كيف حولت الصين فوضى الشرق الأوسط إلى فرصة تاريخية لتعزيز نفوذها العالمي

✍️ يوحنا عزمي
في الوقت الذي انشغل فيه العالم بحرائق الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل الإمداد ، بدت بكين وكأنها تتابع المشهد من مسافة محسوبة ، بهدوء أقرب إلى الثقة منه إلى اللامبالاة.
بينما كانت عواصم كبرى تحسب خسائرها يوماً بيوم، كانت الصين تتصرف كدولة خططت مسبقاً لسيناريو الفوضى ، لا كدولة فوجئت به. ما يجري اليوم لم يكن طارئاً في الحسابات الصينية ، بل اختباراً عملياً لسنوات طويلة من التحضير الهادئ لبناء اقتصاد أقل اعتماداً على الخارج وأكثر قدرة على الصمود في وجه الصدمات الجيوسياسية.
خلال العقد الأخير، لفت انتباه المراقبين إقبال الصين المتزايد على شراء الذهب بكميات كبيرة ، رسمياً عبر البنك المركزي، وغير رسمي عبر قنوات متعددة. هذا السلوك لم يكن استثماراً تقليدياً بقدر ما كان إعادة تموضع احترازي ، يعكس رغبة في تنويع أدوات الحماية بعيدًا عن الأصول المقومة بالدولار.
بالتوازي ، ظهرت حركة لافتة لرؤوس الأموال الصينية في الخارج ، حيث اتجه بعض رجال الأعمال إلى تصفية أصول عقارية واستثمارية في مدن غربية وإعادة توجيه السيولة نحو الداخل ، في سياق عام يعكس تفضيل الأمان الاستراتيجي على التوسع الخارجي عالي المخاطر.
وعندما تصاعدت المخاوف العالمية من احتمالات إغلاق مضيق هرمز ، وهو شريان حيوي للطاقة ، ساد اعتقاد واسع بأن الصين ستكون من أكبر المتضررين باعتبارها مستورداً ضخماً للنفط. غير أن تقارير صحفية ، من بينها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أشارت إلى أن بكين كانت تتعامل مع هذا السيناريو منذ سنوات بوصفه احتمالًا يجب الاستعداد له، لا مفاجأة يجب الارتباك أمامها. الاستعداد لم يكن عسكرياً فقط، بل اقتصاديًا وصناعيًا في الأساس.
التحول الأعمق تمثل في إعادة هندسة القاعدة الصناعية. فبعد سنوات كانت فيها الصين أكبر مستورد للعديد من المنتجات البتروكيماوية الوسيطة ، اتجهت بقوة إلى توطين هذه الصناعات ورفع طاقتها الإنتاجية محلياً. اليوم ، تنتج الصين حصة ضخمة من الألياف الصناعية مثل البوليستر والنايلون ، ما خفف اعتمادها على واردات مشتقة من النفط ، ومنحها مرونة أكبر في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة.
الأكثر دلالة هو الاستثمار المكثف في تكنولوجيا تحويل الفحم إلى مواد كيميائية ووقود بديل، وهي تقنيات تعود جذورها إلى تجارب أوروبية في فترات الحصار خلال القرن العشرين، لكن بكين أعادت تطويرها على نطاق صناعي واسع. استخدام الفحم في الصناعات الكيميائية والكهرباء ارتفع بشكل ملحوظ خلال سنوات قليلة، ما وفّر بديلاً جزئياً للنفط في قطاعات حيوية. هذه الخطوة لم تكن اقتصادية فقط ، بل استراتيجية ، لأنها منحت الصين قدرة على تقليل حساسية اقتصادها لأي اضطراب في إمدادات النفط العالمية.
في الوقت نفسه، دفعت بكين بقوة نحو كهربة قطاع النقل. أصبحت الصين أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، واستثمرت بكثافة في البنية التحتية للشحن وفي دعم الشركات المحلية العاملة في هذا المجال. هذا التحول ساهم في خفض نمو الطلب المحلي على البنزين والديزل ، وفتح الباب أمام مرحلة قد تكون فيها الصين قد تجاوزت ذروة استهلاكها من النفط في النقل البري.
اللافت أن جزءًا من هذا التحول تسارع بعد الحرب التجارية التي أطلقتها إدارة دونالد ترامب ضد الصين في ولايته الأولى. تلك المواجهة دفعت القيادة الصينية، وعلى رأسها شي جين بينغ، إلى التشديد على مبدأ الاعتماد على الذات وتسريع خطط الإحلال المحلي في التكنولوجيا والصناعة والطاقة. تصريحات رئيس الوزراء الصيني آنذاك لي كه تشيانغ حول توسيع استخدام الفحم في الكيماويات والكهرباء بدت في وقتها خيارًا تقنيًا غريبًا، لكنها اليوم تبدو جزءًا من رؤية أوسع لتقليل الهشاشة أمام الضغوط الخارجية.
هذا التوجه نحو الاكتفاء النسبي لم ينعكس فقط على الداخل الصيني، بل امتد أثره إلى الأسواق العالمية. فعندما قلّصت الصين صادرات بعض الأسمدة، ارتفعت الأسعار عالميًا بشكل حاد، بينما بقيت الأسعار المحلية أقل بكثير بفضل اعتماد جزء كبير من الإنتاج على الفحم كمادة أولية. في المقابل ، وجدت دول آسيوية مثل فيتنام والفلبين نفسها تبحث عن تعاون أو دعم صيني في مواجهة أزمات طاقة وضغوط اقتصادية، ما منح بكين نفوذاً إضافيا يتجاوز التجارة إلى التأثير الاستراتيجي.
في الخلفية ، يبدو أن الصين لا تنظر إلى الأزمات باعتبارها تهديدًا فقط، بل فرصاً لإعادة تشكيل موازين القوة. زيادة المخزون الاستراتيجي من النفط، تنويع مصادر الطاقة، بناء سلاسل توريد محلية ، وتعزيز الصناعات البديلة ، كلها عناصر في رؤية طويلة المدى تهدف إلى تقليل الاعتماد على النظام الاقتصادي العالمي التقليدي، دون الانفصال عنه بالكامل.
المشهد العام يوحي بأن بكين لم تنتظر لحظة الفوضى كي تتصرف، بل تصرفت مبكراً وكأن الفوضى قادمة لا محالة. وبينما انشغل آخرون بإدارة الأزمات المتلاحقة، كانت الصين تبني بهدوء ما يمكن وصفه بسور اقتصادي يحميها من تقلبات الخارج، ويمنحها مساحة أوسع للمناورة والتأثير في عالم يعاد تشكيله تحت ضغط الصراعات والطاقة والسياسة.



