مقالات

هل بدأ الربيع العربي من جديد؟.. الحقيقة الكاملة وراء احتجاجات تونس وليبيا بعيداً عن التضليل

✍️ بقلم : يوحنا عزمي

🔴 لو كنت متابع المشهد في شمال أفريقيا خلال الأيام الأخيرة، فأكيد لفت انتباهك إن تونس شهدت خروج مظاهرات محدودة تطالب بتغيير الحكومة ورحيل الرئيس قيس سعيد، وفي التوقيت نفسه تقريبًا تصاعدت الاحتجاجات في ليبيا بصورة أكبر، ووصلت إلى حد إغلاق مؤسسات حكومية ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، وسط دعوات لإسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة.

المشهد للوهلة الأولى قد يبدو وكأنه نسخة جديدة من أحداث عام 2011، ولذلك سارعت بعض الصفحات ووسائل الإعلام إلى الحديث عن “ربيع عربي جديد” وكأن المنطقة تعود إلى نقطة البداية مرة أخرى. لكن القراءة الهادئة للأحداث تقول إن إطلاق هذا الوصف الآن يبدو سابقاً لأوانه ، لأن ما يجري في البلدين، رغم تشابه بعض مظاهره، تحكمه ظروف مختلفة، كما أن دوافع الشارع في كل دولة ليست نسخة طبق الأصل من الأخرى.

ومن خلال متابعة ردود الفعل داخل تونس وليبيا، والاطلاع على آراء مؤيدين ومعارضين على السواء، يبدو أن الصورة أكثر تعقيدًا بكثير من مجرد رواية واحدة يمكن تصديقها بالكامل أو رفضها بالكامل.

في تونس، جاءت الاحتجاجات بالتزامن مع الخامس والعشرين من يوليو، وهو تاريخ يحمل رمزية سياسية كبيرة داخل البلاد منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد عام 2021. خرجت مجموعات شبابية ومنظمات مجتمع مدني في وقفات محدودة رفعت شعار “يكفي”، مطالبة بتغيير السياسات الحالية، بينما اعتبرت أن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وصلت إلى مرحلة لم يعد المواطن قادرًا على تحملها.

السبب المباشر الذي أشعل حالة الغضب كان أزمة الكهرباء والانقطاعات الطويلة التي شهدتها عدة مناطق، خاصة مع موجات الحرارة المرتفعة. لكن الحقيقة أن الكهرباء لم تكن سوى الشرارة الأخيرة، لأن الأزمة أعمق من مجرد انقطاع للتيار. فهناك سنوات من الضغوط الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وزيادة معدلات البطالة، إضافة إلى أعباء الديون وضعف النمو والاستثمار، وهي عوامل جعلت أي أزمة خدمية تتحول سريعًا إلى قضية سياسية.

المعارضة التونسية ترى أن هذه الأوضاع نتيجة مباشرة للسياسات التي اتبعها الرئيس قيس سعيّد منذ تركيز السلطات التنفيذية والتشريعية بصورة أكبر في مؤسسة الرئاسة، بعد تجميد البرلمان وتعديل الدستور. ومن وجهة نظرها، فإن تراجع الحياة السياسية صاحبه تدهور اقتصادي واضح ، وهو ما انعكس على مستوى معيشة المواطنين، لتصبح الاحتجاجات الحالية تعبيرًا عن غضب متراكم وليس مجرد رد فعل على أزمة الكهرباء.

في المقابل، يرفض أنصار الرئيس هذا التفسير، ويؤكدون أن تحميله مسؤولية جميع أزمات البلاد يتجاهل سنوات طويلة من الاختلالات التي سبقت وصوله إلى الحكم. ويعتبرون أن الاقتصاد التونسي كان يعاني بالفعل من أزمات هيكلية وديون متراكمة واعتماد كبير على الاستيراد وضعف الاستثمارات، وأن ما يواجهه اليوم هو امتداد لهذه التراكمات، وليس نتيجة قرارات السنوات الأخيرة فقط.

ويضيف أصحاب هذا الرأي أن الرئيس دخل في مواجهة مع شبكات نفوذ وفساد متجذرة داخل مؤسسات الدولة، وأن كثيراً من قراراته كانت تهدف – بحسب رؤيتهم – إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة قدرتها على العمل، حتى وإن كانت تلك القرارات محل خلاف سياسي واسع. لذلك فهم يرون أن جانباً من الاحتجاجات يعكس صراعاً سياسياً بين السلطة ومعارضيها، أكثر مما يعكس حالة ثورية شاملة في الشارع، خاصة أن أعداد المشاركين كانت محدودة مقارنة بمحطات سابقة في تاريخ تونس.

