من شرارة القدس إلى شبح المواجهة الدولية الشاملة

✍️ يوحنا عزمي
إيران تعلن أنها استهدفت موقعاً “حساساً” في القدس، وحزب الله اللبناني يخرج رسمياً من حالة الاشتباك المحدود إلى حالة الحرب المفتوحة ، والحوثيون في اليمن يلوحون بدخول المواجهة، بينما تتسع دائرة التحالف المقابل بانضمام بريطانيا وألمانيا وفرنسا إلى المعسكر الأمريكي الإسرائيلي. وفي خضم هذا المشهد المتسارع، تنتشر شائعة اغتيال بنيامين نتنياهو ، قبل أن يتضح أنها غير صحيحة ولم تؤكدها أي جهة رسمية ، في وقت تتحدث فيه مصادر إيرانية عن “مفاجأة كبرى” سيتم الإعلان عنها قريباً ، ما يزيد منسوب الترقب والقلق إلى أقصى درجة.
المشهد يتغير بسرعة لافتة ، لدرجة أن توصيف ما يجري كحرب إقليمية لم يعد كافياً. دخول حزب الله بشكل مباشر وواسع يمثل نقطة تحول فارقة ؛ فالحزب ، الذي كان يتحرك سابقاً ضمن قواعد اشتباك محسوبة ، أطلق رشقات صاروخية باليستية وصلت إلى حيفا وشمال الأراضي المحتلة، بالتوازي مع تحليق مكثف لطائرات مسيّرة فوق الجبهة الشمالية.
في المقابل ، استدعت إسرائيل عشرات الآلاف من جنود الاحتياط، وتلوح بعملية برية في جنوب لبنان ، ما يعني أن الجبهة اللبنانية لم تعد ورقة ضغط سياسية ، بل ساحة قتال فعلية مفتوحة على كل الاحتمالات.
على الجبهة الخليجية ، تتصاعد الاتهامات والبيانات العسكرية بوتيرة متسارعة. تقارير إيرانية تتحدث عن استهداف قاعدة السالم الأمريكية في الكويت ومنشآت بحرية في البحرين قرب ميناء سلمان ، بينما تلتزم واشنطن ببيانات حذرة وتعلن فتح تحقيقات بشأن طبيعة الهجمات واختراق الدفاعات الجوية. إن صحت بعض هذه المعطيات ، فنحن أمام تحول نوعي في قواعد الاشتباك، إذ لم يعد الصراع محصوراً في مسرح واحد ، بل بات يمتد على طول الخارطة من شرق المتوسط حتى الخليج العربي.
الرد الأمريكي الإسرائيلي جاء عنيفاً ومكثفاً ، مع إعلان تنفيذ موجات ضربات واسعة داخل إيران ، شملت أهدافًا عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بالحرس الثوري. الحديث عن آلاف الأهداف يعكس حجم التصعيد ، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام ردود انتقامية متبادلة قد تخرج عن السيطرة. كل ضربة تحمل في طياتها احتمال توسع جديد ، وكل بيان عسكري قد يكون تمهيدًا لمرحلة أكثر خطورة.
أما بريطانيا ، فقد وجدت نفسها في قلب النيران بعد تقارير عن استهداف قاعدة أكروتيري في قبرص ، وهي إحدى أهم القواعد الجوية البريطانية في شرق المتوسط. ومع الحديث عن انفجارات وإجراءات إجلاء واسعة لرعايا أوروبيين من المنطقة ، يتأكد أن الدول الغربية لم تعد داعماً من الخلف ، بل أصبحت جزءًا مباشراً من مسرح العمليات. انضمام ألمانيا وفرنسا سياسياً وعسكرياً يعزز هذا الانطباع بأن التحالف يتماسك استعدادًا لمواجهة ممتدة ، لا مجرد جولة عابرة.
اتساع رقعة الدول المنخرطة أو المتأثرة ـ من العراق والكويت والبحرين ولبنان إلى قبرص والإمارات والسعودية وقطر ـ يكشف أن خطوط النار لم تعد مرسومة بوضوح. أي خطأ في الحسابات أو ضربة تتجاوز السقف المتوقع ، قد تدفع المنطقة إلى انفجار شامل.
التصريحات النارية ، مثل تعهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالثأر للجنود الأمريكيين إذا ثبت سقوط أعداد كبيرة، تضيف عنصراً آخر من الضغط السياسي الذي قد يترجم إلى قرارات عسكرية أكثر حدة.
الحديث الإيراني عن “مفاجأة كبرى” يضاعف من منسوب الغموض. هل يتعلق الأمر بسلاح جديد؟ بعملية نوعية؟ أم بإعلان سياسي يقلب موازين المشهد؟ في الحروب ، الغموض سلاح بحد ذاته ، وأحيانًا يكون أثره النفسي أخطر من الصواريخ نفسها. الأسواق تترقب ، العواصم ترفع جاهزيتها، وحالة القلق الشعبي تتصاعد مع كل إشعار عاجل جديد.
نحن أمام لحظة فارقة ؛ الانتقال من مستوى الاشتباكات المتفرقة إلى شبكة صراع متعددة الجبهات يجري بسرعة غير مسبوقة.
ورغم أن وصف “حرب عالمية” قد يبدو مبالغاً فيه حتى الآن، فإن المؤشرات تنذر بتدويل متزايد للصراع، خاصة إذا استمرت الضربات المتبادلة واتسعت لتشمل أهدافاً سيادية مباشرة لدول كبرى.
ما يحدث ليس مجرد جولة أخرى في سجل النزاعات الشرق أوسطية، بل اختبار حقيقي لقدرة القوى الكبرى على ضبط الإيقاع قبل أن يتحول الشرق الأوسط إلى بؤرة صدام مفتوح تتشابك فيه الحسابات الإقليمية والدولية بشكل لا يمكن احتواؤه بسهولة.



