولية لرعايا ، وتساؤلات تقنية حول نشاطات تحت الأرض. الربط بينها قد يقود إلى سيناريو كبير ، وقد ينتهي إلى لعبة عض أصابع في إطار الردع المتبادل.
في كل الأحوال ، المنطقة تقف على حافة مرحلة شديدة الحساسية ، حيث يكفي خطأ في الحساب أو قراءة خاطئة
لإشارة ما كي يتحول التوتر إلى مواجهة مفتوحة. وحتى تتضح الصورة ، سيظل السؤال قائماً : هل نحن أمام إعادة رسم لقواعد الردع في الشرق الأوسط ، أم أمام تصعيد محسوب هدفه تحسين شروط التفاوض لا أكثر؟ الأيام وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت هذه المؤشرات تمهيداً لعاصفة كبرى ، أم مجرد استعراض قوة في لعبة أمم لا ترحم.