أما في ليبيا، فالصورة تحمل تشابهاً في العنوان لكنها تختلف في التفاصيل. فالمطالب بدأت أيضًا من ملف الخدمات، وعلى رأسها الكهرباء وتراجع مستوى المعيشة، لكنها سرعان ما انتقلت إلى مرحلة أكثر تصعيدًا، حيث شهدت بعض المدن إغلاق وزارات وهيئات حكومية، ومنع الموظفين من الدخول إلى مقار عملهم، في محاولة لزيادة الضغط على حكومة الوحدة الوطنية.

التطور الأكثر حساسية تمثل في تعطيل العمل داخل شركة مليتة للنفط والغاز، وهي إحدى أهم المنشآت المرتبطة بإنتاج وتصدير الطاقة الليبية. وهذه الخطوة لم تعد مجرد احتجاج خدمي، بل أصبحت تحمل أبعادًا اقتصادية وسياسية واسعة، لأن النفط والغاز يمثلان المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة الليبية، وأي اضطراب في هذا القطاع ينعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي، وقد يمتد تأثيره إلى الأسواق الأوروبية التي تعتمد على جزء من الصادرات الليبية.

المعارضون للحكومة يعتبرون أن ما يحدث نتيجة طبيعية لفشلها في إدارة الملفات الخدمية والاقتصادية، ويؤكدون أن المواطن الليبي لا يرى انعكاساً حقيقياً للثروة النفطية على حياته اليومية، رغم أن ليبيا تمتلك واحدة من أكبر الاحتياطيات النفطية في القارة الأفريقية. ومن هذا المنطلق، فإنهم يرون أن المشكلة تكمن في الإدارة، وأن تغيير الحكومة أصبح ضرورة وليس مجرد مطلب سياسي.

في المقابل، يرى أنصار الحكومة أن تقييم المشهد بهذه الطريقة يتجاهل حقيقة أن ليبيا ما زالت تعيش منذ أكثر من عقد حالة انقسام سياسي ومؤسساتي معقدة، إلى جانب وجود قوى مسلحة ومراكز نفوذ متعددة، وهو ما يجعل أي حكومة تعمل في ظروف استثنائية شديدة الصعوبة. ولذلك فإن تحميل الحكومة الحالية وحدها مسؤولية كل الأزمات، بحسب هذا الرأي، لا يعكس الصورة الكاملة، خاصة أن جزءًا من التحركات يرتبط أيضًا بصراع مستمر على السلطة والنفوذ بين أطراف المشهد الليبي.

ومن وجهة نظري ، فإن أخطر ما في المشهد الحالي ليس الاحتجاجات نفسها، لأن الاحتجاج السلمي حق طبيعي في أي مجتمع عندما تتراكم الأزمات المعيشية والاقتصادية، وإنما الخطر الحقيقي يكمن في المرحلة التي قد تلي هذه الاحتجاجات إذا وجدت أطراف داخلية أو خارجية فرصة لاستثمار حالة الغضب الشعبي وتحويلها إلى حالة من الفوضى أو الصدام المفتوح.

التاريخ القريب في المنطقة العربية يثبت أن كثيراً من الاحتجاجات بدأت بمطالب معيشية حقيقية ومشروعة، لكن بعضها تحول لاحقًا إلى ساحات صراع سياسي وأمني معقد، بسبب تدخلات متعددة أو غياب حلول سريعة للأزمات. لذلك فإن القلق لا ينبغي أن يكون من خروج المواطنين للتعبير عن مطالبهم، بل من احتمالية استغلال هذه المطالب في معارك تتجاوز مصالح الشعوب نفسها.

وفي الوقت نفسه، من الخطأ أيضًا القفز إلى استنتاج أن المنطقة تعيش بالفعل بداية “ربيع عربي” جديد. فما زال حجم الاحتجاجات، وطبيعة المشاركين فيها، وتوازنات القوى داخل كل دولة، تختلف كثيراً عن المشهد الذي عرفته المنطقة قبل أكثر من خمسة عشر عاماً. وما يحدث حتى الآن يبدو أقرب إلى موجة احتجاجات مرتبطة بأزمات اقتصادية وخدمية وسياسية داخلية، أكثر من كونه تحولًا إقليمياً شاملًا يعيد إنتاج أحداث الماضي.

الأيام المقبلة وحدها ستكشف ما إذا كانت الحكومتان ستنجحان في احتواء الغضب عبر حلول عملية ، أم أن استمرار الأزمات سيدفع الاحتجاجات إلى مراحل أكثر اتساعًا. لكن المؤكد أن استقرار تونس وليبيا لا يهم شعبي البلدين فقط، بل يمثل عنصرًا مهمًا في استقرار منطقة شمال أفريقيا والبحر المتوسط بأكملها، وهو ما يجعل أي تطور هناك محل متابعة دقيقة من القوى الإقليمية والدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى