الضفة الغربية .. هل تُصنع الانتفاضة أم تُستدرج إليها؟

✍️ يوحنا عزمي
منذ أسابيع تتصاعد التحذيرات داخل الأوساط السياسية والإعلامية، وخاصة في الصحافة الإسرائيلية، من احتمال اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة الغربية. وبين من يرى أن هذا السيناريو بات وشيكاً، ومن يعتبره مجرد تهويل إعلامي، يبقى السؤال الأهم: هل ما يحدث على الأرض يمثل بالفعل مقدمات انتفاضة شعبية؟ أم أن الحديث المتكرر عنها يخدم أهدافًا سياسية وأمنية تتجاوز مجرد توصيف الواقع؟
لفهم الصورة بصورة أكثر عمقًا، يجب أولًا الاعتراف بأن الضفة الغربية تشهد بالفعل تصاعداً ملحوظا في الانتهاكات والضغوط على الفلسطينيين. فوفق تقارير متعددة، شهد شهرا مايو ويونيو فقط مئات الحوادث المنسوبة إلى مستوطنين إسرائيليين ضد فلسطينيين وممتلكاتهم، في ظل اتهامات متكررة بوجود حماية أو تساهل رسمي مع كثير من تلك الممارسات. كما أن صعود التيارات الدينية والقومية داخل الحكومة الإسرائيلية منح قطاعاً من المستوطنين شعوراً بوجود غطاء سياسي وأيديولوجي لمشروعات التوسع الاستيطاني، وهو ما زاد من حدة الاحتقان داخل الضفة.
لكن المثير للانتباه ليس فقط حجم الانتهاكات، وإنما تزامنها مع تصاعد الحديث الإعلامي عن انتفاضة وشيكة، بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الضفة الغربية. وهذا التزامن يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت إسرائيل تستعد بالفعل لاحتمال انفجار الأوضاع، أم أنها تسعى إلى خلق بيئة أمنية تبرر إجراءات أكثر تشددًا إذا ما اندلعت مواجهات.
منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، ركزت الأنظار العالمية على قطاع غزة، إلا أن الضفة الغربية لم تكن بعيدة عن مسرح الأحداث. فعلى الرغم من انشغال العالم بالحرب في غزة، ثم لاحقاً بالتوترات الإقليمية مع إيران، استمرت العمليات العسكرية والإجراءات الأمنية داخل الضفة بوتيرة مرتفعة، إلى جانب استمرار النشاط الاستيطاني. وتشير تقارير دولية إلى موجات نزوح واسعة لفلسطينيين من بعض المناطق، وهي تطورات ينظر إليها كثير من المراقبين باعتبارها من أخطر التحولات التي شهدتها الضفة منذ عقود.
ويخطئ من يعتقد أن الضفة الغربية أقل أهمية من قطاع غزة في الحسابات الإسرائيلية. فالضفة تمثل الامتداد الجغرافي الأكبر، وتضم معظم الأراضي القابلة للتوسع الاستيطاني، كما أنها تشكل جزءًا أساسيا من أي تصور مستقبلي لإقامة دولة فلسطينية. ولهذا فإن أي تغيير ديموغرافي أو جغرافي فيها ينعكس مباشرة على مستقبل مشروع حل الدولتين، الذي يواجه بالفعل تحديات متزايدة منذ سنوات.
ومن هنا يمكن فهم سبب اعتبار الضفة الغربية ساحة أكثر حساسية في العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية. فالمسألة لا تتعلق فقط بالبعد الأمني، بل تمتد إلى إعادة رسم الوقائع على الأرض بصورة تجعل أي تسوية سياسية مستقبلية أكثر تعقيدًا.
وفي المقابل، فإن تصاعد الغضب الشعبي داخل الضفة أمر يمكن تفسيره في ضوء الضغوط الاقتصادية والأمنية المتراكمة، لكن يبقى السؤال: من المستفيد إذا تحولت هذه الحالة إلى انتفاضة مسلحة أو موجة واسعة من العنف؟
هناك من يرى أن أي تصعيد واسع قد يمنح الحكومة الإسرائيلية مبررات إضافية لتوسيع العمليات العسكرية، وتشديد الإجراءات الأمنية، وتسريع وتيرة التوسع الاستيطاني تحت عنوان حماية الأمن القومي. وفي المقابل، يدفع المدنيون الفلسطينيون الثمن الأكبر، سواء من حيث الخسائر البشرية أو تدهور الأوضاع الاقتصادية والإنسانية.
لذلك فإن التعامل مع الدعوات أو التوقعات المتعلقة بانتفاضة جديدة يحتاج إلى قدر كبير من الوعي والحذر. فالمشهد أكثر تعقيدا من مجرد رد فعل على الانتهاكات، إذ تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع الاعتبارات السياسية والإقليمية والدولية، وتصبح كل خطوة على الأرض قابلة للتوظيف من مختلف الأطراف لتحقيق أهدافها.
وفي النهاية، فإن استمرار دوامة العنف لا يعني بالضرورة اقتراب الحل، بل قد يؤدي إلى تكريس واقع أكثر صعوبة على الجميع. ولهذا تبقى الحاجة ملحة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي حقيقي يضع حدًا للتصعيد، ويحمي المدنيين، ويمنع تحول الضفة الغربية إلى ساحة مواجهة مفتوحة يدفع ثمنها الأبرياء وحدهم.
إن قراءة المشهد بعين هادئة، بعيدًا عن الانفعال والدعاية، أصبحت ضرورة لفهم ما يجري. فليست كل الروايات المتداولة تعكس الصورة كاملة، وليست كل التوقعات حتمية. وما يحدث اليوم في الضفة الغربية قد يرسم ملامح مرحلة جديدة في الصراع، لكن كيفية إدارة هذه المرحلة ستكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو انفجار أكبر، أم ستجد فرصة، ولو محدودة، لاحتواء الأزمة قبل أن تتوسع بصورة يصعب السيطرة عليها.



