مقالات

مضيق هرمز يشعل الاقتصاد العالمي : من ناقلات النفط إلى عرش الذهب

✍️ يوحنا عزمي

لم يعد ما يجري في مضيق هرمز مجرد تطور عسكري عابر، بل تحول خلال ساعات إلى زلزال اقتصادي تتردد ارتداداته في كل بورصات العالم. مع تصاعد العمليات الإيرانية واستهداف سفن وناقلات في واحد من أهم الممرات المائية على الكوكب، دخلت الأسواق في حالة ذعر حقيقية، وبدأت سلسلة تفاعلات تشبه تأثير الدومينو، تضرب الطاقة والعملات والمعادن والأسهم دفعة واحدة.

الشرارة الأولى انطلقت من قطاع الطاقة. الضربات التي طالت منشآت ومصافي في عدد من دول الخليج دفعت شركة قطر للطاقة إلى إعلان وقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال بشكل كامل ، في خطوة غير مسبوقة من لاعب يهيمن على نحو خُمس صادرات الغاز العالمية.

قرار بهذا الحجم لا يُقرأ باعتباره إجراءً فنياً ، بل رسالة بأن الإمدادات العالمية باتت رهينة التوتر العسكري. النتيجة جاءت سريعة وعنيفة : أسعار الغاز في أوروبا قفزت بأكثر من 50% خلال ساعات، فيما سجلت الأسواق الأمريكية ارتفاعات ملحوظة، ما يعزز توقعات موجة تضخم جديدة قد تعيد الاقتصادات الغربية إلى دائرة الضغط بعد شهور من محاولات التهدئة النقدية.

أما النفط ، فقصته أكثر حساسية وخطورة. مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20 مليون برميل يومياً ، أي نحو خُمس الإمدادات العالمية، تحول إلى منطقة مخاطرة عالية.

تقارير مالية دولية ، بينها تحليلات صادرة عن بنك Goldman Sachs، حذرت من أن استمرار إغلاق المضيق لشهر واحد فقط قد يدفع أسعار الغاز للارتفاع بأكثر من 100%، مع إضافة علاوة مخاطر كبيرة على سعر برميل النفط. خام برنت، الذي كان يتداول قرب 80 دولاراً، بات مرشحاً لتجاوز حاجز المئة دولار إذا طال أمد التوتر ، وهو ما يعني عملياً عودة شبح أزمة الطاقة بكل تداعياتها على سلاسل الإمداد والنقل والتصنيع.

التأثير لن يتوزع بالتساوي. أوروبا ستواجه معضلة مزدوجة بين نقص الإمدادات وارتفاع الكلفة، لكن الصين تبدو في موقف أكثر تعقيداً. بكين تعتمد بنسبة معتبرة على النفط الإيراني، وأي توقف قسري سيدفعها إلى البحث عن بدائل، وعلى رأسها روسيا، ما يعني تدفقات مالية إضافية إلى موسكو قد تنعكس على مسار الحرب في أوكرانيا.

المفارقة هنا أن أوروبا ، التي تسعى منذ سنوات لفك الارتباط الطاقوي مع روسيا ، قد تجد نفسها مضطرة للعودة إليها بشكل غير مباشر، سواء عبر ارتفاع الأسعار أو عبر منافسة شرسة على الإمدادات المحدودة.

في المقابل ، الولايات المتحدة تبدو أكثر تحصيناً نسبياً بفضل احتياطياتها الاستراتيجية وارتفاع إنتاجها المحلي ، فضلاً عن تنويع مصادرها. إلا أن ذلك لا يعفيها من تداعيات تضخمية محتملة ، خصوصاً مع ارتفاع أسعار النفط ، ما يعقد حسابات الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة ، ويمنح الدولار زخماً إضافياً في الأسواق العالمية باعتباره ملاذاً نقدياً في أوقات الأزمات.

وسط هذا المشهد ، عاد الذهب إلى الواجهة كملك للأزمات.

الأونصة سجلت ارتفاعات قوية ، مدفوعة بهروب المستثمرين من الأصول عالية المخاطر. لكن الصعود هذه المرة تحرك في ظل معادلة معقدة، إذ يتقاطع مع قوة الدولار، ما حدّ من اندفاع المعدن الأصفر مقارنة بموجات سابقة. ورغم ذلك ، يبقى الذهب المستفيد الأكبر من حالة عدم اليقين ، باعتباره أداة تحوط كلاسيكية ضد التضخم والانهيارات المحتملة في الأسواق.

الأسواق المالية لم تكن أقل اضطراباً. أسهم شركات الطيران والسياحة تكبدت خسائر حادة مع ارتفاع تكاليف الوقود ومخاوف اضطراب الرحلات ، بينما تعرضت قطاعات صناعية لضغوط بيعية واسعة. في المقابل، شهدت بعض أسهم الصناعات الدفاعية مكاسب مؤقتة مدفوعة بتوقعات زيادة الإنفاق العسكري ، وإن كانت تلك المكاسب مرشحة للتذبذب مع تغير المعطيات الميدانية.

أما اقتصادات الخليج ، فهي في قلب العاصفة. تقارير صادرة عن مؤسسات مالية كبرى ، من بينها بنك JP Morgan، خفضت توقعات النمو لعدد من دول المنطقة ، مع تأثر قطاعات السياحة والخدمات والاستثمار الأجنبي. الصورة الذهنية لدول مثل الإمارات كمراكز آمنة للأعمال والسياحة تواجه اختباراً صعباً ، في وقت يتحرك فيه رأس المال العالمي بسرعة نحو أي ملاذ أكثر استقراراً.

ما يحدث اليوم ليس مجرد ارتفاع في أسعار النفط أو موجة مضاربات على الذهب ، بل إعادة رسم مؤقتة لخريطة المخاطر الاقتصادية العالمية. إذا استمر التصعيد ، فإن العالم قد يدخل مرحلة تضخم مركب جديد ، تتداخل فيها أزمات الطاقة مع اختناقات التجارة وتذبذب العملات ، بما يعيد الاقتصاد الدولي إلى مربع هشاشة لم يغادره بالكامل منذ جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.

الأسواق الآن تتحرك على وقع الأخبار العسكرية، وكل ساعة تحمل احتمالات جديدة. وبينما تتسع رقعة التوتر، يبقى السؤال الأكبر : هل نحن أمام صدمة عابرة ستحتويها التفاهمات السياسية ، أم بداية دورة اضطراب طويلة تعيد تشكيل موازين الاقتصاد العالمي لسنوات قادمة؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!